محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٢ من سورة الفيل في ٨٨ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٢٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٢ من سورة الفيل

٨٨ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ألم تنظر يا محمد بعين قلبك، فترى بها ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بأصحَابِ الْفِيلِ﴾ الذين قَدِموا من اليمن يريدون تخريب الكعبة من الحَبَشة ورئيسهم أبرهة الحبشيّ الأشرم ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ يقول : ألم يجعل سعي الحبشة أصحاب الفيل في تخريب الكعبة فِي تَضْلِيلٍ، يعني : في تضليلهم عما أرادوا وحاولوا من تخريبها.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك، فترى بها (كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) الذين قَدِموا من اليمن يريدون تخريب الكعبة من الحبشة ورئيسهم أبرهة الحبشيّ الأشرم (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ)
يقول: ألم يجعل سعي الحبشة أصحاب الفيل في تخريب الكعبة (فِي تَضْلِيلٍ) يعني: في تضليلهم عما أرادوا وحاولوا من تخريبها.
وقوله: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) يقول تعالى ذكره: وأرسل عليهم ربك طيرا متفرقة، يتبع بعضها بعضا من نواح شتي; وهي جماع لا واحد لها، مثل الشماطيط والعباديد ونحو ذلك. وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى، أنه لم ير أحدا يجعل لها واحدا. وقال الفرّاء: لم أسمع من العرب في توحيدها شيئا. قال: وزعم أبو جعفر الرُّؤاسِيّ، وكان ثقة، أنه سمع أن واحدها: إبالة. وكان الكسائي يقول: سمعت النحويين يقولون: إبول، مثل العجول. قال: وقد سمعت بعض النحويين يقول. واحدها: أبيل.
وبنحو الذي قلنا في الأبابيل: قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا سوّار بن عبد الله، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ، عن عبد الله، في قوله: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: فرق.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن، قالا ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله، قال: الفِرَق.
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: يتبع بعضُها بعضا.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: هي التي يتبع بعضها بعضا.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أنه قال في: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: هي الأقاطيع، كالإبل المؤَبَّلة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمِّيّ، عن جعفر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: متفرّقة.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا الفضل، عن الحسن (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: الكثيرة.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن ابن سابط، عن أبي سلمة، قالا الأبابيل: الزُّمَر.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (أَبَابِيلَ) قال: هي شتى متتابعة مجتمعة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: الأبابيل: الكثيرة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: الأبابيل: الكثيرة.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) يقول: متتابعة. بعضها على أثر بعض.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد; في قوله: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: الأبابيل: المختلفة، تأتي من ها هنا، وتأتي من ها هنا، أتتهم من كلّ مكان.
وذُكر أنها كانت طيرا أُخرجت من البحر. وقال بعضهم: جاءت من قبل البحر.
ثم اختلفوا في صفتها، فقال بعضهم: كانت بيضاء.
وقال آخرون: كانت سوداء.
وقال آخرون: كانت خضراء، لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكفّ كأكفّ الكلاب.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، في قوله: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: قال ابن عباس: هي طير، وكانت طيرا لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكفّ كأكفّ الكلاب.
حدثني الحسن بن خلف الواسطي، قال: ثنا وكيع وروح بن عبادة، عن ابن عون، عن ابن سيرين عن ابن عباس، مثله.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن عباس، نحوه.
حدثنا يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حسين، عن عكرمة، في قوله: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: كانت طيرا خرجت خضرا، خرجت من البحر، لها رءوس كرءوس السباع.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: هي طير سود بحرية، في مناقرها وأظفارها الحجارة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: سود بحرية، في أظافيرها ومناقيرها الحجارة.
قال: ثنا مهران، عن خارجة، عن عبد الله بن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباس قال: لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكفّ كأكفّ الكلاب.
حدثنا يحيى بن طلحة اليربوعى، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، في قوله: (طَيْرًا أَبَابِيلَ) قال: طير خُضْر، لها مناقير صُفْر، تختلف عليهم.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير، قال: طير سود تحمل الحجارة في أظافيرها ومناقيرها.
وقوله: (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ)
يقول تعالى ذكره: ترمي هذه الطير الأبابيل التي أرسلها الله على أصحاب الفيل، بحجارة من سجيل.
وقد بيَّنا معنى سجيل في موضع غير هذا، غير أنا نذكر بعض ما قيل من ذلك في هذا الموضع، من أقوال مَنْ لم نذكره في ذلك الموضع.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن السديّ، عن عكرمة، عن ابن عباس (حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) قال: طين في حجارة.
حدثني الحسين بن محمد الذارع، قال: ثنا يزيد بن زُرَيع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) قال: من طين.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس (حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) قال: سنك وكل.
حدثني الحسين بن محمد الذارع، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، في قوله: (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) قال: من طين.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن شرقي، قال: سمعت عكرمة يقول: (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) قال: سنك وكل.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن عكرمة، قال: كانت ترميهم بحجارة معها، قال: فإذا أصاب أحدهم خرج به الجُدَرِيّ، قال: كان أوّل يوم رُؤى فيه الجدريّ; قال: لم ير قبل ذلك اليوم، ولا بعده.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، قال: ذكر أبو الكُنود، قال: دون الحِمَّصة وفوق العدسة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، قال: كانت الحجارة التي رُمُوا بها أكبر من العدسة; وأصغر من الحِمَّصَةِ.
قال: ثنا أبو أحمد الزُّبيريّ، قال: ثنا إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة، عن عمران، مثله.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن السديّ، عن عكرِمة، عن ابن عباس: سجِّيل بالفارسية: سنك وكل، حَجَر وطين.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر بن سابط، قال: هي بالأعجمية: سنك وكل.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كانت مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) قال: هي من طين.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: هي طير بيض، خرجت من قِبَل البحر، مع كلّ طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، ولا يصيب شيئا إلا هشَمه.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث بن يعقوب أن أباه أخبره أنه بلغه أن الطير التي رمت بالحجارة، كأنت تحملها بأفواهها، ثم إذا ألقتها نَفِط لها الجلد.
وقال آخرون: معنى ذلك: ترميهم بحجارة من سماء الدنيا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) قال: السماء الدنيا، قال: والسماء الدنيا اسمها سجيل، وهي التي أنزل الله جلّ وعزّ على قوم لوط.
قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، أنه بلغه أن الطير التي رمت بالحجارة، أنها طير تخرج من البحر، وأن سجيل: السماء الدنيا. وهذا القول الذي قاله ابن زيد لا نعرف لصحته وجها في خبر ولا عقل، ولا لغة، وأسماء الأشياء لا تدرك إلا من لغة سائرة، أو خبر من الله تعالى ذكره.
كان السبب الذي من أجله حلَّت عقوبة الله تعالى بأصحاب الفيل، مسير أبرهة الحبشيّ بجنده معه الفيل، إلى بيت الله الحرام لتخريبه.
وكان الذي دعاه إلى ذلك فيما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا سلمة بن الفضل، قال: ثنا ابن إسحاق، أن أبرهة بنى كنيسة بصنعاء، وكان نصرانيا، فسماها القليس; لم يُر مثلها في زمانها بشيء من الأرض; وكتب إلى النجاشيّ ملك الحبشة: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة، لم يبن مثلها لملك كان قبلك، ولستُ بمُنتهٍ حتى أصرف إليها حاجّ العرب (١). فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك للنجاشي، غضب رجل من النَّسأة أحد بني فقيم، ثم أحد بني مالك، فخرج حتى أتى القُليس،
(١) الخبر ١٧٨ - وهذا موقوف على جابر بن عبد الله. وإسناده صحيح: محمود بن خداش بكسر الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وآخره شين معجمة - الطالقاني: ثقة من أهل الصدق، مات يوم الأربعاء ١٤ شعبان سنة ٢٥٠، كما في التاريخ الصغير للبخاري: ٢٤٧. وحميد بن عبد الرحمن الرؤاسي: ثقة ثبت عاقل، روى عنه أحمد وغيره من الحفاظ. والحسن وعلي ابنا صالح بن صالح بن حي: ثقتان، وهما أخوان توأم. ومن تكلم في الحسن تكلم بغير حجة، وقد وثقناه في المسند: ٢٤٠٣. وأخاه فيه: ٢٢٠. وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، وأمه زينب الصغرى بنت علي بن أبي طالب: تابعي ثقة، ولا حجة لمن تكلم فيه.
والخبر رواه الحاكم في المستدرك ٢: ٢٥٨ - ٢٥٩، من طريق أبي نعيم عن الحسن بن صالح -وحده- بهذا الإسناد. وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وذكره ابن كثير ١: ٥٠، والسيوطي ١: ١٥، والشوكاني ١: ١٣
فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأخبر أبرهة بذلك، فقال: من صنع هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت، الذي تحجّ العرب إليه بمكة، لما سمع من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب، فغضب، فجاء فقعد فيها، أي أنها ليست لذلك بأهل; فغضب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرنّ إلى البيت فيهدمه، وعند أبرهة رجال من العرب قد قَدِموا عليه يلتمسون فضله، منهم محمد بن خُزَاعي بن حِزَابة الذَّكواني، ثم السُّلَمي، في نفر من قومه، معه أخ له يقال له قيس بن خزاعي; فبينما هم عنده، غَشِيهم عبد لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغذائه، وكان يأكل الخُصَى; فلما أتى القوم بغذائه، قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تسبُّنا به العرب ما بقينا، فقام محمد بن خزاعي، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك، إن هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجنُوب والأيدي، فقال له أبرهة: فسنبعث إليكم ما أحببتم، فإنما أكرمتكم بغذائي، لمنزلتكم عندي.
ثم إن ابرهة توج محمد بن خُزَاعِي، وأمَّره على مضر، وأمره أن يسير في الناس، يدعوهم إلى حج القُلَّيس، كنيسته التي بناها، فسار محمد بن خزاعي، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة، وقد بلغ أهل تهامة أمره، وما جاء له، بعثوا إليه رجلا من هذيل يقال له عُرْوة بن حياض الملاصي، فرماه بسهم فقتله; وكان مع محمد بن خزاعي أخوه قيس بن خزاعي، فهرب حين قُتل أخوه، فلحق بأبرهة فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضبا وحنقا، وحلف ليغزونّ بني كنانة، وليهدمنّ البيت.
ثم إن أبرهة حين أجمع السير إلى البيت، أمر الحُبْشان فتهيأت وتجهَّزت، وخرج معه بالفيل، وسمعت العرب بذلك، فأعظموه، وفُظِعوا به، ورأوا جهاده حقا عليهم، حين سمعوا أنه يريد هدم الكعبة، بيت الله الحرام، فخرج رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له ذو نَفْر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب، إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعَرَض له، وقاتله، فهزم وتفرق أصحابه، وأُخِذَ له ذو نفر أسيرا; فلما أراد قتله، قال ذو نفر: أيها الملك لا تقتلني، فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي; فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق. وكان أبرهة رجلا حليما.
ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم، عرض له نفيل بن حبيب الخثعميّ في قبيلتي خثعم: شهران، وناهس، ومن معه
من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأُخِذ له أسيرا، فأتي به; فلما همّ بقتله، قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم: شهران، وناهس، بالسمع والطاعة; فأعفاه وخلَّى سبيله، وخرج به معه، يدله على الطريق; حتى إذا مرّ بالطائف، خرج إليه مسعود بن معتب في رجال ثقيف، فقال: أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذي بمكة - يعنون الكعبة - ونحن نبعث معك من يدلك، فتجاوز عنهم، وبعثوا معهم أبا رغال; فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله المغمِّس، فلما أنزله به مات أبو رغال هناك، فرَجَمت العرب قبره، فهو القبر الذي ترجم الناس بالمغمِّس.
ولما نزل أبرهة المغمس، بعث رجلا من الحبشة، يقال له الأسود بن مقصود، على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها; وهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان معهم بالحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك، وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وقال له: سل عن سيد هذا البلد وشريفهم، ثم قل له: إن الملك يقول لكم: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن لم يُرِد حربي فأتني به.
فلما دخل حناطة مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل: عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ، فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة، قال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة; هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام - أو كما قال - فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يُخْلِ بينه وبينه، فو الله ما عندنا له من دافع عنه، أو كما قال; فقال له حناطة: فانطلق إلى الملك، فإنه قد أمرني أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نفر، وكان له صديقا، فدل عليه، فجاءه وهو في محبسه، فقال: يا ذا نفر، هل عندك غَنَاء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر، وكان له صديقا: وما غناء رجل أسير في يدي ملك، ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا! ما عندي
غناء في شيء مما نزل بك، إلا أن أنيسا سائق الفيل لي صديق، فسأرسل إليه، فأوصيه بك، وأعظم عليه حقك، وأساله أن يستأذن لك على الملك، فتكلمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك. قال: حسبي، فبعث ذو نفر إلى أنيس، فجاء به، فقال: يا أنيس إن عبد المطلب سيد قريش، وصاحب عير مكة، يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب الملك له مئتي بعير، فاستأذن له عليه، وانفعه عنده بما استطعت، فقال: أفعل.
فكلَّم أنيس أبرهة، فقال: أيها الملك، هذا سيِّد قريش ببابك، يستأذن عليك، وهو صاحب عير مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رءوس الجبال، فأْذَنْ له عليك، فليكلمك بحاجته، وأحسن إليه. قال: فأذن له أبرهة، وكان عبد المطلب رجلا عظيما وسيما جسيما; فلما رآه أبرهة أجلَّه وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه، فأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال له عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يردّ عليّ مئتي بعير أصابها لي; فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلَّمتَني، أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه فلا تكلمني فيه؟ قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه، قال: ما كان ليمنع مني، قال: فأنت وذاك، أردد إليّ إبلي.
وكان فيما زعم بعض أهل العلم قد ذهب مع عبد المطب إلى أبرهة، حين بعث إليه حناطة، يعمر بن نفاثة بن عديّ بن الديل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة، وهو يومئذ سيِّد بني كنانة، وخويلد بن واثلة الهُذَليّ وهو يومئذ سيد هُذَيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة، على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبي عليهم، والله أعلم.
وكان أبرهة، قد ردّ على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرزّ في شعف الجبال والشعاب، تخوّفا عليهم من مَعَرّة الجيش; ثم قام عبد المطلب، فأخذ بحلقة الباب، باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله، ويستنصرونه على
أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب، وهو آخذ حلقة باب الكعبة:
يا رَبِّ لا أرْجُو لَهُمْ سِوَاكايا رَبِّ فامْنَعْ مِنْهُم حِماكا
إنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عادَاكاامْنَعْهُمُ أنْ يُخَربُوا قُرَاكا (١)
وقال أيضا:
لا هُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْنَعُ رَحْلَهُ فامْنَع حِلالكْ
لا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْومِحَالُهُمْ غَدْوا مِحَالكْ
فَلَئِنْ فَعَلْتَ فَرُبَّمَاأوْلى فأمْرٌ ما بَدَا لَكْ
وَلئِنْ فَعَلْتَ فإنَّهُأمْرٌ تُتِمُّ بِهِ فِعَالكْ (٢)
وقال أيضا:
وكُنْتُ إذَا أتى باغٍ بِسَلْمٍنُرَجِّي أن تَكُونَ لَنَا كَذلِكْ
فَوَلَّوْا لَمْ يَنالُوا غَيْرَ خِزْيٍوكانَ الحَيْنُ يُهْلِكُهُمْ هُنَالكْ
وَلَمْ أسْمَعْ بأرْجَسَ مِنْ رِجالٍأرَادُوا العِزَّ فانْتَهَكُوا حَرامَكْ
جَرُّوا جُمُوعَ بِلادِهِمْوالْفِيلَ كَيْ يَسبُوا عِيَالكْ (٣)
(١) الحديث ١٧٩ - إسناده ضعيف، سبق بيان ضعفه: ١٣٧. وهذا اللفظ نقله ابن كثير ١: ٥٠ دون إسناد ولا نسبة. ونقله السيوطي ١: ١٤ مختصرًا، ونسبه للطبري فقط.
(٢) الخبر ١٨٠ - إسناده ضعيف جدا، على ما فيه من جهلنا بحال بعض رجاله: فموسى بن سهل الرازي، شيخ الطبري: لم نجزم بأي الرجال هو؟ ولعله " موسى بن سهل بن قادم، ويقال ابن موسى أبو عمر الرملي، نسائي الأصل ". فهو شيخ للطبري مترجم في التهذيب ١٠: ٣٤٧، ولكنه لم ينسب "رازيا". وكتب في المخطوطة: "سهل بن موسى"! ولم نجد هذه الترجمة أيضًا، ونرجح أنه خطأ من الناسخ.. ويحيى بن عوف: لم نجد ترجمة بهذا الاسم قط فيما لدينا من مراجع. واما علة الإسناد، فهو "الفرات بن السائب الجزري"، وهو ضعيف جدا، قال البخاري في الكبير ٤ / ١ / ١٣٠: "تركوه، منكر الحديث"، وكذلك قال الأئمة فيه، وقال ابن حبان في المجروحين (في الورقة ١٨٧) : كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، ويأتي بالمعضلات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه، ولا كتبة الحديث إلا على سبيل الاختبار". وأما ميمون بن مهران فتابعي ثقة معروف، فقيه حجة.
وهذا الخبر نقله ابن كثير ١: ٥٠ مجهلا بلفظ "وقيل: هو الإسلام". ونقله السيوطي ١: ١٥ منسوبا لابن جريج فقط، على خطأ مطبعي فيه "ابن جريج"!
(٣) الأثر ١٨١ - ابن الحنفية: هو محمد بن علي بن أبي طالب، والحنفية أمه، وهي خولة بنت جعفر من بني حنيفة، عرف بالنسبة إليها. وهذا الإسناد إليه ضعيف: محمد بن ربيعة الكلابي الرؤاسي: ثقة من شيوخ أحمد وابن معين. وإسماعيل الأزرق: هو إسماعيل بن سلمان، وهو ضعيف، قال ابن معين: "ليس حديثه بشيء"، وقال ابن نمير والنسائي: "متروك"، وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص ٧٨ رقم ٣٥) :"ينفرد بمناكير يرويها عن المشاهير". وأبو عمر البزار: هو دينار بن عمر الأسدي الكوفي الأعمى، وهو ثقة. والأثر ذكره ابن كثير ١: ٥١ دون نسبة ولا إسناد.
ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شَعَف الجبال، فتحرّزوا فيها، ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها; فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله، وعبأ جيشه، وكان اسم الفيل محمودا، وأبرهة مُجْمِعٌ لهدم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجَّهوا الفيل، أقبل نفيل بن حبيب الخثعميّ، حتى قام إلى حنبه، ثم أخذ بأذنه فقال: أبرك محمود، وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام; ثم أرسل أذنه، فبَرَك الفيل، وخرج نُفَيل بن حبيب يشتدّ حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم، فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقه، فبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجَّهوه راجعا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجَّهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرا من البحر، أمثال الخطاطيف، مع كل طير ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه مثل الحمص والعدس، لا يصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا، ويسألون عن نفيل بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نُفَيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته:
أيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطَّالِبْوالأشْرَمُ المَغْلُوبُ غَيْرُ الْغَالِبْ (١)
فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون على كلّ منهل، فأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم، فسقطت أنامله أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة أتبعتها مِدّة تَمُثُّ قيحا ودما، حتى قَدِموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة
(١) الخبر ١٨٢ - هذا من تفسير السدي، وقد سبق شرح إسناده ١٦٨. وقد نقله ابن كثير ١: ٥٠ والسويطي ١: ١٥.
بن المُغيرة بن الأخنس، أنه حدّث، أن أوّل ما رُؤيت الحصبة والجدريّ بأرض العرب ذلك العام، وأنه أوّل ما رؤي بها مُرار الشجر: الحرملُ والحنظلُ والعُشرُ ذلك العام.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) أقبل أبرهة الأشرم من الحبشة يوما ومن معه من عداد أهل اليمن، إلى بيت الله ليهدمه من أجل بيعة لهم أصابها العرب بأرض اليمن، فأقبلوا بفيلهم، حتى إذا كانوا بالصَّفَّاح برك; فكانوا إذا وجَّهوه إلى بيت الله ألقى بجرانه على الأرض، وإذا وجهوه إلى بلدهم انطلق وله هرولة، حتى إذا كان بنخلة اليمانية بعث الله عليهم طيرا بيضا أبابيل. والأبابيل: الكثيرة، مع كلّ طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها حتى جعلهم الله عزّ وجلّ كعصف مأكول; قال: فنجا أبو يكسوم وهو أبرهة، فجعل كلما قدم أرضا تساقط بعض لحمه، حتى أتى قومه، فأخبرهم الخبر ثم هلك.
وقوله: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)
يعني تعالى ذكره: فجعل الله أصحاب الفيل كزرع أكلته الدواب فراثته، فيبس وتفرّقت أجزاؤه; شبَّه تقطُّع أوصالهم بالعقوبة التي نزلت بهم، وتفرّق آراب أبدانهم بها، بتفرّق أجزاء الروث، الذي حدث عن أكل الزرع.
وقد كان بعضهم يقول: العصف: هو القشر الخارج الذي يكون على حبّ الحنطة من خارج، كهيئة الغلاف لها.
*ذكر من قال: عُني بذلك ورق الزرع:
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) قال: ورق الحنطة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) قال: هو التبن.
وحُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ، قال: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) : كزرع مأكول.
حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا زريق بن مرزوق، قال: ثنا هبيرة، عن سلمة بن نُبَيط، عن الضحاك، في قوله (كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) قال:
هو الهبور بالنبطية، وفي رواية: المقهور.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) قال: ورق الزرع وورق البقل، إذا أكلته البهائم فراثته، فصار رَوْثا.
*ذكر من قال: عني به قشر الحبّ:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) قال: البرّ يؤكل ويُلقى عصفه الريح والعصف: الذي يكون فوق البرّ: هو لحاء البرّ.
وقال آخرون في ذلك بما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبي سنان، عن حبيب بن أبي ثابت: (كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) قال: كطعام مطعوم.
آخر تفسير سورة الفيل
تفسير سورة قريش

