اختلف السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿أولئك الذين يدعون﴾ على أقوال: الأول: أنهم نفر من الجن. الثاني: أنهم الملائكة. الثالث: أنهم عزير والمسيح وأمه. وقد رجّح ابنُ جرير (١٤/٦٣١-٦٣٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وبيَّن احتمال صوابَ القول الثاني، وانتقد الثالث، فقال: «وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية قولُ عبد الله بن مسعود الذي رويناه عن أبي معمر عنه، وذلك أن الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر عن الذين يدعونهم المشركون آلهة أنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة في عهد النبي ﷺ، ومعلوم أنّ عزيرًا لم يكن موجودًا على عهد نبينا عليه الصلاة والسلام فيبتغي إلى ربه الوسيلة، وأن عيسى قد كان رفع، وإنما يبتغي إلى ربه الوسيلة مَن كان موجودًا حيًّا يعمل بطاعة الله، ويتقرب إليه بالصالح من الأعمال، فأما من كان لا سبيل له إلى العمل فبم يبتغي إلى ربه الوسيلة؟! فإذا كان لا معنى لهذا القول فلا قول في ذلك إلا قول مَن قال ما اخترنا فيه من التأويل، أو قول من قال: هم الملائكة. وهما قولان يحتملهما ظاهر التنزيل». وذكر ابنُ عطية (٥/٥٠٠) قولًا عن ابن فورك وغيره «أن الكلام من قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ﴾ راجع إلى النبيين المتقدم ذكرهم». ثم علّق عليه قائلا: «فـ﴿يَدْعُونَ﴾ على هذا من الدعاء»
بيَّنَ ابنُ عطية (٧/ ١١٨) أنَّ هذا القول هو قول الجمهور، وذكر حجتهم، فقال: «مِن حجة الجمهور قولُه: ﴿عنكم﴾، و﴿يطهركم﴾ بالميم، ولو كان للنساء خاصة لكان: عنكن». ثم ذَهَبَ إلى أنّ زوجات النبي يدخلن في ذلك، مستندًا إلى السياق، فقال: «والذي يظهر لي أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فأهل البيت: زوجاته، وبنته، وبنوها، وزوجها. وهذه الآية تقتضي أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهن». وذَهَبَ ابنُ تيمية (٥/٢٤٠)، وكذا ابنُ كثير (١١/١٥٢) إلى ما ذهب إليه ابنُ عطية، قال ابنُ تيمية مستندًا إلى دلالة السنة والقرآن: «الصحيح أن أزواجه من آله؛ فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه علمَّهم الصلاة عليه: «اللهم صلِّ على محمد، وأزواجه، وذريته». ولأن امرأة إبراهيم مِن آله وأهل بيته، وامرأة لوط مِن آله وأهل بيته، بدلالة القرآن، فكيف لا يكون أزواج محمد مِن آله، وأهل بيته؟! ولأنّ هذه الآية تدلُّ على أنهن من أهل بيته، وإلا لم يكن لذكر ذلك في الكلام معنى». وقال ابنُ كثير: «هذا نصٌّ في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا؛ إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح». وذكر (١١/١٦٠) أنّ سياق الكلام معهن
قال ابنُ عطية (٨/٢٥-٢٦ بتصرف): «هم أعراب مخصوصون، وقد أخبر الله تعالى أنّ في الأعراب على الجملة مَن يؤمن بالله واليوم الآخر، فأمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يقول لهؤلاء المُدَّعين في الإيمان:﴿لم تؤمنوا﴾ أي: لم تصدِّقوا بقلوبكم، ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾. والإسلام يقال بمعنيين: أحدهما: الدّين يعم الإيمان والأعمال، وهو الذي في قوله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران:١٩]، والذي في قوله ﷺ: «بُني الإسلام على خمس». والذي في تعليم النبي ﷺ لجبريل حين قال له: ما الإسلام؟ قال: «أن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان». والذي في قوله لسعد بن أبي وقاص: «أو مسلمًا، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه» الحديث. فهذا الإسلام ليس هو في قوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾. والمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم، وهذا هو الإسلام في قوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾، والإيمان الذي هو التصديق أخص من الأول». وقال ابنُ كثير (١٣/١٧٤): «قد استُفِيد من هذه الآية الكريمة أنّ الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل عليه السلام حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقّى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه»
اختُلف في المجلس الذي أمر الله المؤمنين بالتَّفسُّح فيه على أقوال: الأول: أنه مجلس رسول الله ﷺ. الثاني: أنه مجالس القتال إذا اصطَفُّوا للحرب. الثالث: أن رسول الله ﷺ أقام قومًا ليُجْلِس أشياخًا من أهل بدر؛ فنَزَلَتْ الآية. الرابع: أنها مجالس الذكر. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٤٧٨) العموم، فقال: «إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أمر المؤمنين أن يتفسَّحوا في المجلس، ولم يَخْصُص بذلك مجلس النبي ﷺ دون مجلس القتال، وكلا الموضعين يقال له: مجلسٌ، فذلك على جميع المجالس من مجالس رسول الله ﷺ ومجالس القتال». ونقل ابنُ عطية (٨/٢٥٢) عن بعض الناس: أنّ «الآية مخصوصة في مجلس النبي ﷺ، وليس في سائر المجالس». وذكر أنه يدل على ذلك قراءة مَن قرأ: ‹فِي المَجْلِسِ›، وأما من قرأ: ﴿في المجالس﴾ فذلك مرادٌ أيضًا؛ لأنّ لكل أحد مجلسًا في بيت النبي ﷺ وموضعه فتجمع لذلك«. ونقل عن الجمهور من أهل العلم: أنّ»السبب مجلس النبي ﷺ، والحكم مطَّردٌ في سائر المجالس التي هي للطاعات، وعلَّق بقوله: «ومنه قول النبي ﷺ: «أحبُّكم إلى الله ألْيَنُكم مناكب في الصلاة ورُكَبًا في المجالس»». ثم علَّق عليه بقوله: «ويؤيد هذا القول قراءة مَن قرأ: ﴿في المجالس﴾، ومَن قرأ: ‹فِي المَجْلِسِ› فذلك -على هذا التأويل- اسم جنس»
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، إنّ الميت إذا وُضِع في قبره إنّه لَيَسمَعُ خَفْقَ نعالِهم حين يُوَلُّون عنه، فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاةُ عندَ رأسه، والزكاةُ عن يمينه، والصومُ عن شماله، وفعلُ الخيراتِ والمعروفُ والإحسانُ إلى الناس من قِبَلِ رجليه، فيُؤْتى مِن قِبَلِ رأسه، فتقول الصلاة: ليس قِبَلي مَدخَلٌ. فيُؤْتى عن يمينه، فتقولُ الزكاةُ: ليس قِبَلي مَدخَلٌ. ويؤتى من قِبَل شماله، فيقولُ الصومُ: ليس قِبَلي َمَدْخَلٌ. ثم يُؤْتى مِن قِبَلِ رجليه فيقول فعلُ الخيرات والمعروفُ والإحسان إلى الناس: ليس قِبَلي مَدخَلٌ. فيُقال له: اجلسْ. فيَجلس، وقد مُثِّلَتْ له الشمسُ قد قربت للغروب، فيُقال له: أخبِرْنا عمّا نسألك. فيقولُ: دعني حتى أُصَلِّي. فيُقال: إنّك ستفعلُ، فأخبِرنا عمّا نسألك. فيقولُ: عمَّ تسألوني؟ فيُقال له: ما تقولُ في هذا الرجل الذي كان فيكم؟ يعني: النبيَّ ﷺ، فيقولُ: أشهد أنّه رسول الله، جاءنا بالبينات مِن عند ربِّنا، فصدَّقنا، واتَّبَعنا. فيُقال له: صدَقْتَ، على هذا حَيِيتَ، وعلى هذا مِتَّ، وعليه تُبعَثُ -إن شاء الله-. ويُفْسَح له في قبره مَدَّ بصره، فذلك قول الله: ﴿يُثبتُ الله الَّذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. ويُقال: افتحوا له بابًا إلى النار. فيقال: هذا كان منزلك لو عصيت الله. فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، ويفال: افتحوا له بابًا إلى الجنة. فيُفْتَح له، فيُقال: هذا منزلك، وما أعَدَّ الله لك. فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، فيُعاد الجسد إلى ما بدا منه مِن التراب، ويُجْعَل رُوحُه في النَّسَمِ الطَّيِّب، وهي طيرٌ خُضرٌ تَعلَقُ في شجرٍ في الجنة. وأَمّا الكافر فيُؤْتى في قبره مِن قبَلِ رأسه فلا يوجد شيءٌ، فيُؤْتى مِن قِبَلِ رجليه فلا يوجد شيءٌ، فيجلِس خائفًا مَرْعوبًا، فيُقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم؟ وما تشهد به؟ فلا يهتدي لاسمِه، فيُقال: محمدٌ ﷺ. فيقولُ: سمعتُ الناس يقولون شيئًا، فقلتُ كما قالوا. فيُقال له: صدَقتَ، على هذا حَيِيتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تُبعثُ -إن شاء الله-. ويُضَيَّق عليه قبرُه حتى تختلف أضلاعُه، فذلك قولُه تعالى: ﴿ومنْ أعرَضَ عن ذكري فإنّ لهُ معيشةً ضنكًا﴾ [طه:١٢٤]، فيُقال: افتحوا له بابًا إلى الجنة. فيُفْتَح له بابٌ إلى الجنة، فيقالُ: هذا كان منزلك وما أعدَّ الله لك لو كنت أطعتَه. فيزدادُ حسرةً وثُبُورًا، ثم يُقال: افتحوا له بابًا إلى النار. فيُفتَح له بابٌ إليها، فيقال له: هذا منزلك، وما أعدَّ الله لك. فيزدادُ حسرةً وثبورًا»
عن أبي مِجْلَز [لاحق بن حميد] -من طريق التَّيْمِيّ- في قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾، قال: لَمّا فرغ من البيت جاءه جبريل عليه السلام، فأراه الطواف بالبيت -وأَحْسَبُه قال: والصفا والمروة-، ثم انطلقا إلى العَقَبَة، فعرض لهما الشيطان، قال: فأخذ جبريل عليه السلام سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم عليه السلام سبع حَصَيات، فرمى، وكَبَّر، وقال لإبراهيم: ارْمِ، وكَبِّر. قال: فرَمَيا، وكَبَّرا معَ كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم انطلقا إلى الجمرة الوسطى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل عليه السلام سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم عليه السلام سبع حَصَيات، فرَمَيا، وكَبَّرا مع كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم أتَيا الجمرة القُصْوى، قال: فعرض لهما الشيطان. قال: فأخذ جبريل عليه السلام سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم عليه السلام سبع حَصَيات، وقال: ارْمِ، وكَبِّر. فرمَيا، وكَبَّرا مع كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم أتى به إلى منى، فقال: ههنا يَحْلِق الناس رؤوسهم. ثم أتى به جمعًا، فقال: هاهنا يجمع الناس الصلاةَ. ثم أتى به عرفات، فقال: عرفتَ؟ قال: نعم. قال: فمِن ثَمَّ سُمِّيت: عرفات
قال يزيد بن شجرة: مرَّ رسولُ الله ﷺ ذات يوم ببعض الأسواق بالمدينة، وإذا غلام أسود قائم ينادى عليه لِيُباع فيمَن يزيد، وكان الغلام يقول: مَن اشتراني فعلى شرط. قيل: ما هو؟ قال: لا يمنعني مِن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ. فاشتراه رجلٌ على هذا الشرط، وكان يراه رسول الله ﷺ عند كلّ صلاة مكتوبة، ففَقَده ذات يوم، فقال لصاحبه: «أين الغلام؟». فقال: محمومٌ، يا رسول الله. فقال لأصحابه: «قوموا بنا نعوده». فقاموا معه، فعادوه، فلما كان بعد أيام قال لصاحبه: «ما حال الغلام؟». فقال: يا رسول الله، إنّ الغلام لما به. فقام، ودخل عليه وهو في بَرحائه، فقُبض على تلك الحال، فتولى رسول الله ﷺ غسله وتكفينه ودفْنه، فدخل على أصحابه مِن ذلك أمْر عظيم، فقال المهاجرون: هجرنا ديارنا وأموالنا وأهلينا فلم يَر أحدٌ منّا في حياته ومرضه وموته ما لقي هذا الغلام. وقالت الأنصار: آويناه ونصرناه وواسيناه بأموالنا فآثرَ علينا عبدًا حبشيًّا! فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾
وجَّه ابنُ تيمية (٤/٣٤٦) قول من قال بأن معنى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: فصل بأمر ربك، فقال: «وتوجيه هذا أن قوله:»بحمده«أي: بكونه محمودًا، كما قد قيل في قول القائل: سبحان الله وبحمده؛ قيل: سبحان الله ومع حمده أسبِّحه، أو أسبِّحه بحمدي له، وقيل: سبحان الله وبحمده سبَّحناه، أي: هو المحمود على ذلك، كما تقول: فعلتُ هذا بحمد الله، وصلينا بحمد الله، أي: بفضله وإحسانه الذي يَستحقُّ الحمدَ عليه، وهو يرجع إلى الأول، كأنه قال: بحمدِنا لله فإنه المستحق لأن نحمده على ذلك. وإذا كان ذلك بكونه المحمود على ذلك فهو المحمود على ذلك، حيث كان هو الذي أمَر بذلك وشَرَعَه، فإذا سبَّحنا سبَّحنا بحمده، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآية [آل عمران:١٦٤]. وقد يكون القائل الذي قال:»فسبح بحمد ربك«أي: بأمره؛ أراد: المأمور به، أي: سبّحه بما أمرك أن تُسبِّحه به، فيكون المعنى: سَبِّح التسبيحَ الذي أمركَ ربُّك به، كالصلاة التي أمرك بها. وقولنا: صليتُ بأمر الله، وسبَّحتُ بأمر الله. يتناول هذا وهذا، يتناول أنه أمرَ بذلك ففَعَلْتُه بأمْرِه لم أبتدعْه، وأني فعلتُ بما أمرني به لم أبتدعْ»
ذَهَبَ ابنُ جرير (١٩/٤٩٢)، وكذا ابنُ كثير (١٢/٦) إلى أنّ الصافات: نوع من الملائكة استنادًا إلى أقوال السلف، فقال ابنُ جرير: «أما الصافات: فإنها الملائكة الصافات لربها في السماء، وهي جمع صافة، فالصافات: جمع جمع، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل». وقال في موضع لاحق (١٩/٤٩٤): «الله -تعالى ذكره- ابتدأ القسم بنوع من الملائكة، وهم الصافون، بإجماع من أهل التأويل». وذَكَرَ ابنُ عطية (٧/٢٧٠) قولًا آخر، فقال: «قالت فرقة: أراد: كل من يصف من بني آدم في قتال في سبيل الله، أو في صلاة وطاعة، والتقدير: والجماعات الصافات». ثم علَّقَ قائلًا: «واللفظ يحتمل أن يعم جميع هذه المذكورات». وذَكَرَ ابنُ القيم (٢/٣٦٥) قولًا آخر استنادًا إلى النظائر، فقال: «الصافات: الطير، كما قال تعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ ويَقْبِضْن﴾ [الملك:١٩]، وقال تعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور:٤١]». ثم علَّقَ قائلًا: «واللفظ يحتمل ذلك كله، وإن كان أحق مَن دخل فيه وأولى الملائكة؛ فإن الإقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد، وما ذكر مِن غير الملائكة فهو من آثار الملائكة، وبواسطتها كان»
اختُلف في الذي رآه النبي ﷺ على قولين: الأول: أنه رأى ربَّه عز وجل. وهو قول ابن عباس، وعكرمة وما في معناه. الثاني: أنه رأى جبريل عليه السلام في صورته التي خُلِق عليها. وهو قول عائشة، وابن مسعود رضي الله عنهم، وما في معناه. ورجَّح ابنُ عطية (٨/١١٠-١١٢) القول الثاني مستندًا إلى السنة، من حديث عائشة رضي الله عنها [من طريق مسروق الآتي في تفسير قوله: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾]، فقال: «وحديث عائشة عن النبي ﷺ قاطع لكل تأويل في اللفظ؛ لأن قول غيرها إنما هو منتزعٌ مِن ألفاظ القرآن». وعلَّق ابنُ تيمية (٦/١٣١) على القول الأول بقوله: «وليس قولُ ابن عباس أنّه رآه مُناقِضًا لهذا -أي: للقول الثاني-، ولا قوله رآه بفؤاده، وقد صحَّ عنه أنه قال: «رأيتُ ربي -تبارك وتعالى-». لكن لم يكن هذا في الإسراء، ولكن كان في المدينة لَمّا احتبس عنهم في صلاة الصبح، ثم أخبرهم عن رؤية ربّه -تبارك وتعالى- تلك الليلة في منامه. وعلى هذا بنى الإمام أحمد وقال: نعم رآه حقًّا، فإنّ رؤيا الأنبياء حقٌّ ولا بد»