اختلف في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ على قولين: الأول: إلاَّ الله. الثاني: إلا ما أُرِيدَ به وجهُه. الثالث: دينه. وذكر ابنُ كثير (١٠/٤٩٢) أن القول الثاني لا ينافي الأول، فقال: «وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد بها وجه الله عز وجل من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة. والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وهالكة وزائلة إلا ذاته تعالى، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء». ورجَّح ابنُ تيمية (٥/٩٣) القول الثاني الذي قاله ابن عباس من طريق عطاء، والثوري، وأبو العالية، ومجاهد، مستندًا إلى السياق، فقال: «وتفسير الآية بما هو مأثور ومنقول عن ما قاله من السلف والمفسرين من أن المعنى:كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه. فإنه ذكر ذلك بعد نهيه عن الإشراك، وأن يدعو معه إلهًا آخر، وقوله: ﴿لا إله إلا هو﴾ يقتضي أظهر الوجهين: وهو أن كل شيء هالك إلا ما كان لوجهه من الإيمان والأعمال وغيرهما». وذكر ابنُ تيمية أن القول الثاني والأخير -الذي قاله جعفر الصادق- معناهما واحد
عن محمد بن كعب القرظي، قال: لَمّا رَفَع اللهُ عيسى ابنَ مريم اجْتَمَع مِن علماءِ بني إسرائيل مائةُ رجل، فقال بعضُهم لبعض: أنتم كثيرٌ؛ نَتَخَوَّفُ الفُرْقةَ، أخْرِجوا عَشَرَةً. فأخرَجوا عَشَرَةً، ثم قالوا: أنتم كثيرٌ، أخرِجُوا عَشَرةً. فأخرَجوا عَشَرةً، ثم قالوا: أنتم كثيرٌ، أخرِجوا عَشَرةً. فأخرَجوا عَشَرةً، حتى بقِي عشرةٌ، فقالوا: أنتم كثيرٌ حتى الآن. فأخرَجوا ستةً، وبقِي أربعةٌ، فقال بعضُهم لبعضٍ: ما تقولون في عيسى؟ فقال رجلٌ منهم: أتَعْلَمون أنّ أحدًا يَعْلَمُ الغيبَ إلا الله؟ قالوا: لا. قال: أتَعْلَمون أن أحدًا يُحْيي الموتى إلا الله؟ قالوا: لا. قال: أتَعْلَمون أن أحدًا يُبْرِئُ الأكمهَ والأبرصَ إلا الله؟ قالوا: لا. فقال الرجل: هو الله، كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إلى السماء حينَ بدا له. وقال الآخر: قد عرَفنا عيسى، وعرَفنا أُمَّه، هو ولدُه. وقال الآخر: لا أقولُ كما تقولان، أقولُ: بل جاءت به أمُّه مِن عمَلٍ غيرِ صالح. فقال الآخر: لا أقولُ كما تقولون، قد كان عيسى يُخْبِرُنا أنّه عبدُ اللهِ، ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، فنقولُ كما قال لنفسِه، لقد خَشِيتُ أن تكونوا قلتم قولًا عظيمًا. قال: فخرَجوا على الناس، فقالوا لرجلٍ منهم: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو الله، كان في الأرض ما بدا له، ثم صعِد إلى السماء حين بدا له. قال: فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، وهؤلاء على دين الملِك، وقالوا للآخر: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: بل جاءت به أمُّه مِن عمل غير صالح. فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، ثم خرَج الثالث، فقالوا: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو ولد الله. فاتَّبَعه عُنُقٌ مِن الناس، وهؤلاء النَّسطوريةُ واليَعْقُوبيةُ، فخرج الرابعُ، فقالوا له: ماذا قلتَ؟ قال: قلتُ: هو عبدُ الله، ورُوحُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم. فاتَّبعَه عُنُقٌ مِن الناس. فقال محمد بن كعب: فكلٌّ قد ذكَر الله في القرآن: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ الآية. ثم قرأ: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ الآية [المائدة:٧٣]. ثم قرأ: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾ [النساء:١٥٦]. ثم قرأ: ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا﴾ إلى قوله: ﴿منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون﴾ [المائدة:٦٥-٦٦]. قال محمد بن كعب: فهؤلاء أمةٌ مقتصدةٌ؛ الذين قالوا: عيسى عبدُ الله، وكلمتُه، ورُوحُه ألقاها إلى مريم
عن عبد الله بن مسعود -من طريق زاذان- قال: يُؤْتى بالعبد يوم القيامة، فيُنادِي مُنادٍ على رؤوس الأوَّلين والآخِرين: هذا فلان بن فلان، مَن كان له حَقٌّ فليأتِ إلى حقِّه. فيفرح -واللهِ- المرءُ أن يدور له الحقُّ على والِده أو ولدِه أو زوجته، فيأخذه منه وإن كان صغيرًا، ومِصداق ذلك في كتاب الله: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾ [المؤمنون:١٠١]. فيُقال له: آتِ هؤلاء حقوقَهم. فيقول: أي ربِّ، ومِن أين وقد ذَهَبَتِ الدنيا؟! فيقول الله لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة، وأعطوهم منها. فإن بقي مثقال ذرَّةٍ مِن حسنةٍ قالت الملائكة: يا ربَّنا، أعطينا كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وبقي له مثقال ذرَّةٍ مِن حسنة. فيقول للملائكة: ضعِّفوها لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة. ومِصداق ذلك في كتاب الله: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾. أي: الجنة يعطيها. وإن فَنِيَت حسناته وبقيت سيئاته قالت الملائكة: إلَهَنا، فَنِيَتْ حسناتُه، وبقي طالبون كثير. فيقول الله: ضعوا عليه مِن أوزارهم، واكتبوا له كتابًا إلى النار
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: إنّ عيسى عليه السلام استقبل رَهْطًا من اليهود، وقالوا: الفاجر بن الفاجرة، والفاعل بن الفاعلة. فقذفوه وأُمَّه، فلمّا سمع عيسى ذلك دعا عليهم، وقال: اللَّهُمَّ، أنت ربي، وأنا عبدُك من رُوحٍ نفخت، ولم أتهم من تلقاء نفسي، اللَّهُمَّ، فالعَن مَن سبَّنِي وسَبَّ أُمِّي. فاستجاب اللهُ دعاءَه، ومسخ الذين سَبُّوه وسَبُّوا أُمَّه خنازير، فلمّا رأى رأسُ اليهودِ ما جرى بأميرِهم فزع لذلك، وخاف دعوتَه آنِفًا، فاجتمعت كلمةُ اليهود على قتل عيسى، فاجتمعوا عليه، وجعلوا يسألونه، فقال لهم: كفرتم، وإنّ الله يُبْغِضكم. فغضبوا مِن مقالته غضبًا شديدًا، وثاروا إليه ليقتلوه، فبعث اللهُ تعالى جبرئيل، وأدخله خَوْخَةً فيها رَوْزَنَة في سقفها، فصعد به إلى السماء مِن تلك الرَّوْزَنَة، فأَمَرَ يهودا رأسُ اليهود رجلًا مِن أصحابه يقال له: طَطْيانُوس أن يدخل الخَوْخَةَ، ويقتله، فلما دخل طَطْيانُوسُ الخَوْخَةَ لم يَرَ عيسى بداخلها، فظنُّوا أنّه يُقاتِله فيها، وألقى الله تعالى عليه شَبَهَ عيسى، فلمّا خرج [ظَنُّوا] أنه عيسى، فقتلوه، وصلبوه