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
تَحْرِقُهُمْ إِلَى الْأَفْئِدَةِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ ثُمَّ يَقُولُ لَقَدْ بَلَغَ مِنْهُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ يَبْكِي، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ:
تَأْكُلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ فُؤَادَهُ حَذْوَ حَلْقِهِ ترجع على جسده.
وقوله تعالى: إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ أَيْ مُطْبَقَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الْبَلَدِ. وَقَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سِرَاجٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ خَرْزَاذَ، حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ أَشْرَسَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ قَالَ: مُطْبَقَةٌ. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي صالح قوله ولم يرفعه.
وقوله تعالى: فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ قَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: عَمَدٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَالَ السُّدِّيُّ مِنْ نَارٍ، وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ يَعْنِي الْأَبْوَابُ هِيَ الممددة، وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد ممددة، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَدْخَلَهُمْ فِي عمد ممددة عَلَيْهِمْ بِعِمَادٍ وَفِي أَعْنَاقِهِمُ السَّلَاسِلُ فَسَدَّتْ بِهَا الْأَبْوَابَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ بِعَمَدٍ فِي النَّارِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ يَعْنِي الْقُيُودَ الثقال.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ، ولله الحمد والمنة.
تَفْسِيرُ
سُورَةِ الْفِيلِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الفيل (١٠٥) : الآيات ١ الى ٥]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)
هَذِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى قُرَيْشٍ فِيمَا صَرَفَ عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى هَدْمِ الْكَعْبَةِ، وَمَحْوِ أَثَرِهَا مِنَ الْوُجُودِ فَأَبَادَهُمُ اللَّهُ وَأَرْغَمَ أنوفهم وَخَيَّبَ سَعْيَهُمْ وَأَضَلَّ عَمَلَهُمْ، وَرَدَّهُمْ بِشَرِّ خَيْبَةٍ، وَكَانُوا قَوْمًا نَصَارَى وَكَانَ دِينُهُمْ إِذْ ذَاكَ أَقْرَبَ حَالًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَلَكِنْ كَانَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِرْهَاصِ وَالتَّوْطِئَةِ لِمَبْعَثِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وُلِدَ عَلَى أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ وَلِسَانُ حَالِ الْقَدَرِ يَقُولُ: لَمْ نَنْصُرْكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ عَلَى الْحَبَشَةِ لخيرتكم عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ صِيَانَةً لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِي سَنُشَرِّفُهُ وَنُعَظِّمُهُ وَنُوَقِّرُهُ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَهَذِهِ قِصَّةُ أَصْحَابِ الْفِيلِ عَلَى وَجْهِ الْإِيجَازِ وَالِاخْتِصَارِ وَالتَّقْرِيبِ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ أَنَّ ذَا نُوَاسٍ، وَكَانَ آخِرَ مُلُوكِ حِمْيَرَ وَكَانَ مشركا وهو الَّذِي قَتَلَ أَصْحَابَ
الْأُخْدُودِ، وَكَانُوا نَصَارَى وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا دَوْسُ ذُو ثَعْلَبَانِ فَذَهَبَ فَاسْتَغَاثَ بِقَيْصَرَ مَلَكِ الشَّامِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَكَتَبَ لَهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلَكِ الْحَبَشَةِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَيْهِمْ، فَبَعَثَ مَعَهُ أَمِيرَيْنِ أَرِيَاطَ وَأَبْرَهَةَ بْنَ الصَّبَاحِ أَبَا يَكْسُومَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَدَخَلُوا الْيَمَنَ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَاسْتَلَبُوا الْمُلْكَ مِنْ حِمْيَرَ وَهَلَكَ ذُو نُوَاسٍ غَرِيقًا فِي الْبَحْرِ.
وَاسْتَقَلَّ الْحَبَشَةُ بِمُلْكِ الْيَمَنِ وَعَلَيْهِمْ هَذَانَ الْأَمِيرَانِ أَرِيَاطُ وَأَبْرَهَةُ، فَاخْتَلَفَا فِي أَمْرِهِمَا وَتَصَاوَلَا وَتَقَاتَلَا وَتَصَافَّا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: إِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى اصْطِدَامِ الْجَيْشَيْنِ بَيْنَنَا وَلَكِنْ ابْرُزْ إِلَيَّ وَأَبْرُزُ إِلَيْكَ، فَأَيُّنَا قَتَلَ الْآخَرَ اسْتَقَلَّ بَعْدَهُ بِالْمُلْكِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ فَتَبَارَزَا وَخَلْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَنَاةٌ، فَحَمَلَ أَرِيَاطُ عَلَى أَبَرْهَةَ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَشَرَمَ أَنْفَهُ وَفَمَهُ وَشَقَّ وَجْهَهُ، وَحَمَلَ عَتَوْدَةُ مَوْلَى أَبَرْهَةَ عَلَى أَرِيَاطَ فَقَتَلَهُ وَرَجَعَ أَبَرْهَةُ جَرِيحًا فَدَاوَى جُرْحَهُ فَبَرِأَ وَاسْتَقَلَّ بِتَدْبِيرِ جَيْشِ الْحَبَشَةِ بِالْيَمَنِ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ يَلُومُهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ وَيَتَوَعَّدُهُ وَيَحْلِفُ لَيَطَأَنَّ بِلَادَهُ وَيَجِزَّنَّ نَاصِيَتَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبَرْهَةُ يَتَرَقَّقُ لَهُ وَيُصَانِعُهُ وَبَعَثَ مع رسوله بهدايا وتحف وبجراب فيه مِنْ تُرَابِ الْيَمَنِ.
وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، فَأَرْسَلَهَا مَعَهُ وَيَقُولُ فِي كِتَابِهِ لِيَطَأَ الْمَلِكُ عَلَى هَذَا الْجِرَابِ فَيَبِرُّ قَسَمَهُ، وَهَذِهِ نَاصِيَتِي قَدْ بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ فَلَمَّا وَصَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ أَعْجَبَهُ مِنْهُ وَرَضِيَ عَنْهُ وَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ.
وَأَرْسَلَ أَبَرْهَةُ يَقُولُ لِلنَّجَاشِيِّ إِنِّي سَأَبْنِي لَكَ كَنِيسَةً بِأَرْضِ الْيَمَنِ لَمْ يُبْنَ قَبْلَهَا مِثْلُهَا، فَشَرَعَ فِي بِنَاءِ كَنِيسَةٍ هَائِلَةٍ بِصَنْعَاءَ رَفِيعَةَ الْبِنَاءِ عَالِيَةَ الْفِنَاءِ مُزَخْرَفَةَ الْأَرْجَاءِ سَمَّتْهَا الْعَرَبُ الْقُلَّيْسَ لِارْتِفَاعِهَا لِأَنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهَا تَكَادُ تَسْقُطُ قُلُنْسُوَتُهُ عَنْ رَأْسِهِ مِنَ ارْتِفَاعِ بِنَائِهَا، وَعَزَمَ أَبَرْهَةُ الْأَشْرَمُ عَلَى أَنْ يَصْرِفَ حَجَّ الْعَرَبِ إِلَيْهَا كَمَا يُحَجُّ إِلَى الْكَعْبَةِ بِمَكَّةَ، وَنَادَى بِذَلِكَ فِي مَمْلَكَتِهِ فَكَرِهَتِ الْعَرَبُ الْعَدْنَانِيَّةُ وَالْقَحْطَانِيَّةُ ذَلِكَ، وَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ لِذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى قَصَدَهَا بَعْضُهُمْ وَتَوَصَّلَ إِلَى أَنْ دَخْلَهَا لَيْلًا، فَأَحْدَثَ فِيهَا وَكَرَّ رَاجِعًا، فَلَمَّا رَأَى السَّدَنَةُ ذَلِكَ الحدث رفعوا أمره إِلَى مَلِكِهِمْ أَبَرْهَةَ، وَقَالُوا لَهُ إِنَّمَا صَنَعَ هَذَا بَعْضُ قُرَيْشٍ غَضَبًا لِبَيْتِهِمُ الَّذِي ضَاهَيْتَ هَذَا بِهِ، فَأَقْسَمَ أَبَرْهَةُ لَيَسِيرَنَّ إِلَى بَيْتِ مَكَّةَ وَلَيُخَرِّبَنَّهُ حَجَرًا حَجَرًا.
وَذَكَرَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَّ فِتْيَةً مِنْ قُرَيْشٍ دَخَلُوهَا فَأَجَّجُوا فِيهَا نَارًا وَكَانَ يَوْمًا فِيهِ هَوَاءٌ شَدِيدٌ، فاحترقت وسقطت إلى الأرض، فتأهب أبرهة لذلك وسار فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ عَرَمْرَمٍ لِئَلَّا يَصُدَّهُ أَحَدٌ عَنْهُ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ فِيلًا عَظِيمًا كَبِيرَ الْجُثَّةِ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، يُقَالُ لَهُ مَحْمُودٌ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ لِذَلِكَ، وَيُقَالُ كَانَ مَعَهُ أَيْضًا ثَمَانِيَةُ أَفْيَالٍ، وَقِيلَ اثنا عشر فيلا غيره فالله أَعْلَمُ. يَعْنِي لِيَهْدِمَ بِهِ الْكَعْبَةَ بِأَنْ يَجْعَلَ السَّلَاسِلَ فِي الْأَرْكَانِ وَتُوضَعَ فِي عُنُقِ الْفِيلِ ثُمَّ يُزْجَرَ لِيُلْقِيَ الْحَائِطَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَمَّا سَمِعَتِ الْعَرَبُ بِمَسِيرِهِ أَعْظَمُوا ذَلِكَ جِدًّا وَرَأَوْا أَنَّ حَقًا عَلَيْهِمُ الْمُحَاجَبَةُ دُونَ الْبَيْتِ، وَرَدُّ من أراده بكيد.
فخرج إليه رجل مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَمُلُوكِهِمْ يُقَالُ لَهُ ذُو نَفْرٍ، فَدَعَا قَوْمَهُ وَمَنْ أَجَابَهُ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ إِلَى حَرْبِ أَبَرْهَةَ وَجِهَادِهِ عَنْ بيت الله، وما يريده مِنْ هَدْمِهِ وَخَرَابِهِ، فَأَجَابُوهُ وَقَاتَلُوا أَبَرْهَةَ فَهَزَمَهُمْ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كَرَامَةِ الْبَيْتِ وَتَعْظِيمِهِ وَأُسِرَ ذُو نَفْرٍ، فَاسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ ثُمَّ مَضَى لِوَجْهِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضِ خثعم اعترض له نفيل بن حبيب الخثعمي فِي قَوْمِهِ شَهْرَانُ وَنَاهِسُ فَقَاتَلُوهُ، فَهَزَمَهُمْ أَبَرْهَةُ وَأُسِرَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ فَأَرَادَ قَتْلَهُ ثُمَّ عَفَا عَنْهُ وَاسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ لِيَدُلَّهُ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ.
فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرْضِ الطَّائِفِ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا ثَقِيفٌ وَصَانَعُوهُ خِيفَةً عَلَى بَيْتِهِمْ الَّذِي عِنْدَهُمْ الَّذِي يُسَمُّونَهُ اللَّاتَ، فَأَكْرَمَهُمْ وَبَعَثُوا مَعَهُ أَبَا رُغَالٍ دَلِيلًا، فَلَمَّا انْتَهَى أَبَرْهَةُ إِلَى الْمُغَمْسِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ نَزَلَ بِهِ. وَأَغَارَ جَيْشُهُ عَلَى سَرْحِ أَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا فَأَخَذُوهُ، وَكَانَ فِي السَّرْحِ مِائَتَا بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ الَّذِي أَغَارَ عَلَى السَّرْحِ بِأَمْرِ أَبَرْهَةَ أَمِيرِ الْمُقَدِّمَةِ، وَكَانَ يقال له الأسود بن مقصود فَهَجَاهُ بَعْضُ الْعَرَبِ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَبَعَثَ أَبَرْهَةُ حُنَاطَةَ الْحِمْيَرِيَّ إِلَى مَكَّةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِأَشْرَفِ قُرَيْشٍ وَأَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّ الْمَلِكَ لَمْ يَجِئْ لِقِتَالِكُمْ إِلَّا أَنْ تَصُدُّوهُ عَنِ الْبَيْتِ، فَجَاءَ حُنَاطَةُ فَدُلَّ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وَبَلَّغَهُ عَنْ أَبَرْهَةَ مَا قَالَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ وَمَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ طَاقَةٍ، هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ فَإِنْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ فَهُوَ بَيْتُهُ وَحَرَمُهُ، وَإِنْ يخلي بينه وبينه فو الله مَا عِنْدَنَا دَفْعٌ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ حُنَاطَةُ فَاذْهَبْ مَعِي إِلَيْهِ، فَذَهَبَ مَعَهُ.
فَلَمَّا رَآهُ أبرهة أجله، وكان عبد المطلب رجلا جسيما حَسَنَ الْمَنْظَرِ، وَنَزَلَ أَبَرْهَةُ عَنْ سَرِيرِهِ وَجَلَسَ مَعَهُ عَلَى الْبِسَاطِ وَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ ما حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ لِلتُّرْجُمَانِ: إِنَّ حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ الْمَلِكُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا لِي، فَقَالَ أَبَرْهَةُ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ لَقَدْ كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، ثُمَّ قَدْ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتَنِي، أَتُكَلِّمُنِي فِي مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَبْتُهَا لَكَ وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكِ قَدْ جِئْتُ لِهَدْمِهِ لَا تُكَلِّمُنِي فِيهِ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنِّي أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ وَإِنَّ لِلْبَيْتِ رِبًّا سَيَمْنَعُهُ.
قَالَ: مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنِّي. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، وَيُقَالُ إِنَّهُ ذَهَبَ مَعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ فَعَرَضُوا عَلَى أَبَرْهَةَ ثُلْثَ أَمْوَالِ تِهَامَةَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الْبَيْتِ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ وَرَدَّ أَبَرْهَةُ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِبِلَهُ، وَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ والتحصن في رؤوس الْجِبَالِ تَخَوُّفًا عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَخْذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ ويستنصرون على أبرهة وجنده، فقال عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ آخِذٌ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ: [مجزوء الكامل]
لا همّ إنّ المرء يمنعرحله فامنع حلالك «١»
(١) البيتان لعبد المطلب بن هاشم في لسان العرب (محل)، (حلل)، (غدا)، وتاج العروس (محل)، (غدا).
لا يغلبنّ صليبهمومحالهم أبدا مِحَالَكَ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدُ المطلب حلقة الباب ثم خرجوا إلى رؤوس الجبال، وذكر مقاتل بن سلمان أَنَّهُمْ تَرَكُوا عِنْدَ الْبَيْتِ مِائَةَ بَدَنَةٍ مُقَلَّدَةٍ لَعَلَّ بَعْضُ الْجَيْشِ يَنَالُ مِنْهَا شَيْئًا بِغَيْرِ حق فينتقم الله منهم، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبَرْهَةُ تَهَيَّأَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَهَيَّأَ فِيلَهُ، وَكَانَ اسْمُهُ مَحْمُودًا، وَعَبَّأَ جَيْشَهُ فَلَمَّا وَجَّهُوا الْفِيلَ نَحْوَ مَكَّةَ أَقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ وَقَالَ:
ابْرُكْ مَحْمُودُ وَارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ، فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ فَبَرَكَ الْفِيلُ وَخَرَجَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ يَشْتَدُّ حَتَّى أُصْعِدَ فِي الْجَبَلِ، وَضَرَبُوا الْفِيلَ لِيَقُومَ فَأَبَى، فَضَرَبُوا فِي رَأْسِهِ بالطبرزين وأدخلوا محاجن لهم في مراقه فنزعوه بِهَا لِيَقُومَ فَأَبَى، فَوَجَّهُوهُ رَاجِعًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَامَ يُهَرْوِلُ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَوَجَّهُوهُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ إِلَى مَكَّةَ فَبَرَكَ.
وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِنَ الْبَحْرِ أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ وَالْبَلَسَانِ مَعَ كُلِّ طَائِرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يَحْمِلُهَا: حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ أَمْثَالُ الْحُمُّصِ والعدس ولا يصيب مِنْهُمْ أَحَدًا إِلَّا هَلَكَ. وَلَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَتْ وَخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلٍ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ، هَذَا وَنُفَيْلٌ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ مَعَ قُرَيْشٍ وَعَرَبِ الْحِجَازِ يَنْظُرُونَ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ مِنَ النِّقْمَةِ، وَجَعَلَ نفيل يقول: [رجز]
أين المفرّ والإله الطالبوالأشرم المغلوب ليس الْغَالِبْ «١»
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ نُفَيْلٌ فِي ذلك أيضا: [الوافر]
أَلَا حُيِّيتِ عَنَّا يَا رُدَيْنَانَعِمْنَاكُمْ مَعَ الإصباح عينا
ودينة لَوْ رَأَيْتِ وَلَا تَرَيْهِلَدَى جَنْبِ الْمُحَصَّبِ مَا رَأَيْنَا
إِذًا لَعَذَرْتِنِي وَحَمِدْتِ أَمْرِيوَلَمْ تأس عَلَى مَا فَاتَ بَيْنَا
حَمِدْتُ اللَّهَ إِذْ أَبْصَرْتُ طَيْرًاوَخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا
فَكُلُّ القوم تسأل عَنْ نُفَيْلٍكَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا
وَذَكَرَ الواقدي بإسناده أَنَّهُمْ لَمَّا تَعْبَئُوا لِدُخُولِ الْحَرَمِ وَهَيَّئُوا الْفِيلَ جَعَلُوا لَا يَصْرِفُونَهُ إِلَى جِهَةٍ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ إِلَّا ذَهَبَ فِيهَا، فَإِذَا وَجَّهُوهُ إِلَى الْحَرَمِ رَبَضَ وَصَاحَ، وَجَعَلَ أَبَرْهَةُ يَحْمِلُ عَلَى سَائِسِ الْفِيلِ وَيَنْهَرُهُ وَيَضْرِبُهُ لِيَقْهَرَ الْفِيلَ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ، وَطَالَ الْفَصْلُ فِي ذَلِكَ، هَذَا
(١) الرجز لنفيل بن حبيب الحميري في الدرر ٦/ ١٤٦، وشرح شواهد المغني ص ٧٠٥، والمقاصد النحوية ٤/ ١٢٣، وتفسير الطبري ١٢/ ٦٩٨، وسيرة ابن هشام ١/ ٥٣، وبلا نسبة في الجنى الداني ص ٤٩٨، ومغني اللبيب ص ٢٩٦، وهمع الهوامع ٢/ ١٣٨.
وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة فيهم المطعم بن عدي وعمرو بن عائد بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ وَمَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو الثقفي على حراء ينظرون مَا الْحَبَشَةُ يَصْنَعُونَ، وَمَاذَا يَلْقُونَ مِنْ أَمْرِ الْفِيلِ وَهُوَ الْعَجَبُ الْعُجَابُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ أَيْ قِطَعًا قِطَعًا صُفْرًا دُونَ الْحَمَامِ وَأَرْجُلُهَا حُمْرٌ، ومع كل طائر ثلاثة أَحْجَارٍ وَجَاءَتْ فَحَلَّقَتْ عَلَيْهِمْ وَأَرْسَلَتْ تِلْكَ الْأَحْجَارَ عَلَيْهِمْ فَهَلَكُوا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ جَاءُوا بِفِيلَيْنِ فَأَمَّا مَحْمُودٌ فَرَبَضَ وَأَمَّا الْآخَرُ فَشَجُعَ فَحُصِبَ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ مَعَهُمْ فِيَلَةٌ فَأَمَّا مَحْمُودٌ وَهُوَ فِيلُ الْمَلِكِ فَرَبَضَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ بَقِيَّةُ الْفِيَلَةِ، وَكَانَ فِيهَا فِيلٌ تَشَجَّعَ فَحُصِبَ فَهَرَبَتْ بَقِيَّةُ الْفِيَلَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ. لَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَهُ الْعَذَابُ فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ بَلْ مِنْهُمْ مَنْ هَلَكَ سَرِيعًا وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ يَتَسَاقَطُ عُضْوًا عُضْوًا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن تساقط عضوا عضوا حتى مات ببلاد خثعم وقال ابْنُ إِسْحَاقَ: فَخَرَجُوا يَتَسَاقَطُونَ بِكُلِّ طَرِيقٍ وَيَهْلَكُونَ عَلَى كُلِّ مَنْهَلٍ وَأُصِيبَ أَبَرْهَةُ فِي جَسَدِهِ وَخَرَجُوا بِهِ مَعَهُمْ يَسْقُطُ أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً حَتَّى قَدِمُوا بِهِ صَنْعَاءَ، وَهُوَ مِثْلُ فَرْخِ الطَّائِرِ، فَمَا مَاتَ حَتَّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ فِيمَا يَزْعُمُونَ.
وَذَكَرَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَّ قُرَيْشًا أَصَابُوا مَالًا جَزِيلًا مِنْ أَسْلَابِهِمْ وَمَا كَانَ مَعَهُمْ، وَأَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَصَابَ يَوْمَئِذٍ من الذهب ما ملأ حفرة. قال ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ أَنَّهُ حُدِّثَ أَنَّ أَوَّلَ مَا رُؤِيَتِ الْحَصْبَةُ وَالْجُدَرِيُّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ ذَلِكَ الْعَامَ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ مَا رُؤِيَ بِهِ مَرَائِرُ الشَّجَرِ الْحَرْمَلِ وَالْحَنْظَلِ وَالْعُشْرِ ذَلِكَ الْعَامُ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ مِنْ طَرِيقٍ جَيِّدٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِيمَا يَعُدُّ بِهِ عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِ مَا رَدَّ عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِ الْحَبَشَةِ لِبَقَاءِ أَمْرِهِمْ وَمُدَّتِهِمْ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ... لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قُرَيْشٍ: ١- ٤] أَيْ لِئَلَّا يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ حَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا لِمَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ لَوْ قَبِلُوهُ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ «١» : الْأَبَابِيلُ الْجَمَاعَاتُ وَلَمْ تَتَكَلَّمُ الْعَرَبُ بِوَاحِدَةٍ. قَالَ: وَأَمَّا السِّجِّيلُ فَأَخْبَرَنِي يُونُسُ النَّحْوِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ عِنْدَ الْعَرَبِ الشَّدِيدُ الصُّلْبُ. قَالَ: وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ بِالْفَارِسِيَّةِ جَعَلَتْهُمَا الْعَرَبُ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هُوَ سَنْجُ وَجِلُّ يَعْنِي بِالسَّنْجِ الْحَجَرَ وَالْجِلِّ الطِّينُ. يَقُولُ الْحِجَارَةُ مِنْ هَذَيْنَ الْجِنْسَيْنِ الْحَجَرِ وَالطِّينِ. قَالَ:
وَالْعَصْفُ وَرَقُ الزَّرْعِ الَّذِي لَمْ يُقْضَبُ وَاحِدَتُهُ عَصْفَةٌ، انْتَهَى ما ذكره.
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥.
وَقَدْ قَالَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ طَيْراً أَبابِيلَ قَالَ الْفَرَقُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: أَبَابِيلُ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ: الْأَبَابِيلُ الْكَثِيرَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَبَابِيلُ شَتَّى مُتَتَابِعَةٌ مُجْتَمِعَةٌ وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ الْأَبَابِيلُ الْمُخْتَلِفَةُ تَأْتِي مِنْ هَاهُنَا وَمِنْ هَاهُنَا أَتَتْهُمْ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَقَالَ الكسائي: سَمِعْتُ بَعْضَ النَّحْوِيِّينَ يَقُولُ: وَاحِدُ الْأَبَابِيلِ إِبِّيلٍ.
وقال ابن جرير «١» : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنِي دَاوُدُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ أنه قال في قوله تعالى: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ هِيَ الْأَقَاطِيعُ كَالْإِبِلِ الْمُؤَبَّلَةِ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ عباس وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ قال: لهم خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلب. وحدثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قوله تعالى: طَيْراً أَبابِيلَ.
قَالَ: كَانَتْ طَيْرًا خُضْرًا خَرَجَتْ من البحر لها رؤوس كرؤوس السِّبَاعِ وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ طَيْراً أَبابِيلَ قَالَ: هي طيور سود بحرية في مناقيرها وأظافرها الْحِجَارَةُ «٢»، وَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَتْ طَيْرًا خُضْرًا لَهَا مَنَاقِيرُ صُفْرٌ تَخْتَلِفُ عَلَيْهِمْ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ: كَانَتِ الطَّيْرُ الْأَبَابِيلُ مِثْلَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا عنقاء مغرب «٣». ورواه عَنْهُمُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُهْلِكَ أَصْحَابَ الْفِيلِ بَعَثَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أُنْشِئَتْ مِنَ الْبَحْرِ أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ كُلُّ طَيْرٍ منها يحمل ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ مُجَزَّعَةٍ حَجَرَيْنِ فِي رِجْلَيْهِ وَحَجَرًا فِي مِنْقَارِهِ، قَالَ: فَجَاءَتْ حَتَّى صُفَّتْ عَلَى رؤوسهم ثُمَّ صَاحَتْ وَأَلْقَتْ مَا فِي أَرْجُلِهَا وَمَنَاقِيرِهَا، فَمَا يَقَعُ حَجَرٌ عَلَى رَأْسِ رَجُلٍ إِلَّا خَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ، وَلَا يَقَعُ عَلَى شَيْءٍ من جسده إلا خرج مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا شَدِيدَةً فَضَرَبَتِ الْحِجَارَةَ فَزَادَتْهَا شِدَّةً فَأُهْلِكُوا جَمِيعًا، وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ، قَالَ طِينٌ فِي حِجَارَةٍ سَنْكُ وَكِلُّ وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عن إعادته هاهنا.
وقوله تعالى: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يعني التبن الذي تسميه العامة هبور، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سَعِيدٍ: وَرَقُ الْحِنْطَةِ، وَعَنْهُ أَيْضًا: الْعَصْفُ التِّبْنُ وَالْمَأْكُولُ الْقَصِيلُ يُجَزُّ لِلدَّوَابِّ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: العصف القشرة التي على الحبة
(١) تفسير الطبري ١٢/ ٦٩٢، وفيه: حدثني ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى.
(٢) انظر تفسير الطبري ١٢/ ٦٩٣.
(٣) العنقاء المغرب: طائر من طيور الأساطير، مجهول الشكل، لم يره أحد والعرب تكنى به عن الداهية، والمغرب: المبعد في البلاد. [.....]
كَالْغُلَافِ عَلَى الْحِنْطَةِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْعَصْفُ وَرَقُ الزَّرْعِ وَوَرَقُ الْبَقْلِ إِذَا أَكَلَتْهُ الْبَهَائِمُ فَرَاثَتْهُ فَصَارَ دَرِينًا وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَهْلَكَهُمْ وَدَمَّرَهُمْ وَرَدَّهُمْ بِكَيْدِهِمْ وَغَيْظِهِمْ، لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا، وَأَهْلَكَ عَامَّتَهُمْ وَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ مخبر إِلَّا وَهُوَ جَرِيحٌ كَمَا جَرَى لِمَلِكِهِمْ أَبْرَهَةَ فَإِنَّهُ انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ حِينَ وَصَلَ إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بما جَرَى لَهُمْ ثُمَّ مَاتَ فَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ يَكْسُومُ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبَرْهَةَ، ثُمَّ خَرَجَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ الحميري إلى كسرى فاستعانه عَلَى الْحَبَشَةِ فَأَنْفَذَ مَعَهُ مِنْ جُيُوشِهِ فَقَاتَلُوا معه فرد لله إِلَيْهِمْ مُلْكَهُمْ، وَمَا كَانَ فِي آبَائِهِمْ مِنَ الْمُلْكِ وَجَاءَتْهُ وُفُودُ الْعَرَبِ لِلتَّهْنِئَةِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ قَائِدَ الْفِيلِ وَسَائِسَهُ بِمَكَّةَ أَعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمَانِ وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَا مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمَانِ النَّاسَ عِنْدَ إِسَافٍ وَنَائِلَةَ حَيْثُ يَذْبَحُ الْمُشْرِكُونَ ذَبَائِحَهُمْ.
(قُلْتُ) : كَانَ اسْمُ قَائِدِ الْفِيلِ أُنَيْسًا. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنُ وَهْبٍ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْفِيلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ أَبَرْهَةَ قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ وَإِنَّمَا بَعَثَ عَلَى الجيش رجلا يقال له شمر بن مقصود، وَكَانَ الْجَيْشُ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَذَكَرَ أَنَّ الطَّيْرَ طَرَقَتْهُمْ لَيْلًا فَأَصْبَحُوا صَرْعَى، وَهَذَا السِّيَاقُ غَرِيبٌ جِدًّا وَإِنْ كَانَ أَبُو نُعَيْمٍ قَدْ قَوَّاهُ وَرَجَّحَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَبْرَهَةَ الْأَشْرَمَ الْحَبَشِيَّ قَدِمَ مَكَّةَ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ السياقات والأشعار، وهكذا روي عن ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ أبرهة بعث الأسود بن مقصود عَلَى كَتِيبَةٍ مَعَهُمُ الْفِيلُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قُدُومَ أبرهة نفسه، والصحيح قدومه ولعل ابن مقصود كَانَ عَلَى مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ «١» شَيْئًا مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ فِيمَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ فَمِنْ ذلك شعر عبد الله بن الزبعرى: [الطويل]
تَنَكَّلُوا عَنْ بَطْنِ مَكَّةَ إِنَّهَاكَانَتْ قَدِيمًا لَا يُرَامُ حَرِيمُهَا
لَمْ تُخْلَقِ الشِّعْرَى لَيَالِيَ حُرِّمَتْإِذْ لَا عَزِيزَ مِنَ الْأَنَامِ يَرُومُهَا
سَائِلْ أَمِيرَ الْجَيْشِ عَنْهَا مَا رَأَىفَلَسَوْفَ يُنْبِي الْجَاهِلِينَ عَلَيْمُهَا
سِتُّونَ أَلْفًا لَمْ يَؤُوبُوا أَرْضَهُمْبَلْ لَمْ يَعِشْ بَعْدَ الِإْيَابِ سَقِيمُهَا
كَانَتْ بِهَا عَادٌ وَجُرْهُمُ قَبْلَهَمُوَاللَّهُ مِنْ فَوْقِ الْعِبَادِ يُقِيمُهَا
وَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الأسلت الأنصاري المري: [المتقارب]
ومن صنعه يوم فيل الحبوشإذ كل ما بعثوه رزم «٢»
(١) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٥٨.
(٢) الأبيات في ديوان أمية بن أبي الصلت ص ٥٧، والبيت الأخير بلا نسبة في لسان العرب (ثأج)، وتاج العروس (ثأج).
مَحَاجِنُهُمْ تَحْتَ أَقْرَابِهِوَقَدْ شَرَمُوا أَنْفَهُ فَانْخَرَمْ
وَقَدْ جَعَلُوا سَوْطَهُ مِغْوَلًاإِذَا يَمَّمُوهُ قَفَاهُ كلم
فولى وأدبر أَدْرَاجِهِوَقَدْ بَاءَ بِالظُّلْمِ مَنْ كَانَ ثَمْ
فَأَرْسَلَ مِنْ فَوْقِهِمْ حَاصِبًايَلُفُّهُمْ مِثْلَ لَفِّ القزم
يحض عَلَى الصَّبْرِ أَحْبَارُهُمْوَقَدْ ثَأَجُوا كَثُؤَاجِ الْغَنَمْ
وقال أبو الصلت بن رَبِيعَةَ الثَّقَفِيُّ، وَيُرْوَى لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ بن أبي ربيعة:

[الخفيف]

إِنَّ آيَاتِ رَبِّنَا بَاقِيَاتٌمَا يُمَارِي فِيهِنَّ إِلَّا الْكَفُورُ «١»
خُلِقَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَكُلٌّمُسْتَبِينٌ حِسَابُهُ مَقْدُورُ
ثُمَّ يَجْلُو النَّهَارَ رَبٌّ رَحِيمٌبِمَهَاةٍ شُعَاعُهَا مَنْشُورُ
حَبَسَ الْفِيلَ بِالْمُغَمَّسِ حَتَّىصَارَ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَعْقُورُ
لَازِمًا حَلْقُهُ الْجَرَّانَ كما قطرمن ظهر كبكب محذور
حَوْلَهُ مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ أَبْطَالُمَلَاوِيثُ فِي الْحُرُوبِ صُقُورُ
خَلَّفُوهُ ثُمَّ ابْذَعَرُّوا جَمِيعًاكُلُّهُمْ عَظْمُ سَاقِهِ مَكْسُورُ
كُلُّ دِينٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَاللَّهِ إِلَّا دِينُ الْحَنِيفَةِ بُورُ
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَطَلَّ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى الثَّنِيَّةِ الَّتِي تَهْبِطُ بِهِ عَلَى قُرَيْشٍ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ فَزَجَرُوهَا فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ أَيْ حَرَنَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ- ثُمَّ قَالَ- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي الْيَوْمَ خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَجَبْتُهُمْ إِلَيْهَا» ثُمَّ زَجَرَهَا فَقَامَتْ «٢». وَالْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ:
«إِنَّ اللَّهَ حَبْسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهُ قَدْ عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ألا فليبلغ الشاهد الغائب» «٣».
آخر تفسير سورة الفيل، ولله الحمد والمنة.
(١) الأبيات في ديوان أمية بن أبي الصلت ص ٣٨، والبيت الثالث في لسان العرب (مها)، وتاج العروس (مها)، وبلا نسبة في المخصص ٩/ ٢١، ورواية الديوان «ثم يجلو الظلام» بدل «ثم يجلو النهار».
(٢) أخرجه البخاري في الجهاد باب ٥٩.
(٣) أخرجه البخاري في العلم باب ٣٩، ومسلم في الحج حديث ٤٤٧، ٤٤٨.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
الذين كادوا بيته الحرام، وأرادوا إخرابه، فتجهزوا لأجل ذلك، واستصحبوا معهم الفيلة لهدمه، وجاءوا بجمع لا قبل للعرب به، من الحبشة واليمن.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٥} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ -[٩٣٥]- كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾.
أي: أما رأيت من قدرة الله وعظيم شأنه، ورحمته بعباده، وأدلة توحيده، وصدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ما فعله الله بأصحاب الفيل، الذين كادوا بيته الحرام وأرادوا إخرابه، فتجهزوا لأجل ذلك، واستصحبوا معهم الفيلة لهدمه، وجاءوا بجمع لا قبل للعرب به، من الحبشة واليمن، فلما انتهوا إلى قرب مكة، ولم يكن بالعرب مدافعة، وخرج أهل مكة من مكة خوفًا على أنفسهم منهم، أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل أي: متفرقة، تحمل حجارة محماة من سجيل، فرمتهم بها، وتتبعت قاصيهم ودانيهم، فخمدوا وهمدوا، وصاروا كعصف مأكول، وكفى الله شرهم، ورد كيدهم في نحورهم، [وقصتهم معروفة مشهورة] وكانت تلك السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصارت من جملة إرهاصات دعوته، ومقدمات (١) رسالته، فلله الحمد والشكر.
(١) في ب: أدلة.
تفسير سورة لإيلاف
قريش وهي مكية
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٨٨ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
كَيْدَهُمْ
تَدْبِيرَهُمْ وَسَعْيَهُمْ لِتَخْرِيبِ الكَعْبَةِ.
تَضْلِيلٍ
تَضْيِيعٍ، وَإِبْطَالٍ، وَخَسَارٍ.