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- قال: ﴿ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أيضًا كما علّم هؤلاء، يُزكّيهم بالكتاب والأعمال الصالحة، ويُعلّمهم الكتاب والحكمة كما صنع بالأولين. وقرأ قول الله عز وجل: ﴿والسّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأَنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإحْسانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] ممن بقي من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة. قال: وقد جعل الله فيهم سابقين. وقرأ قول الله عز وجل: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠-١١]، وقال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣-١٤] فثُلّة من الأوّلين سابقون، وقليلٌ السابقون من الآخرين، وقرأ: ﴿وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٤٠]، وقرأ: ﴿وأَصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة:٢٧] حتى بلغ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٩-٤٠] أيضًا. قال: والسابقون من الأولين أكثر، وهم من الآخرين قليل. وقرأ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [الحشر:١٠] قال: هؤلاء مَن كان من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال:إنّ فتًى مِن قريش خرج في أصحاب له مُتَوَجّهين نحو الحبشة، فنَزلوا بشاطئ، آواهم المقِيل إلى مُصلًّى كان للنصارى كان على شاطئ البحر، كانت تدعوه النصارى ماء سرجسان، فلما كان عند رحيلهم جمع الفتى القرشي وأصحابه حطبًا كان فضل مِن طعامهم، فألهب فيه النار، وارتحل هو وأصحابه، فأخذت النار في مُصلّى النصارى وأحرقته، فغضب النّجاشيُّ غضبًا شديدًا، فأتاه أبْرَهَة الصباحيّ، وأبو الأكسم الكنديّ، وحجر بن شرحبيل الكنديّ العدويّ، فقال: أيها الملك، ما يُغضبك مِن هذا؟ فلا يشقّ عليك، فنحن ضامنون لك بناء ماء سرجسان، وإحراق كعبة الله؛ فإنها حِرز قريش، فيكون ماء سرجسان، فنحن نسير بك إلى الكعبة، فنحرقها، ونخرِّبها مكان سرجسان التي أحرقها القرشي، ونضمن لك فتح مكة، فتختار أي نساء قريش شئتَ منها. فلم يزالوا به حتى استخفّوه، فأخرج جموعه وعديدًا من الناس، ثم سار إلى مكة، وسار معه المقلُوس في عصابة من اليمن فيهم حيٌّ من كنانة، حتى نزلوا بوادي المجاز -واد يقال له: وادي المجاز-، فنزل به
بيّن ابنُ عطية (٥/٣٧٤) أنّ ما جاء من آثار عن السلف تفيد بموت الجُعل وغيره من الدواب بفعل ابن آدم إنما هو مترتب على أن المراد بالدابة في الآية: كل ما يدب على الأرض. ثم نقل قولًا آخر لم ينسبه لأحد من السلف أن المراد بالدابة: الظَلَمة فقط. وعلّق عليه، فقال: «وقالت فرقة: قوله: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ يريد: من أولئك الظلمة فقط، ويدل على هذا التخصيص أنّ الله لا يعاقب أحدًا بذنب أحد، واحتجت بقول الله تعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام:١٦٤]». ثم قال معلّقًا مستندًا إلى النظائر، ودلالة العقل: «وهذا كله لا حُجَّة فيه، وذلك أنّ الله تعالى لا يجعل العقوبة تقصد أحدًا بسبب إذناب غيره، ولكن إذا أرسل عذابًا على أمة عاصية، لم يمكن البريء التخلص من ذلك العذاب، فأصابه العذاب لا بأنه له مجازاة، ونحو هذا قوله: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، وقيل للنبي ﷺ: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث». ثم لا بد من تَعَلُّق ظلم ما بالأبرياء، وذلك بترك التغيير ومداهنة أهل الظلم ومداومة جوارهم»
اختُلِف في عود الضمير في قوله: ﴿لا يملكون﴾؛ فقيل بعوده على المجرمين أي: لا يملكون أن يُشفع لهم ولا سبيل لهم إليها. وقيل: بعوده على المتقين، وفيه وجهان: أحدهما أي: إلا مَن كان له عمل صالح مبرز يحصل به في حيز من يشفع، و﴿مَن﴾ على هذا للشافعين. والآخر: إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدًا، و﴿مَن﴾ على هذا للمشفوع فيهم. وذكر ابنُ عطية (٦/٦٩-٧١) أنه بعود الضمير على المجرمين يكون المراد به: المشركون خاصة، ويكون قوله: ﴿إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا﴾ استثناء منقطعًا، أي: لكن مَن اتخذ عهدًا يشفع له. والعهد على هذا: الإيمان، ثم بين أنه يحتمل أن يكون «المجرمون» يعم الكفرة والعصاة، ثم أخبر أنهم ﴿لا يملكون الشفاعة﴾ إلا العصاة المؤمنون؛ فإنهم يشفع فيهم، فيكون الاستثناء متصلًا. وبنحوه ابنُ جرير (١٥/٦٣٢-٦٣٥). وذكر ابنُ عطية احتمالًا آخر، فقال: «وتحتمل الآية أن يراد بـ﴿مَنِ﴾: محمد ﷺ، وبـ﴿الشفاعة﴾: الخاصة له ﷺ لعامة للناس، ويكون الضمير في ﴿يَمْلِكُونَ﴾ لجميع أهل الموقف، ألا ترى أن سائر الأنبياء يتدافعون الشفاعة حتى تصير إليه فيقوم إليها ﷺ، فالعهد -على هذا- النص على أمر الشفاعة في قوله تعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]»
أفادت الآثار الاختلاف في قوله تعالى: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشَآءُ ويَخْتارُ﴾ على وجهين: أحدهما: أنّ المراد: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِن خلقه، ﴿ويَخْتارُ﴾ مَن يشاء لطاعته. وهو معنى قول ابن عباس. والثاني: أنّ المراد: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ من الخلق، ﴿ويَخْتارُ﴾ من يشاء لنبوته. وهو قول مقاتل، ويحيى بن سلام. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٨/٢٩٩) الأولَ مستندًا إلى دلالة التاريخ، فقال: «كانوا -فيما ذُكِر عنهم- يختارون أموالهم، فيجعلونها لآلهتهم، فقال الله لنبيه محمد ﷺ: وربك -يا محمد- يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار للهداية والإيمان والعمل الصالح مِن خلقه ما هو في سابق علمه أنه خيرتهم، نظير ما كان من هؤلاء المشركين لآلهتهم خيار أموالهم، فكذلك اختياري لنفسي، واجتبائي لولايتي، واصطفائي لخدمتي وطاعتي، خيار مملكتي وخلقي». وزاد ابنُ عطية (٦/٦٠٥) وجهًا ثالثًا، فقال: «يحتمل أن يريد: ويختار الله تعالى الأديان والشرائع، وليس لهم الخيرة في أن يميلوا إلى الأصنام ونحوها في العبادة. ويؤيد هذا التأويلَ قولُه تعالى: ﴿سبحان الله وتعالى عما يشركون﴾»
اختُلف في قوله: ﴿سِجِّين﴾ على أقوال: الأول: الأرض السابعة السُّفلى. الثاني: خدّ إبليس، ومنتهى سلطانه. الثالث: جُبٌّ في جهنم مفتوح. الرابع: أنها عبارة عن الخسار. وقد علّق ابنُ عطية (٨/٥٥٩) على القول الرابع بقوله: «كما تقول: بلغ فلان الحضيض؛ إذا صار في غاية الخمول». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/١٩٦-١٩٧) -مستندًا إلى السنة، وآثار السلف- القول الأول. وذكر ابنُ كثير (١٤/٢٨٤) اختلاف السلف فيه، ثم قال -مستندًا إلى دلالة الواقع، والنظائر-: «والصحيح أنّ»سِجِّينا«مأخوذ من السجن، وهو الضيق، فإنّ المخلوقات كلّ ما تسافل منها ضاق، وكلّ ما تعالى منها اتسع، فإنّ الأفلاك السبعة كلّ واحد منها أوسع وأعلى مِن الذي دونه، وكذلك الأرضون كلّ واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة. ولما كان مصير الفُجّار إلى جهنم وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [التين:٥-٦]، وقال هاهنا: ﴿كلا إن كتاب الفجار لفي سِجِّين وما أدراك ما سِجِّين﴾ وهو يجمع الضِّيق والسُّفول»