إعراب الآية ٢ من سورة الفيل

من كتاب: إعراب القرآن

١٠٥ شرح إعراب سورة الفيل

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الفيل (١٠٥) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١)
حذفت الألف من ترى للجزم، والأصل الهمزة فألقيت حركة الهمزة على الراء فحذفت الهمزة «كيف» في موضع نصب بفعل، وهي غير معربة لأنها في معنى الحروف وإن كانت اسما، وفتحت الفاء لالتقاء الساكنين.

[سورة الفيل (١٠٥) : آية ٢]

أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)
أي في تضليل عما أرادوه.

[سورة الفيل (١٠٥) : آية ٣]

وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣)
من أحسن ما روي فيه عن المتقدمين ما حدّثناه علي بن الحسين عن الحسن بن محمد قال: حدثنا عفّان قال: حدّثنا حماد عن عاصم عن زرّ عن عبد الله طَيْراً أَبابِيلَ قال: فرقا. وقرئ على محمد بن جعفر عن يوسف بن موسى قال: حدّثنا شهاب عن إبراهيم عن حميد عن أبي خالد عن أبي صالح «طيرا أبابيل» قال: جمعا بعد جمع. قال أبو جعفر: ومعروف في كلام العرب جاءوا أبابيل أي جماعة بعد جماعة عظيمة كثيرة بعد جماعة. مشتق من أبل عليه إذا كثر وجمع ومنه سمّيت الإبل لعظم خلقها، وقد قيل: إنّ معنى أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] أنها السحاب لعظمها وإن كان القتبي ردّ هذا التفسير بغير حجّة تثبت. وأصح ما قيل في واحد الأبابيل ما قاله محمد بن يزيد قال: واحدها ابّيل كسكّين وسكاكين.

[سورة الفيل (١٠٥) : آية ٤]

تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)
جمعه سجاجيل.

[سورة الفيل (١٠٥) : آية ٥]

فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)
الكاف في موضع نصب مفعول ثان أي مأكول ما فيه، وهو قشر الحنطة، ويجوز أن يكون بمعنى مأكول للبهائم.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ٢ من سورة الفيل

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

[قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ إلى آخر السورة]. [١-٥].
نزلت في قصة أصحاب الفيلِ، وقَصْدِهم تَخْريبَ الكعبة، وما فَعل الله تعالى بهم: من إهلاكِهِم وصَرْفِهِم عن البيت. وهي معروفةٌ.

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالقصة

١١ قولًا
١
قال محمد بن السّائِب الكلبي، ومقاتل: كان صاحب الجيش أبْرَهَة، وكان أبو يكسوم مِن وزرائه ونُدمائه، فلمّا أهلكهم الله سبحانه بالحجارة لم يُفلتْ منهم إلا أبو يكسوم، فسار وطائر يطير فوقه، ولم يشعر به حتى دخل على النّجاشي، فأخبره بما أصابهم، فلمّا استتمّ كلامه رماه الطائر، فسقط فمات، فأرى الله النّجاشي كيف كان هلاك أصحابه١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠/ ٢٩٦.
٢
قال الواقدي: كان أبْرَهَة جدّ النجاشي الذي كان في زمن رسول اللّه ﷺ١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏٢٩٦.
٣
عن يعقوب بن عُتبة بن المُغيرة بن الأَخْنَس -من طريق ابن إسحاق- قال: إنّ أول ما رؤيت الحصبة والجُدَرِيّ بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي بها مُرار الشجر: الحرمل والحنظل والعُشر ذلك العام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٦٤٣.
٤
عن قيس بن مخرمة، قال: وُلدتُ أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق (٢٩)، وأبو نعيم في الدلائل (٨٥)، والبيهقي ١‏/‏٧٦-٧٧.
٥
عن أبي الحويرث، قال: سمعتُ عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني الليثي: يا قباث، أنت أكبر أم رسول اللّه؟ قال: رسول اللّه أكبر مِنِّي، وأنا أسنُّ منه، وُلد رسول اللّه ﷺ عام الفيل، ووقفتْ بي أمّي على روث الفيل١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ١٠‏/‏٢٩٦.
٦
عن عائشة -من طريق عمرة- قالت: لقد رأيتُ قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مُقعَديْن يَستطعمان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق في السيرة ص٤٤، والواقدي -كما في تفسير ابن كثير ٨‏/‏٥٠٩-، والبيهقي ١‏/‏١٢٥. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه، وأبي نعيم.
٧
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد- قال: وُلِد النبيُّ ﷺ عام الفيل١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي ١‏/‏٧٥. وعزاه السيوطي إلى أبي نعيم.
٨
عن [سعيد بن عبد الرحمن] بن أبْزى -من طريق جعفر- قال: كان بين الفيل وبين رسول الله ﷺ عشر سنين١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ١‏/‏٧٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٩
عن محمد بن جُبَير بن مُطعم، قال: وُلِد رسول الله ﷺ عام الفيل، وكانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة سنة، وبُني البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل، وتنبّأ رسول الله ﷺ على رأس أربعين من الفيل١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي ١‏/‏٧٨.
١٠
قال عُبيد بن عُمير، ومحمد بن السّائِب الكلبي: كان قبل مولد النبي - ﷺ - بثلاث وعشرين سنة١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠/ ٢٩٦، وتفسير البغوي ٨/ ٥٤٠ عن الكلبي فقط.
١١
قال مقاتل بن سليمان: كان أصحاب الفيل قبل مولد النبي ﷺ بأربعين سنة، وهلكوا عند أدنى الحرم، ولم يدخلوه قط...١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٨٥٣. وهو في تفسير الثعلبي ١٠‏/‏٢٩٦ وتفسير البغوي ٨‏/‏٥٤٠ معزوًّا إلى مقاتل دون تعيينه.

قصة أصحاب الفيل

١١ قولًا
١
عن سعيد بن جُبَير -من طريق محمد بن إسماعيل- قال: أقبل أبو يكسوم صاحب الحبشة ومعه الفيل، فلما انتهى إلى الحرم بَرك الفيل، فأبى أن يدخل الحرم، فإذا وُجِّه راجعًا أسرع راجعًا، وإذا أُريد على الحرم أبى، فأُرسل عليهم طيرٌ صغارٌ بيضٌ، في أفواهها حجارة أمثال الحِمَّص، لا تقع على أحد إلا هلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ١٤‏/‏٢٨٣.
٢
قال الحسن البصري: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ هذا خبر أخبر الله به النبي ﷺ، وذلك أنّ العرب أهل الحَرم هدموا كنيسة للحبشة وهم نصارى، فقال أبْرَهَة بن الصباح: لَنهدمنّ كعبة العرب كما هدموا كنيستنا. وكان أبْرَهَة من أهل اليمن، ملّكته الحبشة عليهم، فبعث بالفيل وبالجنود، فجاء حتى إذا انتهى إلى الحَرم ألقى بجِرانه١، فسقط، فوجّهوه نحو منازلهم فذهب يسعى، فإذا وُجِّه نحو الحرم ألقى بجِرانه ولم يتحرّك، وإذا وُجِّه نحو منازلهم ذهب يسعى٢
التخريج
  1. ١الجِران: باطن العنق، وألقى بجِرانه: برك واستراح ومدَّ عنقه على الأرض. النهاية (جرن).
  2. ٢ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٥‏/‏١٦٣-.
٣
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾، قال: أقبل أبْرَهَة الأشرم بالحبشة ومَن تبعه مِن غُزاة أهل اليمن إلى بيت الله؛ ليهدموه من أجل بِيعةٍ لهم أصابها العرب بأرض اليمن، فأقبلوا بفيلهم حتى إذا كانوا بالصِّفاح بَرك، فكانوا إذا وجّهوه إلى بيت الله ألقى بجِرانه إلى الأرض، فإذا وجّهوه قِبل بلادهم انطلق وله هرولة، حتى إذا كانوا بنخلة اليمانية بعث الله عليهم طيرًا أبابيل بيضًا، وهي الكثيرة، مع كلّ طائر منها ثلاثة أحجار؛ حجران في رجليه، وحجر في منقاره، فجعلت ترميهم بها، حتى جعلهم الله كعصف مأكول، فنجا أبو يكسوم، فجعل كلمّا قدم أرضًا تساقط بعض لحمه حتى أتى قومه فأخبرهم الخبر، ثم هلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٦٤٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٤
عن عبد الملك ابن جُرَيْج، في قوله: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾، قال: أبو يكسوم جبّار مِن الجبابرة، جاء بالفيل يسوقه معه الجيش؛ ليهدم -زعم- بيت الله من أجل بِيعةٍ كانت هُدمتْ باليمن، فلما دنا الفيل مِن الحَرم ضرب بجِرانه، فإذا أرادوا به الرّجعة أسرع الهرولة١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم يا محمد ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ يعني: أبْرَهَة بن الأشرم اليماني وأصحابه، وذلك أنه كان بعث أبا يكسوم بن أبْرَهَة اليماني الحبشي -وهو ابنه- في جيش كثيف إلى مكة، ومعهم الفيل ليُخرِّب البيت الحرام، ويجعل الفيل مكان البيت بمكة، ليُعظّم ويُعبد كتعظيم الكعبة، وأمره أن يقتل مَن حال بينه وبين ذلك، فسار أبو يكسوم بمن معه حتى نزل بالمُغمِّس، وهو وادٍ دون الحَرم بشيء يسير، فلما أرادوا أن يسوقوا الفيل إلى مكة لم يدخل الفيل الحرم، وبَرك، فأمر أبو يكسوم أن يسقوه الخمر، فسَقوه الخمر ويردّونه في سياقه، فلما أرادوا أن يسوقوه بَرك الثانية، ولم يقم، وكلما خلّوا سبيله ولّى راجعًا إلى الوجه الذي جاء منه يهرول، ففزعوا مِن ذلك، وانصرفوا عامهم ذلك، فلما أن كان بعده بسنة أو بسنتين خرج قوم من قريش في تجارة إلى أرض النجاشي، حتى دنوا من ساحل البحر في سند١ حِقْف٢ من أحقافها ببِيعة النصارى، وتُسمّيها: قريش الهيكل، ويُسمّيها النجاشي وأهله أرضه: ماء سرجسان، فنزل القوم في سندها، فجمعوا حطبًا، فأوقدوا نارًا، وشووا لحمًا، فلما أرادوا أن يرتحلوا تركوا النار، كما هي في يوم عاصف، [فعجت] الريح، واضطرم الهيكل نارًا، فانطلق الصّريخ إلى النجاشي، وجاءه الخبر، فأسف عند ذلك غضبًا للبيعة، وسمعتْ بذلك ملوك العرب الذين هم بحضرته، فأتَوا النّجاشي منهم حجر بن شرحبيل، وأبو يكسوم الكنديان، وأَبْرَهَة بن الصباح الكنديّ، فقالوا: أيها الملك، لا تُكاد ولا تُغلب، نحن مؤازرون لك على كعبة قريش التي بمكة، فإنها فخرهم ومعتزّهم على مَن بحضرتهم من العرب، فننسف بناءها، ونبيح دماءها، وننتهب أموالها، وتمنح حفائرها مَن شئتَ من سوامك، ونحن لك على ذلك مؤازرون، فاعزم إذا شئتَ أو أحببتَ، أيها الملك. فأرسَل الملك الأسود بن مقصود، فأمر عند ذلك بجنوده من مزارعي الأرض، فأخرج كتائبه جماهير، معهم الفيل، واسمه: محمود، فسار بهم وبمن معه مِن ملوك العرب تلقاء مكة في جحافل تضيق عليهم الطرق، فلما ساروا مَرّوا بخيل لعبد المطلب -جد النبي ﷺ- مسَوّمة وإبل، فاستاقها، فركب الراعي فرسًا له أعوجيًّا كان يعدّه لعبد المُطَّلِب، فأمعن في السير حتى دخل مكة، فصعد إلى الصّفا، فرقى عليه، ثم نادى بصوت رفيع: يا صباحاه، يا صباحاه، أتتكم السّودان معها فيلها، يريدون أن يهدموا كعبتكم، ويدعوا عِزّكم، ويبيحوا دماءكم، وينتهبوا أموالكم، ويستأصلوا بيضتكم، فالنّجاء النّجاء. ثم قصد إلى عبد المُطَّلِب، فأخبره بالأمر كلّه، فركب عبد المُطَّلِب فرسه، ثم أمعن جادًّا في السير حتى هجم على عسكر القوم، فاستفتح له أبْرَهَة بن الصباح، وحجر بن شراحيل، وكانا خِلَّيْن، فقالا لعبد المُطَّلِب: ارجع إلى قومك، فأخبِرهم وأنذِرهم أنّ هذا قد جاءكم حميًا آتيًا. فقال عبد المُطَّلِب: واللّات والعُزّى، لا أرجع حتى أرجع معي بخيلي ولقاحي. فلما عرفا أنه غير راجع ونازع عن قوله قصدا به إلى النّجاشي، فقالا كهيئة المستهزئين يستهزئان به: أيها الملك، اردد عليه إبله وخيله، فإنما هو وقومه لك بالغداة. فأمر بردّها، فقال عبد المُطَّلِب للنّجاشي: هل لك إلى أنْ أُعطيك أهلي ومالي، وأهل قومي، وأموالهم ولقاحهم؛ على أن تنصرف عن كعبة الله؟ قال: لا. فسار عبد المُطَّلِب بإبله وخيله حتى أحرزها، ونزل النّجاشي ذا المجاز موضع سوق الجاهلية، ومعه من العدد والعُدّة كثير، وانذعرتْ قريش، وأعروا مكة، فلحقوا بجبل حراء وثبير وما بينها من الجبال، وقال عبد المُطَّلِب لقريش: واللّات والعُزّى، لا أبرح البيت حتى يقضي الله قضاءه، فقد نبّأني أجدادي أنّ للكعبة ربًّا يمنعها، ولن تغلب النصرانية، وهذه الجنود جنود الله. وبمكة يومئذ أبو مسعود الثقفي جدّ المختار، وكان مكفوف البصر، يقيظ بالطائف، ويشتو بمكة، وكان رجلًا نبيلًا، تستقيم الأمور برأيه، وهو أول فاتق، وأول راتق، وكان خِلًّا لعبد المُطَّلِب، فقال له عبد المُطَّلِب: يا أبا مسعود، ماذا عندك، هذا يوم لا يُستغنى عن رأيك؟ قال له أبو مسعود: اصعد بنا الجبل حتى نتمكّن فيه. فصعدا الجبل، فتمكّنا فيه، فقال أبو مسعود لعبد المُطَّلِب: اعمد إلى ما ترى مِن إبلك فاجعلها حرمًا لله، وقلِّدها نعالًا، ثم أرسِلها في حَرم الله، فلعلّ بعض هؤلاء السّودان أن يعقروها، فيغضب ربّ هذا البيت، فيأخذهم عند غضبه. ففعل ذلك عبد المُطَّلِب، فعمد القوم إلى تلك الإبل، فحملوا عليها، وعقروا بعضها، فقال عبد المُطَّلِب عند ذلك-وهو يبكي-: يا ربّ إن العبد يمنع رَحله فامنع حلالك لا يغلبنّ صليبهم ومحالهم عدوًا محالك فإن كنتَ تاركهم وكعبتنا فأمرٌ ما بدا لك فلم أسمع بأرجس من رجال أرادوا العِزّ فانتهكوا حرامك ثم دعا عليهم، فقال: اللهم أخز الأسود بن مقصود الآخذ الهجمة بعد التقليد قبلها إلى طماطم سود بين ثبير فالبيد والمروتين والمشاعر السود ويهدم البيت الحرام المصمود قد أجمعوا ألا يكون لك عمود اخفرهم ربي فأنت محمود فقال أبو مسعود: إنّ لهذا البيت ربًّا يمنعه منعة عظيمة، ونحن له. فلا ندري ما منعه، فقد نزل تُبّع ملك اليمن بصحن هذا البيت، وأراد هدْمه، فمنعه الله عن ذلك، وابتلاه، وأظلم عليهم ثلاثة أيام، فلما رأى ذلك تُبّع كساه الثياب البيض من الشطرين وعظّمه، ونحر له جُزرًا، ثم قال أبو مسعود لعبد المُطَّلِب: انظر نحو البحر ما ترى؟ فقال: أرى طيرًا بيضًا قد انساب مع شاطئ البحر. فقال: ارمقها ببصرك أين قرارها؟ قال: أراها قد أزرتْ على رؤوسنا. فقال: هل تعرفها؟ قال: لا، والله، ما أعرفها، ما هي بنجديّة، ولا تِهاميّة، ولا غربيّة، ولا شرقيّة، ولا يمانيّة، ولا شاميّة، وإنها تطير بأرضنا غير مؤنسة. قال: ما قدرها؟ قال: أشباه اليعاسيب، في مناقيرها الحصى كأنها حصى الخذف، قد أقلبتْ، وهي طير أبابيل يتبع بعضها بعضًا، أمام كلّ رفقة منها طائر يقودها أحمر المنقار، أسود الرأس، طويل العنق، حتى إذا جازتْ بعسكر القوم ركدنَ فوق رؤوسهم، فلما توافتها الرّعال كلّها هالت الطير ما في مناقيرها من الحجارة على مَن تحتها، يقال: إنه كان مكتوبًا على كلّ حجر اسم صاحبه، ثم إنها عادتْ راجعة من حيث جاءتْ. فقال أبو مسعود: لأمر ما هو كائن. فلما أصبحا انحطّا من ذروة الجبل إلى الأرض، فمشيا ربوة أو ربوتين، فلم يؤنسا أحدًا، ثم دنوا، فمشيا ربوة أو ربوتين أيضًا، فلم يسمعا همسًا، فقالا: عند ذلك بات القوم سامدين، فأصبحوا نيامًا، لا يُسمع لهم ركزًا. وكانا قبل ذلك يسمعان صياحهم، وجلبة في أسواقهم، فلما دَنَيا من عسكرهم فإذا هم خامدون، يقع الحجر في بيضة الرجل فيخرقها حتى يقع في دماغه، ويخرق الفيل والدابة حتى يغيب في الأرض من شدّة وقْعه، فعمد عبد المُطَّلِب فأخذ فأسًا مِن فئوسهم، فخفر حتى عمّق في الأرض، وملأه من الذّهب الأحمر والجوهر الجيد، وحفر أيضًا لصاحبه فملأه من الذّهب والجوهر، ثم قال لأبي مسعود: هاتِ خاتمك، واختر أيهما شئت، خذ إن شئتَ حُفرتي، وإن شئتَ حُفرتك، وإن شئتَ فهُما لك. فقال أبو مسعود: اختر لي. فقال عبد المطلب: إنى لم أعلُ أجود المتاع في حُفرتي، وهي لك، وجلس كلّ واحد منهما على حُفرة صاحبه، ونادى عبد المُطَّلِب في الناس، فتراجعوا، فأصابوا مِن فضلهما حتى ضاقوا به ذرعًا، وساد عبد المُطَّلِب بذلك قريشًا، وأعطوه المقادة، فلم يزل عبد المُطَّلِب وأبو مسعود وأهلوهما في غِنًى مِن ذلك المال، ودفع الله عز وجل عن كعبته وقِبلته، وسلّط عليهم جنودًا لا قِبل لهم بها، وكان لهم بالمرصاد والأخذة الرابية، وأنزل فيهم: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ يعني: يخبر نبيّه ﷺ ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ يعني: الأسود بن مقصود، ومَن معه من الجيش وملوك العرب...٣
التخريج
  1. ١السند: ما ارتفع من الأرض في قُبُل الجبل أو الوادي. اللسان (سند).
  2. ٢الحِقْف: هو ما اعوج من الرمل واستطال، ويجمع على أحقاف. النهاية (جقف).
  3. ٣تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٨٤٧-٨٥٤. وقد أتم مقاتل القصة بذكر بعض ما قالته العرب من شعر في الحادثة، آثرنا حذفها لما فيه من تصحيف وعدم دقة في تحقيقها. وقد أورد القصة بطولها الثعلبيُّ في تفسيره ١٠/ ٢٩٣ معزوَّة إلى مقاتل بن سليمان.
٦
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة بن الفضل-: أنّ أبْرَهَة بنى كنيسة بصنعاء، وكان نصرانيًّا، فسماها: القُلَّيْس؛ لم يُر مثلها في زمانها بشيء من الأرض؛ وكتب إلى النجاشيّ ملِك الحبشة: إني قد بنيتُ لك -أيها الملِك- كنيسة لم يُبن مثلها لملِك كان قبلك، ولستُ بمنتهٍ حتى أصرف إليها حاجّ العرب. فلما تحدّثت العرب بكتاب أبْرَهَة ذلك للنجاشيّ غضِب رجلٌ من النّسَأة١ أحد بني فُقَيم، ثم أحد بني مالك، فخرج حتى أتى القُلَّيْس، فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه، فأُخبر أبْرَهَة بذلك، فقال: مَن صنع هذا؟ فقيل: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكة؛ لما سمع من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب، فغضب، فجاء فقعد فيها، أي: أنها ليستْ لذلك بأهل. فغضب عند ذلك أبْرَهَة، وحلف ليسيرنّ إلى البيت فيهدمه، وعند أبْرَهَة رجال من العرب قد قدموا عليه يلتمسون فضله، منهم محمد بن خُزاعيّ بن حزابة الذَّكواني، ثم السُّلمي، في نفر من قومه، معه أخ له يُقال له: قيس بن خُزاعيّ، فبينما هم عنده غشيهم عبد لأَبْرَهَة، فبعث إليهم فيه بغذائه، وكان يأكل الخُصى، فلما أتى القوم بغذائه قالوا: واللهِ، لئن أكلنا هذا لا تزال تسبّنا به العرب ما بقينا. فقام محمد بن خُزاعيّ، فجاء أبْرَهَة، فقال: أيها الملِك، إنّ هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجُنوب والأيدى. فقال له أبْرَهَة: فسنبعث إليكم ما أحببتم، فإنما أكرمتكم بغذائي لمنزلتكم عندي. ثم إن أبْرَهَة توّج محمد بن خزاعي، وأمّره على مُضر أن يسير في الناس، يدعوهم إلى حجّ القُلَّيْس، كنيسته التي بناها، فسار محمد بن خُزاعيّ، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة، وقد بلغ أهل تِهامة أمره، وما جاء له، بعثوا إليه رجلًا من هُذَيل يقال له: عروة بن حياض الملاصيّ، فرماه بسهم، فقتله، وكان مع محمد بن خُزاعيّ أخوه قيس بن خُزاعيّ، فهرب حين قُتل أخوه، فلحق بأَبْرَهَة، فأخبره بقتْله، فزاد ذلك أبْرَهَة غضبًا وحنقًا، وحلف ليغزونّ بني كنانة، وليهدمنّ البيت. ثم إن أبْرَهَة حين أجمع السير إلى البيت أمر الحُبْشان، فتهيّأتْ وتجهّزتْ، وخرج معه بالفيل، وسمعت العرب بذلك، فأعظموه، وفظعوا به، ورأوا جهاده حقًّا عليهم حين سمعوا أنه يريد هدْم الكعبة بيت الله الحرام، فخرج رجل كان مِن أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال: له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبْرَهَة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه من أجابه إلى ذلك، وعرض له، وقاتله، فهُزم، وتفرّق أصحابه، وأُخذ له ذو نَفر أسيرًا، فأُتي به، فلما أراد قتله قال له ذو نَفْر: أيها الملِك، لا تقتلني، فإنّه عسى أن يكون بقائي معك خيرًا لك مِن قتْلي. فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق، وكان أبْرَهَة رجلًا حليمًا. ثم مضى أبْرَهَة على وجهه ذلك يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نُفَيل بن حبيب الخثعميّ في قبيلي خثعم: شهران، وناهس، ومن معه من قبائل العرب، فقاتله، فهزمه أبْرَهَة، وأُخذ له أسيرًا، فأُتي به، فلما همّ بقتْله قال له نُفَيل: أيها الملِك، لا تقتلني، فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يداي لك على قبيتليّ خثعم؛ شهران، وناهس، بالسمع والطاعة. فأعفاه، وخلّى سبيله، وخرج به معه يدلّه على الطريق، حتى إذا مَرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعتِّب في رجال ثقيف، فقال: أيها الملِك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد -يعنون: اللّات-، إنما تريد البيت الذي بمكة -يعنون: الكعبة-، ونحن نبعث معك مَن يدلّك، فتجاوز عنهم، وبعثوا معه أبا رغال، فخرج أبْرَهَة ومعه أبو رِغال حتى أنزله المُغَمِّس٢، فلما أنزله به مات أبو رِغال هناك، فرَجمت العربُ قبره، فهو القبر الذي ترجم الناس بالمُغَمِّس. ولما نزل أبْرَهَة المُغَمِّس بعث رجلًا من الحبشة -يقال له: الأسود بن مقصود- على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قريش وغيرهم، وأصاب منها مائتي بعير لعبد المُطَّلِب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيّدها، وهمّتْ قريش وكنانة وهُذيل ومَن كان بالحَرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به، فتركوا ذلك، وبعث أبْرَهَة حُناطة الحِمْيريّ إلى مكة، وقال له: سل عن سيّد هذا البلد وشريفهم، ثم قُل له: إنّ الملك يقول لكم: إني لم آتِ لحربكم، إنما جئتُ لهدْم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم. فإن لم يُرد حربي فأْتني به. فلما دخل حُناطة مكة سأل عن سيّد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المُطَّلِب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَي، فجاءه، فقال له ما أمره به أبْرَهَة، فقال له عبد المُطَّلِب: واللهِ، ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال-، فإن يمنعه فهو بيته وحَرمه، وإن يُخلّ بينه وبينه -فواللهِ- ما عندنا له مِن دفْع عنه. أو كما قال له، فقال له حُناطة: فانطلِق إلى الملِك، فإنه قد أمرني أنْ آتيه بك. فانطلق معه عبد المُطَّلِب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نَفْر، وكان له صديقًا، فدُلّ عليه، فجاءه وهو في محبسه، فقال: يا ذا نَفْر، هل عندك غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نَفْر: وما غناء رجل أسير بيدي ملِك، ينتظر أن يقتله غدوًّا أو عشيًّا؟ ما عندي غناء في شيء مما نزل بك، إلا أنّ أُنَيْسًا سائس الفيل لي صديق، فسأرسل إليه، فأوصيه بك، وأُعظِّم عليه حقّك، وأسأله أن يستأذن لك على الملِك، فتكلّمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير، إن قدر على ذلك. قال: حسبي. فبعث ذو نَفْر إلى أُنَيْس، فجاء به، فقال: يا أُنَيْس، إنّ عبد المُطَّلِب سيد قريش، وصاحب عِير مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملِك له مائتي بعير، فاستأذِن له عليه، وانفعه عنده بما استطعتَ. فقال: أفعل. فكلّم أُنَيْس أبْرَهَة، فقال: أيها الملِك، هذا سيّد قريش ببابك، يستأذن عليك، وهو صاحب عِير مكة، يُطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فأْذن له عليك، فليكلّمك بحاجته، وأحسِن إليه. قال: فأذن له أبْرَهَة، وكان عبد المُطَّلِب رجلًا عظيمًا وسيمًا جسيمًا؛ فلما رآه أبْرَهَة أجلّه وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يُجلسه معه على سرير مُلكه، فنزل أبْرَهَة عن سريره، فجلس على بساطه، فأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لتُرْجُمانه: قُل له: ما حاجتك إلى الملِك؟ فقال له ذلك التُّرجُمان، فقال له عبد المُطَّلِب: حاجتي إلى الملِك أن يردّ عليّ مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك قال أبْرَهَة لتُرْجُمانه: قُل له: قد كنتَ أعجبتني حين رأيتُك، ثم زهدتُ فيك حين كلّمتني، أتكلّمني في مائتي بعير أصبتُها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئتُ لهدْمه فلا تكلّمني فيه؟! قال له عبد المُطَّلِب: إني أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليُمنع مني. قال: أنتَ وذاك، اردد إليّ إبلي. وكان -فيما زعم بعض أهل العلم- قد ذهب مع عبد المُطَّلِب إلى أبْرَهَة، حين بعث إليه حُناطة، يعمُر بن نُفاثة بن عدي بن الدُّئل بن بكر بن عبد مَناة بن كنانة، وهو يومئذ سيّد بني كنانة، وخُوَيْلد بن واثلة الهُذلي وهو يومئذ سيّد هُذيل، فعرضوا على أبْرَهَة ثُلُث أموال تِهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم، والله أعلم. وكان أبْرَهَة قد ردّ على عبد المُطَّلِب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المُطَّلِب إلى قريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرُّز في شَعْف الجبال والشِّعاب، تخوّفًا عليهم من مَعرّة الجيش، ثم قام عبد المُطَّلِب، فأخذ بحلقة الباب باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبْرَهَة وجنده، فقال عبد المُطَّلِب وهو آخذ حلقة باب الكعبة: يا ربِّ لا أرجو لهم سِواكا يا ربِّ فامنع منهم حِماكا إن عدوَّ البيت مَن عاداكا امنعهم أن يُخْربوا قراكا لاهُمّ إن العبد يمـــ ــنع رحْله فامنع حِلالك لا يغلبنّ صليبُهم ومِحالهم غدوا مِحالك فلئن فعلتَ فربما أولى فأمرٌ ما بدا لك ولئن فعلتَ فإنه أمرٌ تُتم به فِعالك وكنتَ إذا أتى باغٍ بسَلْم نُرجِّي أن تكون لنا كذلك فولَّوا لم ينالوا غير خِزي وكان الحين يُهلكهم هنالك ولم أسمع بأرجسَ من رجال أرادوا العز فانتهكوا حَرامك جرُّوا جموع بلادهم والفيل كي يَسْبوا عيالك ثم أرسل عبد المُطَّلِب حلقة باب الكعبة، وانطلق هو ومَن معه من قريش إلى شَعْف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبْرَهَة فاعل بمكة إذا دخلها؛ فلما أصبح أبْرَهَة تهيّأ لدخول مكة، وهيّأ فيله، وعبّأ جيشه، وكان اسم الفيل: محمودًا، وأَبْرَهَة مُجمع لهدْم البيت، ثم الانصراف إلى اليمن، فلما وجّهوا الفيل أقبل نُفَيل بن حبيب الخثعميّ، حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأُذنه، فقال: ابرُك محمود، وارجع راشدًا من حيث جئتَ؛ فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أُذنه، فبَرك الفيل، وخرج نُفَيل بن حبيب يشتدّ حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، وضربوا في رأسه بالطَّبَرْزين٣ ليقوم، فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مَراقِّه٤، فبَزغوه٥ بها ليقوم، فأبى، فوجّهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكة فبَرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كلّ طير ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه مثل الحِمَّص والعَدَس، لا يصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلّهم أصابتْ، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا، ويسألون عن نُفَيل بن حبيب، ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نُفَيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نِقمته: أين المفرّ والإله الطالب؟! والأشرمُ المغلوبُ غير الغالب فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون على كلّ منْهل، فأصيب أبْرَهَة في جسده، وخرجوا به معهم، تسقط أنامله أُنمُلة أُنمُلة، كلما سقطت أُنمُلة أتبعتها مِدّة تُمثُّ٦ قيحًا ودمًا، حتى قدموا به صنعاء، وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون٧٨
التخريج
  1. ١النسأة: ما كانت تفعله العرب في الأشهر الحرم، وذلك أنهم كانوا يكرهون توالي ثلاثة أشهر حُرم لا يغيرون فيها؛ لأن حياتهم ومعاشهم من الغارة، فيحل لهم شهر المحرم، فذلك الإنساء. اللسان (نسأ).
  2. ٢المغمس: موضع في طرف الحرم، وهو الذي ربض فيه الفيل. معجم البلدان ٤‏/‏٥٨٣.
  3. ٣الطبرزين: فأس السرج يقاتلون به. المعرّب ص٢٧٦.
  4. ٤مرق البطن: أسفله وما حوله مما استرق منه. اللسان (رقق).
  5. ٥البزغ: الشق. اللسان (بزغ).
  6. ٦تُمثُّ: ترشح وتسيل. اللسان (مثث).
  7. ٧أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٦٣٥-٦٤٢.
تعليقات المحققين
  1. ٨لم يذكر ابنُ جرير (٢٤/٦٣٥-٦٤٣) في السبب الذي دعا أبْرَهَة لتخريب الكعبة غير ما جاء في أثر ابن إسحاق، وقتادة.
٧
عن عثمان بن المغيرة بن الأخنس، قال: كان من حديث أصحاب الفيل أنّ أبْرَهَة الأشرم الحبشي كان ملِك اليمن، وأنّ ابن ابنته أكسوم بن الصباح الحميري خرج حاجًّا، فلما انصرف من مكة نزل في كنيسة بنجران، فغدا عليها ناس من أهل مكة، فأخذوا ما فيها من الحلي، وأخذوا متاع أكسوم، فانصرف إلى جدّه مُغضبًا، فبعث رجلًا مِن أصحابه -يُقال له: شهر بن معقود- على عشرين ألفًا من خولان والأشعريين، فساروا حتى نزلوا بأرض خثعم، فتنحّتْ خثعم عن طريقهم، فلما دنا مِن الطائف خرج إليه ناس من بني خثعم، ونصر، وثقيف، فقالوا: ما حاجتك إلى طائفنا، وإنما هي قرية صغيرة؟! ولكنا ندلّك على بيت بمكة يُعبد، وحِرْز من لجأ إليه، مَن مَلكه تمّ له مُلك العرب، فعليك به، ودَعْنا منك. فأتاه، حتى إذا بلغ المُغَمِّس وجد إبلًا لعبد المُطَّلِب مائة ناقة مُقلّدة، فأنهبها بين أصحابه، فلما بلغ ذلك عبد المُطَّلِب جاءه، وكان جميلًا، وكان له صديق من أهل اليمن يقال له: ذو عمرو، فسأله أن يَرُدّ عليه إبله، فقال: إني لا أطيق ذلك، ولكن إن شئتَ أدخلتُك على الملِك. فقال عبد المُطَّلِب: فافعل. فأدخَله عليه، فقال له: إنّ لي إليك حاجة. قال: قضيتُ كلّ حاجة تطلبها. قال: أنا في بلد حرام، وفي سبيل بين أرض العرب وأرض العجم، وكانت مائة ناقة لي مُقلّدة ترعى بهذا الوادي بين مكة وتِهامة عليها نمير أهلها، ونخرج إلى تجارتنا، ونتحمل من عدوّنا، عدا عليها جيشُك فأخذوها، وليس مثلك يظلم مَن جاوره. فالتفتَ إلى ذي عمرو، ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى عجبًا، فقال: لو سألني كلّ شيء أُحرزه أعطيته إياه، أمّا إبلك فقد رددنا إليك ومثلها معها، فما يمنعك أن تكلّمني في بيتكم هذا وبلدكم هذ؟ فقال له عبد المُطَّلِب: أمّا بيتنا هذا وبلدنا هذا فإنّ لهما ربًّا، إن شاء أن يمنعهما منعهما، ولكني إنما أُكلّمك في مالي. فأمر عند ذلك بالرحيل، وقال: لتُهدمنّ الكعبة، ولتُنهبنّ مكة. فانصرف عبد المُطَّلِب وهو يقول: لا هُمّ إنّ المرء يمــ ـــنع رحْله فامنع حِلالك لا يغلبنّ صليبُهم ومِحالهم عدْوًا مِحالك فإذا فعلتَ فربما تحمِى فأمرٌ ما بدا لك فإذا فعلتَ فإنه أمر تُتمُ به فعالك وغدوا غدًا بجموعهم والفيل كي يَسبُوا عِيالك فإذا تركتَهم وكعــ ــــــبتنا فواحُزنًا هنالك فلما توجه شهرٌ وأصحابه بالفيل، وقد أجمعوا ما أجمعوا، طفق كلما وجّهوه أناخ وبَرك، فإذا صرفوه عنها مِن حيث أتى أسرع السير، فلم يزل كذلك حتى غشيهم الليل، وخرجتْ عليهم طيرٌ من البحر لها خراطيم كأنها البَلسُ١، شبيهة بالوطواط، حُمر وسود، فلما رأوها أشفقوا منها، وسُقط في أيديهم، فرمتْهم بحجارة مُدحرَجة كالبنادق، تقع على رأس الرجل فتخرج من جوفه، فلما أصبحوا مِن الغد أصبح عبد المُطَّلِب ومَن معه على جبالهم، فلم يروا أحدًا غشيهم، فبعث ابنه على فرس له سريع ينظر ما لقوا، فإذا هم مُشدَّخين جميعًا، فرجع يدفع فرسه كاشفًا عن فَخِذه، فلما رأى ذلك أبوه قال: إنّ ابني أفرس العرب، وما كشف عن فَخذه إلا بشيرًا أو نذيرًا. فلما دنا من ناديهم قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعًا، فخرج عبد المُطَّلِب وأصحابه، فأخذوا أموالهم، وقال عبد المُطَّلِب: أنت منعتَ الجيش والأفيالا وقد رَعوا بمكة الأجبالا وقد خشينا منهم القتالا وكل أمر منهم مِعضالا شكرًا وحمدًا لك ذا الجلالا فانصرف شهرٌ هاربًا وحده، فأول منزل نزله سقطتْ يده اليُمنى، ثم نزل منزلًا آخر فسقطتْ رجله اليُسرى، ثم نزل منزلًا آخر فسقطتْ يده اليُسرى، ثم نزل منزلًا آخر فسقطتْ رجله اليُمنى، فأتى منزله وقومه وهو جسد لا أعضاء له، فأخبرهم الخبر، ثم فاضتْ نفسُه وهم ينظرون٢٣
التخريج
  1. ١في النهاية (بلس): قال عباد بن موسى: أظنها الزرازير. والزرازير: من رتبة العصفوريات، وهو أكبر قليلًا من العصفور، وله منقار طويل. المعجم الوسيط (زرزر).
  2. ٢أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٨٦). وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
تعليقات المحققين
  1. ٣أفاد أثر عثمان بن المُغيرة أن أبْرَهَة لم يقدم من اليمن، وإنما أرسل شهر بن مقصود على الجيش، وقد ذكره ابن كثير (١٤/٤٦٢)، وانتقده مرجّحًا أنّ أبْرَهَة إنما قدم إلى مكة مستندًا إلى دلالة التاريخ، فقال: «وهذا السياق غريب جدًّا، وإن كان أبو نعيم قد قوّاه ورجّحه على غيره، والصحيح أنّ أبْرَهَة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دل على ذلك السياقات والأشعار. وهكذا روى ابن لهيعة، عن الأسود، عن عروة: أنّ أبْرَهَة بعث الأسود بن مقصود على كتيبة معهم الفيل، ولم يذكر قدوم أبْرَهَة نفسه، والصحيح قدومه، ولعل ابن مقصود كان على مقدمة الجيش».
٨
عن عطاء بن يسار، قال: حدّثني مَن كلّم قائد الفيل وسائسه قال لهما: أخبِراني خبر الفيل. قالا: أقبَلنا به وهو فيل الملِك النّجاشي الأكبر، لم يَسر به قطّ إلى جمْع إلا هزمهم، فلما دنونا من الحَرم جعلنا كلما نوجّهه إلى الحرم يربض، فتارة نضربه فينهبط، وتارة نضربه حتى نملّ ثم نتركه، فلما انتهى إلى المُغَمِّس ربض فلم يقم، فطلع العذاب. فقلنا: نجا غيركما؟ قالا: نعم، ليس كلّهم أصابه العذاب، وولّى أبْرَهَة ومَن تبعه يريد بلاده، كلما دخلوا أرضًا وقع منه عضو، حتى انتهى إلى بلاد خثعم وليس عليه غير رأسه فمات١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي نعيم.
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصِّفاح، فأتاهم عبد المُطَّلِب، فقال: إنّ هذا بيتٌ لم يُسلِّط اللهُ عليه أحدًا. قالوا: لا نرجع حتى نهدمه. وكانوا لا يُقدِّمون فيلهم إلا تأخّر، فدعا الله الطيرَ الأبابيل، فأعطاها حجارة سودًا عليها الطين، فلما حاذتْ بهم صفَّتْ عليهم، ثم رمتْهم فما بقي منهم أحد إلا أصابته الحكّة، وكانوا لا يحكّ إنسان منهم جلده إلا تساقط لحمه١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الدلائل ١‏/‏١٢٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبي نعيم في الدلائل.
١٠
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي ظَبْيان- قال: أقبل أصحابُ الفيل، حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المُطَّلِب، فقال لملِكهم: ما جاء بك إلينا؟ ألا بعثتَ فنأتيك بكلّ شيء أردتَ؟ فقال: أُخبِرتُ بهذا البيت الذي لا يدخله أحدٌ إلا أمِن، فجئتُ أُخِيفُ أهله. فقال: إنّا نأتيك بكلّ شيء تريد، فارجع. فأبى أن يرجع إلا أن يدخله، وانطلق يسير نحوه، وتخلَّف عبد المُطَّلِب، فقام على جبل، فقال: لا أشهد مَهْلِك هذا البيت وأهله، ثم قال: اللهم إنّ لكلّ إله حِلالًا فامنع حِلالك١ لا يغلبنّ محا لهم أبدًا محالك اللهم فإن فعلتَ فأمرٌ ما بدا لك فأقبلتْ مثل السحابة من نحو البحر، حتى أظلّتهم طيرًا أبابيل التي قال الله: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ﴾ فجعل الفيل يَعِجّ عجًّا٢، ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾٣
التخريج
  1. ١الحِلال -بالكسر-: القوم المقيمون المتجاورون، يريد: سكان الحرم. النهاية (حلل).
  2. ٢العجّ: الصياح ورفع الصوت. لسان العرب (عج).
  3. ٣أخرجه الحاكم ٢‏/‏٥٣٥، والبيهقي ١‏/‏١٢١-١٢٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وأبي نعيم.
١١
عن عبد الله بن عباس -من طريق السُّدِّيّ الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح- قال:إنّ فتًى مِن قريش خرج في أصحاب له مُتَوَجّهين نحو الحبشة، فنَزلوا بشاطئ، آواهم المقِيل إلى مُصلًّى كان للنصارى كان على شاطئ البحر، كانت تدعوه النصارى ماء سرجسان، فلما كان عند رحيلهم جمع الفتى القرشي وأصحابه حطبًا كان فضل مِن طعامهم، فألهب فيه النار، وارتحل هو وأصحابه، فأخذت النار في مُصلّى النصارى وأحرقته، فغضب النّجاشيُّ غضبًا شديدًا، فأتاه أبْرَهَة الصباحيّ، وأبو الأكسم الكنديّ، وحجر بن شرحبيل الكنديّ العدويّ، فقال: أيها الملك، ما يُغضبك مِن هذا؟ فلا يشقّ عليك، فنحن ضامنون لك بناء ماء سرجسان، وإحراق كعبة الله؛ فإنها حِرز قريش، فيكون ماء سرجسان، فنحن نسير بك إلى الكعبة، فنحرقها، ونخرِّبها مكان سرجسان التي أحرقها القرشي، ونضمن لك فتح مكة، فتختار أي نساء قريش شئتَ منها. فلم يزالوا به حتى استخفّوه، فأخرج جموعه وعديدًا من الناس، ثم سار إلى مكة، وسار معه المقلُوس في عصابة من اليمن فيهم حيٌّ من كنانة، حتى نزلوا بوادي المجاز -واد يقال له: وادي المجاز-، فنزل به١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى أبي نعيم في الدلائل.

تفسير

قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ الذي أرادوا، مِن خراب الكعبة، واستباحة أهلها، ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ يعني: خسار١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٨٥٣. وذكر آخره الثعلبي ١٠‏/‏٢٩٦ منسوبًا إلى مقاتل دون تعيينه.
التفسير بالمأثور لسورة الفيل كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٢ من سورة الفيل

٤ وقفات في هذه الآية

  • ألم يجعل كيدهم في تضليل) من نصر الله لعباده : أن يضيع ويضل مكر الماكرين ؛ فﻻ مقارنة بين المكائد والحقائق

    — عقيل الشمري

  • تطبيقات تدبرية سورة الفيل أية 2

    — عبدالحي يوسف

  • من عدل الله الخفي ان ما من كيد او أمر يدبره البعض في غير وجه حق إلا ويقلب علي عكس مقصودهم !

    — مها العنزي

  • برنامج إشراقات قرآنية سورة الفيل أية 2

    — عبدالعزيز السدحان

ترجمات معاني الآية ٢ من سورة الفيل

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(2) Did He not make their plan into misguidance?[1993]
[1993]- Causing them to perish.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال