اختُلِفَ في المعنيِّ بهذه الآية على قولين: الأول: أنها في الكفار. الثاني: أنها في أهل الرياء من أهل القبلة. ووجَّه ابنُ عطية (٤/٥٥٠) القول الأول بقوله: «فأمّا مَن ذهب إلى أنها في الكفرة فمعنى قوله: ﴿يريد﴾: يقصد ويعتمد، أي: هي وجهه ومقصده لا مقصد له غيرها. فالمعنى: مَن كان يريد بأعماله الدنيا فقط إذ لا يعتقد آخرةً فإن الله يجازيه على حسن أعماله في الدنيا بالنعم والحواس وغير ذلك، فمنهم مُضَيَّق عليه، ومنهم مُوَسَّع له، ثم حكم عليهم بأنهم لا يحصل لهم يوم القيامة إلا النار، ولا تكون لهم حال سواها». ووجَّه القول الثاني بقوله (٤/٥٥١): «وأما من ذهب إلى أنها في العصاة من المؤمنين فمعنى ﴿يريد﴾ عنده: يحب ويؤثر ويفضل ويقصد، وإن كان له مقصد آخر بإيمانه، فإن الله يجازيه على تلك الأعمال الحسان التي لم يعملها لله بالنعم في الدنيا ثم يأتي قوله: ﴿ليس لهم﴾ بمعنى: ليس يجب لهم أو يحق لهم إلا النار، وجائز أن يتغمدهم الله برحمته، وهذا هو ظاهر ألفاظ ابن عباس، وسعيد بن جبير». ورجَّح ابنُ عطية (٤/٥٥١) القول الأول مستندًا إلى السياق، فقال بعد توجيهه له: «فاستقام هذا المعنى على لفظ الآية، وهو عندي أرجح التأويلات بحسب تقدم ذكر الكفار والمنافقين في القرآن فإنما قصد بهذه الآية أولئك». ورجَّح ابنُ القيم القول الثاني، وذكر أنّه يدل على صحة هذا القول في الآية قوله تعالى: ﴿نوف اليهم أعمالهم فيها﴾، ثم أورد إشكالًا على هذا القول مفاده: أنّ الآية التالية لهذه الآية -وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾- تُوجِب على هذا القول تخليد المؤمن المريد بعمله الدنيا في النار، وذكر بعض أجوبة أهل العلم عن هذا الإشكال، ثم قال: «والآية -بحمد الله- لا إشكال فيها، والله سبحانه ذَكَر جزاء مَن يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها وهو النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فاذا أحبط ما ينجو به وبطل لم يبق معه ما ينجيه، فإن كان معه إيمان لم يُرد به الدنيا وزينتها، بل أراد الله به والدار الآخرة لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذى حبط وبطل وأنجاه إيمانه من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط عمله الذى به النجاة المطلقة، والإيمان إيمانان: إيمان يمنع من دخول النار، وهو الإيمان الباعث على أن تكون الأعمال لله يبتغى بها وجهه وثوابه، وإيمان يمنع الخلود في النار، وإن كان مع المرائي شيء منه وإلا كان من أهل الخلود، فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد والله الموفق، وذلك قوله: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠]، ومنه قوله: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٨-١٩]، فهذه ثلاث مواضع من القرآن يشبه بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، وتجتمع على معنى واحد، وهو أنّ مَن كانت الدنيا مراده ولها يعمل في غاية سعيه لم يكن له في الاخرة نصيب، ومن كانت الآخرة مراده ولها عمِلَ وهي غاية سعيه فهي له»
عن أم هانئ -من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن أبي صالح- قالت: دخل عَلَيَّ النَّبي ﷺ بغَلَسِ وأنا على فراشي، فقال: «شعرتِ أنِّي نمت الليلة في المسجد الحرام، فأتاني جبريل، فذهب بي إلى باب المسجد، فإذا دابَّةٌ أبيض فوق الحمار ودون البغل، مُضطَرِبُ الأُذُنَين، فركِبْته، فكان يضع حافره في مَدِّ بصره، إذا أخذ بي في هُبُوطٍ طالَت يَداه وقصُرَت رجلاه، وإذا أخذ بي في صُعُود طالت رجلاه وقصُرت يَداه، وجبريل لا يفوتُني، حتى انتهينا إلى بيت المقدس، فأوثقتُه بالحلقة التي كانت الأنبياء تُوثِقُ بها، فنُشِر لي رَهطٌ من الأنبياء؛ منهم إبراهيم وموسى وعيسى، فصَلَّيت بهم، وكلَّمتهم، وأُتِيتُ بإناءين أحمر وأبيض، فشربت الأبيض، فقال لي جبريل: شرِبتَ اللبن، وتركت الخمر، لو شربت الخمر لارتَدَّت أُمَّتُك، ثم ركبتُه، فأتيت المسجد الحرام، فصليت به الغداة؟» فتعلَّقت برِدائِه، وقلت: أُنشِدُك اللهَ، يا ابن عمِّ، أن تحدِّثَ بهذا قريشًا، فيُكَذِّبَك مَن صَدَّقك، فصَرب بيده على ردائه، فانتزعه مِن يدي، فارتفع عن بطنه، فنظرت إلى عُكَنِه فوق إزاره كأنها طَيُّ القراطيس، وإذا نور ساطع عند فؤاده كاد أن يَختَطِفَ بصري، فخررتُ ساجدةً، فلما رفعت رأسي إذا هو قد خرج، فقلت لجاريتي: ويحكِ، اتبَعِيه، وانظري ماذا يقول، وماذا يُقال له. فلما رجعتْ أخبرتني أنه انتهى إلى نفر من قريش، فيهم المُطعِمُ بن عَدِيٍّ، وعمرو بن هشام، والوليد بن المغيرة، فقال: «إني صَلَّيتُ الليلة العشاء في هذا المسجد، وصلَّيت به الغداة، وأتيت فيما بين ذلك ببيت المقدس، فنُشِر لي رهطٌ من الأنبياء، فيهم إبراهيم وموسى وعيسى، فصَلَّيتُ بهم، وكلَّمتُهم». فقال عمرو بن هشام كالمستهزئ: صِفهم لي. فقال: «أما عيسى ففوق الرَّبعَةِ ودون الطويل، عريض الصدر، ظاهر الدم، جَعدُ الشَّعر، تَعلُوه صُهبَةٌ، كأنّه عروة بن مسعود الثقفي، وأمّا موسى فضخم آدَمُ طُوالٌ كأنّه مِن رجال شنوءة، كثير الشعر، غائر العينين، مُتَراكِبَ الأسنان، مُقَلَّصُ الشَّفَةِ، خارج اللثة، عابس، وأما إبراهيم -فواللهِ- لأشبهُ الناس به خَلقًا وخُلُقًا». فضَجُّوا، وأعظَموا ذلك، فقال المُطعِم: كلُّ أمِرك قبل اليوم كان أمَمًا غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كذاب؛ نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعدًا شهرًا ومنحدرًا شهرًا، تزعُمُ أنك أتيته في ليلة! واللاتِ والعُزّى، لا أُصَدِّقُك. فقال أبو بكر: يا مُطعِمُ، لَبِئْسَ ما قلت لابن أخيك، جَبَهْتَه وكذَّبتَه، أنا أشهد أنه صادق. فقالوا: يا محمد، صِف لنا بيت المقدس. قال: «دخلته ليلًا، وخرجت منه ليلًا». فأتاه جبريل، فصَوَّره في جناحه، فجعل يقول: «باب منه كذا في موضع كذا، وباب منه كذا في موضع كذا». وأبو بكر يقول: صَدَقتَ، صَدَقتَ. فقال رسول الله ﷺ يومئذ: «يا أبا بكر، إنّ الله قد سَمّاك: الصِّدِّيق». قالوا: يا محمد، أخبرنا عن عِيرنا. فقال: «أتيت على عير بني فلان بالرَّوحاءِ قد أضَلُّوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رِحالِهم ليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء فشربتُ منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان، فنَفَرَتْ منِّي الإبلُ، وبَرَك منها جمل أحمر عليه جَوالِقُ مخططة ببياض، لا أدري أكُسِر البعير أم لا، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التَّنعيم يقدُمُها جملٌ أورَقُ، وها هي ذه تطلُعُ عليكم من الثَّنيَّة». فقال الوليد بن المغيرة: ساحر. فانطلقوا، فنظروا، فوجدوا كما قال، فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد. فأنزل الله: ﴿وما جعلنا الرُّءيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء:٦٠]
اختُلِف في نزول قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ على أقوال: الأول: أنّ هذه الآية أنزلت على رسول الله ﷺ بسبب مسائل كان يسألها إيّاه أقوامٌ امتحانًا له أحيانًا، واستهزاءً أحيانًا. الثاني: نزلت على رسول الله ﷺ من أجل مسألةِ سائلٍ سأله عن شيء في أمر الحج. الثالث: نزلت من أجل أنهم سألوا رسول الله عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. ورجَّح ابنُ جرير (٩/٢٣) مستندًا إلى أقوال السلف أنَّه «نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله ﷺ المسائل، كمسألة ابن حذافة إياه: مَن أبوه؟ ومسألة سائله -إذ قال: «إن الله فرض عليكم الحج»-: أفي كل عام؟ وما أشبه ذلك من المسائل». وهو قول أبي هريرة، وأنس وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة، والتابعين، وعامة أهل التأويل». وبيَّن ابنُ جرير بأن القول الذي رواه ابن عباس من طريق خصيف عن مجاهد -وهو القول الثالث- غير بعيد من الصواب، إلا أنه كره القول به لخلافه أقوال السلف، بقوله: «ولكن الأخبار المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القول به من أجل ذلك». ثم ذكر له توجيهًا، فقال: «على أنه غير مُسْتَنْكَرٍ أن تكون المسألة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، كانت فيما سألوا النبي ﷺ عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره لهم المسألة عن الحج؛ أكُلَّ عامٍ هو؟ أم عامًا واحدًا؟ وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه، فنزلت الآية بالنهي عن المسائل كلها، فأخبر كلُّ مُخبِرٍ منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله وأجْل غيره». وعلَّق ابنُ عطية (٣/٢٧١) على القول الثاني بقوله: «ويقوي هذا حديثُ سعد بن أبي وقاص أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنّ أعظم المسلمين على المسلمين جرمًا مَن سأل عن شيءٍ لم يُحَرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته»». وعلَّق ابنُ كثير (٥/٣٨٧) على قول عكرمة -وهو من أصحاب القول الأول-، فقال: «يعني عكرمة: أنّ المراد بهذا النهي عن سؤال وقوع الآيات، كما سألت قريش أن يجري لهم أنهارًا، وأن يجعل لهم الصفا ذهبًا وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، وقد قال الله تعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩]. وقال تعالى: ﴿وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكُمْ أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ * ولَوْ أنَّنا نزلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩-١١١]». وزاد ابنُ عطية (٣/٢٧٢) قولًا، فقال: «وروي أنّه لَمّا بيَّن الله تعالى في هذه الآيات أمر الكعبة والهدي والقلائد، وأعلم أن حرمتها هو الذي جعلها، إذ هي أمور نافعة قديمة من لدن عهد إبراهيم عليه السلام؛ ذهب ناس من العرب إلى السؤال عن سائر أحكام الجاهلية؛ ليروا هل تلحق بتلك أم لا، إذ كانوا قد اعتقدوا الجميع سنة لا يفرقون بين ما هو من عند الله وما هو من تلقاء الشيطان والمغيرين لدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، كعمرو بن لحي وغيره»
اختُلف في معنى: «الغاسق إذا وقب» على أقوال: الأول: الليل إذا أظلم. الثاني: النهار إذا دخل في الليل. الثالث: الكوكب، وهو الثُّريّا إذا سقطتْ، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عن طلوعها. الرابع: هو القمر. وعلَّق ابنُ تيمية (٧/٣٩١) على القول الثالث بقوله: «ويشبه -والله أعلم- أن يكون من الحكمة في ذلك: أنّ النور هو جنس الخير، والظُّلمة جنس الشّرّ، وفي الليل يقع من الشرور النفسانية ما لا يقع في النهار، والقمر له تأثير في الأرض لا سيما حال كسوفه؛ فإنّ النبي قال: «إنهما آيتان يخوّف الله بهما عباده». والتخويف إنما يكون بانعقاد سبب الخوف، ولا يكون ذلك إلا عند سبب العذاب أو مظنّته، فعُلم أنّ الكسوف مظنّة حدوث عذاب بأهل الأرض، ولهذا شُرع عند الكسوف الصلاة الطويلة والصدقة والعتاقة والدعاء لدفْع العذاب، وكذلك عند سائر الآيات التي هي إنشاء العذاب كالزلزلة، وظهور الكواكب وغير ذلك، وهو أقرب الكواكب التي لها تأثير في الأرض بالترطيب واليبس وغير ذلك». ووجَّهه ابنُ القيم (٣/٤٠٨) بقوله: «إنْ أراد صاحب هذا القول اختصاص الغاسق بالنجم إذا غرب فباطل، وإنْ أراد: أنّ اسم الغاسق يتناول ذلك بوجه ما؛ فهذا يحتمل أن يدل اللفظ عليه بفحواه ومقصوده وتنبيهه، وأمّا أن يختص اللفظ به فباطل». وعلَّق ابنُ كثير (١٤/٥٢٤) على القول الرابع بقوله: «وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد...». ثم ذكر حديث عائشة الوارد في أول تفسير الآية. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٧٤٩) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يُقال: إنّ الله أمر نبيَّه أن يستعيذ من شرِّ ﴿غاسِقٍ﴾ وهو الذي يُظْلِم، يقال: قد غَسَقَ الليل يَغْسِق غُسوقًا: إذا أظلم، ﴿إذا وقَبَ﴾ يعني: إذا دخل في ظلامه؛ والليل إذا دَخَل في ظلامه غاسق، والنجم إذا أفَل غاسق، والقمر غاسقٌ إذا وقب، ولم يَخْصُص بعض ذلك بل عمَّ الأمر بذلك، فكلُّ غاسق فإنه كان يُؤْمَرُ بالاستعاذة من شرِّه إذا وقب». ونقل ابنُ عطية (٨/٧١٥) عن القتبي وغيره أنّ «الغاسق إذا وقب»: «هو البدر إذا دخل في ساهوره فخسف». واستدل أصحاب القول الثالث بحديث أبي هريرة الوارد في تفسير الآية وفيه: «النجم: الغاسق». واستدل أصحاب القول الرابع بحديث عائشة الوارد في أول تفسير الآية. وعلَّق عليهما ابنُ تيمية (٧/٣٨٨) بقوله: «وهذا المرفوع قد ظنّ بعض الناس منافاته لمن فسّره بالليل؛ فجعلوه قولًا آخر، ثم فسّروا وقوبه بسكونه. قال ابن قتيبة: ويقال الغاسق: القمر إذا كسف واسوَدّ. ومعنى وقب: دخل في الكسوف، وهذا ضعيف، فإنّ ما قال رسول الله لا يُعارض بقول غيره، وهو لا يقول إلا الحقّ، وهو لم يأمر عائشة بالاستعاذة منه عند كسوفه، بل مع ظهوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]. فالقمر آية الليل، وكذلك النجوم إنما تطلع فتُرى بالليل، فأمره بالاستعاذة من ذلك أمر بالاستعاذة من آية الليل ودليله وعلامته، والدليل مستلزم للمدلول، فإذا كان شرّ القمر موجودًا فشَرّ الليل موجود، وللقمر من التأثير ما ليس لغيره، فتكون الاستعاذة من الشّرّ الحاصل عنه أقوى، ويكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على التقوى: «هو مسجدي هذا». مع أنّ الآية تتناول مسجد قباء قطعًا. وكذلك قوله عن أهل الكساء: «هؤلاء أهل بيتي». مع أنّ القرآن يتناول نساءه، فالتخصيص لكون المخصوص أولى بالوصف، فالقمر أحقّ ما يكون بالليل بالاستعاذة». ووافقه ابنُ القيم (٣/٤٠٦، ٤٠٧). وذكر ابنُ كثير (١٤/٥٢٥) نحو هذا مختصرًا
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: كان إبليس مِن حَيٍّ من أحياء الملائكة، يقال لهم: الجن، خُلِقوا من نار السَّمُوم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه: الحارث. قال: وكان خازِنًا من خُزّان الجنة. قال: وخُلِقَت الملائكة كلهم من نورٍ غير هذا الحي. قال: وخُلِقَت الجِنُّ الذين ذُكِروا في القرآن من مارج من نار -وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا أُلهِبَت-. قال: وخُلِق الإنسان من طين، فأول من سكن الأرضَ الجنُّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليسَ في جُندٍ من الملائكة -وهم هذا الحي الذين يقال لهم: الجن-، فقتلهم إبليسُ ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلمّا فعل إبليس ذلك اغْتَرَّ في نفسه، وقال: قد صنعتُ شيئًا لم يصنعه أحد. قال: فاطَّلع اللهُ على ذلك مِن قلبه، ولم تَطَّلِع عليه الملائكةُ الذين كانوا معه؛ فقال الله للملائكة الذين معه: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾، كما أفسدت الجنُّ، وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك. فقال: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾. يقول: إني قد اطَّلَعْتُ مِن قَلْب إبليس على ما لم تَطَّلِعوا عليه من كِبْره واغْتِراره. قال: ثم أمر بتربة آدم فرُفِعَت، فخلق الله آدم من طين لازِب -واللازب: اللَّزِج الطيِّب- من حَمَأٍ مَسْنُون مُنتِن. قال: وإنما كان حَمَأً مسنونًا بعد التراب. قال: فخلق منه آدم عليه السلام بيده. قال: فمكث أربعين ليلة جسدًا مُلْقًى، فكان إبليس يأتيه، فيضربه برجله، فيُصَلْصِل -أي: فيُصَوِّت-. قال: فهو قول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿من صلصال كالفخار﴾ [الرحمن:١٤]. يقول: كالشيء المنفوخ الذي ليس بمُصْمَت. قال: ثم يدخل في فِيه، ويَخْرُج من دُبُرِه، ويدخل من دُبُره، ويَخْرُج مِن فيه. ثم يقول: لَسْتَ شيئًا للصَّلْصَلَة، ولشيء ما خُلِقت! لَئِن سُلِّطتُّ عليك لأُهْلِكَنَّك، ولئن سُلِّطتَّ عَليَّ لأَعْصِيَنَّك. قال: فلمّا نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قِبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودَمًا، فلما انتهت النفخة إلى سُرَّتِه نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من حُسْنه، فذهب لينهض فلم يَقْدِر، فهو قول الله: ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء:١١]. قال: ضَجِرًا، لا صبر له على سراء ولا ضراء. قال: فلمّا تَمَّت النفخة في جسده عَطَس، فقال: الحمد لله رب العالمين. بإلهام الله له. فقال الله له: يرحمك الله، يا آدم. قال: ثم قال الله للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم. فسجدوا كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى واستكبر، لِما كان حدَّث به نفسَه من كِبْرِه واغْتِراره، فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سِنًّا، وأقوى خَلْقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين. يقول: إنّ النار أقوى من الطين. قال: فلَمّا أبى إبليسُ أن يسجد أبْلَسَه الله، أي: آيَسَه من الخيرِ كُلِّه، وجعله شيطانًا رجيمًا؛ عقوبة لمعصيته. ثُمَّ عَلَّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة -يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خُلِقوا من نار السَّموم-، وقال لهم: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء﴾ يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء، ﴿إن كنتم صادقين﴾: إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة. قال: فلَمّا علمت الملائكةُ مؤاخذة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم، قالوا: ﴿سبحانك﴾ تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، تُبْنا إليك، ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ تَبَرِّيًا منهم من علم الغيب ﴿إلا ما علمتنا﴾ كما علمتَ آدم. فقال: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾ يقول: أخْبِرْهم بأسمائهم، ﴿فلما أنبأهم بأسمائهم﴾ يقول: أخبرهم بأسمائهم، ﴿قال ألم أقل لكم﴾ أيها الملائكة خاصة: ﴿إني أعلم غيب السموات والأرض﴾، ولا يعلمه غيري، ﴿وأعلم ما تبدون﴾ يقول: ما تظهرون، ﴿وما كنتم تكتمون﴾ يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني: ما كَتَم إبليسُ في نفسه من الكِبْر والاغْتِرار
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الزّعراء- أنه ذُكر عنده الدَّجّال، فقال: يفترق الناس ثلاث فِرق؛ فرقة تَتْبعه، وفرقة تَلحق بأرض آبائها؛ مَنابتَ الشّيح، وفرقة تأخذ شَطّ الفُرات، فيُقاتلهم ويقاتلونه، حتى يجتمع المؤمنون بقُرى الشام، فيَبعثون إليه طليعة فيهم فارس على فَرسٍ أشقر أو أبْلق، فيُقتلون لا يرجع إليهم شيء، ثم إنّ المسيح ينزل فيَقتله، ثم يَخرج يأجوج ومأجوج، فيمُوجون في الأرض، فيُفسدون فيها. ثم قرأ عبد الله: ﴿وهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]. ثم يَبعث الله عليهم دابة مثل هذه النَّغَفَة، فتَدخل في أسماعهم ومناخرهم، فيَموتون منها، فتُنتِن الأرض منهم، فيَجْأر أهلُ الأرض إلى الله، فيُرسل الله ماءً، فيُطهّر الأرض منهم، ثم يَبعث ريحًا فيها زمهرير باردة، فلا تَدعُ على وجه الأرض مؤمنًا إلا كُفِئتْ بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على شرار الناس، ثم يقوم مَلك الصور بين السماء والأرض فيَنفخ فيه، فلا يَبقى خَلْقٌ لله في السماوات والأرض إلا مات إلا مَن شاء ربّك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من ابن آدم خَلْقٌ إلا وفي الأرض منه شيء، ثم يُرسل الله ماءً مِن تحت العرش، مَنيًّا كمنيّ الرجال، فتَنبُتُ جسمانهم ولحمانهم مِن ذلك الماء كما تَنبُتُ الأرض من الثَّرى. ثم قرأ عبد الله: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩]. ثم يقوم مَلَك بالصور بين السماء والأرض، فيَنفخ فيه، فتَنطلِق كلُّ نفسٍ إلى جسدها حتى تَدخل فيه، فيَقومون، فيَجيئون مجيئة رجل واحد قيامًا لربّ العالمين، ثم يَتمَثَّل اللهُ للخَلْق، فيَلقاهم، فليس أحدٌ مِن الخَلْق يعبد من دون الله شيئًا إلا هو مُرتفع له يَتَّبعه، فيَلقى اليهود، فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عُزَيْرًا. فيقول: هل يَسُرّكم الماء؟ قالوا: نعم، فيُريهم جهنم كهيئة السّراب. ثم قرأ عبد الله: ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:١٠٠]. ثم يَلقى النصارى، فيقول: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: المسيح. فيقول: هل يَسُرُّكم الماء؟ قالوا: نعم. فيُريهم جهنم كهيئة السّراب، وكذلك لِمَن كان يعبد من دون الله شيئًا. ثم قرأ عبد الله: ﴿وقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]. حتى يَمُرّ المسلمون، فيَلقاهم، فيقول: مَن تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ولا نُشرك به شيئًا. فيَنتهِرهم مرة أو مرتين: مَن تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ولا نُشرك به شيئًا. فيقول: هل تَعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحان الله، إذا اعترف لنا عَرفناه. فعند ذلك ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، فلا يَبقى مؤمن إلا خَرّ لله ساجدًا، ويَبقى المنافقون ظهورهم طَبقٌ واحد كأنما فيها السَّفافِيدُ، فيقولون: ربّنا. فيقول: قد كنتم تُدعَون إلى السجود وأنتم سالمون. ثم يُؤمر بالصراط، فيُضرب على جهنم، فتَمُرّ الناس بأعمالهم زُمَرًا؛ أوائلهم كلمْح البصر، أو كلمْح البَرْق، ثم كمَرّ الريح، ثم كمَرّ الطير، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك، حتى يجيء الرجل سَعيًا، حتى يجيء الرجل مشيًا، حتى يجيء آخرهم رجل يَتكفّأ على بطنه، فيقول: يا ربّ، أبطأتَ بي. فيقول: إنما أبطأ بك عملُك. ثم يأذن الله في الشفاعة، فيكون أول شافع جبريل، ثم إبراهيم خليل الله، ثم موسى -أو قال: عيسى- ثم يقوم نبيّكم ﷺ رابعًا لا يَشفع أحد بعده فيما يَشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي وعده الله: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]. فليس من نفسٍ إلا تَنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسْرة، فيَرى أهلُ النار البيت الذي في الجنة، فيقال: لو عَمِلتم. ويَرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن منّ الله عليكم. ثم يَشفع الملائكة والنّبيّون والشهداء والصالحون والمؤمنون، فيُشَفّعهم الله، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين. فيُخرج من النار أكثر مما أخرَج من جميع الخَلْق برحمته، حتى ما يَترك فيها أحدًا فيه خير. ثم قرأ عبد الله: قل يا أيها الكفار: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٢-٤٦]. قال: تَرون في هؤلاء أحدًا فيه خير؟ لا، وما يَترك فيها أحدًا فيه خير، فإذا أراد الله أن لا يُخرج منها أحدًا غَيّر وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل مِن المؤمنين، فيَشفع، فيقال له: مَن عرف أحدًا فليُخرجه. فيجيء الرجل، فينظر، فلا يَعرف أحدًا، فيقول الرجل للرجل: يا فلان، أنا فلان. فيقول: ما أعرفك. فيقولون: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾. فيقول: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٧، ١٠٨]. فإذا قال ذلك أُطبقتْ عليهم، فلم يَخرج منهم بشر
عن أنس -من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر- قال: ليلة أُسري برسول الله ﷺ مِن مسجد الكعبة جاءه ثلاثةُ نفرٍ قبل أن يُوحى إليه[[c=٣٧٨٦]] وهو نائمٌ في المسجد الحرام، فقال أوَّلُهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسطُهم: هو خيرُهم. فقال أحدُهم: خُذوا خيرَهم. فكانت تلك الليلة[[قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/٤٨٠: التقدير: فكانت القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا.]]، فلم يَرَهم حتى أتَوه ليلةً أخرى، فيما يَرى قلبُه، وتنام عيناه ولا ينامُ قلبُه، وكذلك الأنبياء تنامُ أعينُهم ولا تنامُ قلوبُهم، فلم يكلِّمُوه حتى احتمَلوه، فوضَعوه عند بئر زمزم، فتولّاه منهم جبريل، فشقَّ جبريل ما بين نحرِه إلى لَبَّتِه[[اللبة: هي موضع القلادة من الصدر. المصدر السابق.]]. حتى فرَغ مِن صدرِه وجوفِه، فغسَله مِن ماءِ زمزمَ بيده حتى أنقى جوفَه، ثم أتى بطَستٍ مِن ذهب تَورٌ[[التور: إناء يُشرب فيه. لسان العرب (تور).]] مِن ذهب مَحْشُوًّا[[قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/٤٨١: كذا وقع بالنصب، وأعرب بأنه حال من الضمير الجار والمجرور، والتقدير: كائن من ذهب. فنقل الضمير من اسم الفاعل إلى الجار والمجرور.]] إيمانًا وحكمة، فحشا به صدرَه ولغاديدَه -يعني: عروقَ حلقِه-، ثم أطبَقه، ثم عرَج به إلى السماء الدنيا، فضرَب بابًا من أبوابها، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا. ووجَد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدمُ، فسلِّم عليه. فسلَّم عليه، وردَّ عليه آدم، وقال: مرحبًا وأهلًا بابني، نِعمَ الابن أنت. فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطَّرِدان، فقال: «ما هذان النهران، يا جبريل؟». قال: هذا النيل والفرات عُنصَرُهما[[العنصر -بضم العين وفتح الصاد، وقد تضم-: الأصل. النهاية (عنصر).]]. ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر مِن لؤلؤ وزَبَرجَدٍ، فضرَب بيدِه فإذا هو مِسْكٌ أذفَرُ[[مسك أذفر: طيب الرائحة. النهاية ٢/١٦١.]]، قال: «ما هذا، يا جبريل؟». قال: هذا الكوثر الذي خَبَأ لك ربُّك. ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثلَ ما قالت له الأولى: مَن هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بُعِث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلًا. ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كلُّ سماء فيها أنبياء قد سمّاهم؛ منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة ولم أحفظِ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله، فقال موسى: ربِّ، لم أظنَّ أن ترفع عَلَيَّ أحدًا. ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمُه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار ربُّ العزَّةِ فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى[[c=٣٧٨٧]]، فأوحى الله فيما يُوحِي إليه خمسين صلاة على أمتِك كلَّ يومٍ وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال: يا محمد، ماذا عَهِد إليك ربُّك؟ قال: «عهِد إليَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة». قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، ارجع فليخفف عنك ربُّك وعنهم. فالتفت النَّبي ﷺ إلى جبريل كأنه يستشيره، فأشار إليه جبريل أن نعم إن شِئت. فعلا به إلى الجبار -تبارك وتعالى-، فقال وهو مكانه: «يا ربِّ، خفِّف عنا، فإنّ أُمَّتي لا تستطيع هذا». فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجَع إلى موسى، فاحتبَسه، فلم يَزَل يُرَدِّدُه موسى إلى ربِّه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، واللهِ، لقد راودتُ بني إسرائيل على أدنى من هذا فضَعُفُوا وتركَوه، فأمتُك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجِع فليخفِّف عنك ربُّك. كلَّ ذلك يلتفت النَّبي ﷺ إلى جبريل ليُشير عليه ولا يَكرَهُ ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: «يا رب، إن أمتي ضعفاء أجسادُهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم؛ فخفِّف عنا». فقال الجبار: يا محمد. قال: «لبيك وسعديك». قال: إنه لا يُبدَّلُ القول لديَّ؛ كما فرَضت عليك في أمِّ الكتاب، وكلُّ حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أمِّ الكتاب، وهي خمسٌ عليك. فرجَع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: «خفَّف عنا؛ أعطانا بكلِّ حسنة عشر أمثالها». فقال موسى: قد -واللهِ- راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفِّف عنك. فقال رسول الله ﷺ: «يا موسى، قد -واللهِ- استحييت من ربي مما اختلفت إليه». قال: فاهبط بسم الله. واستيقظ وهو في المسجد الحرام[[أخرجه البخاري ٤/١٩١ (٣٥٧٠) مختصرًا، ٩/١٤٩-١٥١ (٧٥١٧)، ومسلم ١/١٤٨ (١٦٢)، وابن جرير ١٤/٤١٦-٤٢٠. قال مسلم: «قدم فيه شيئًا وأخر، وزاد ونقص». وقال النووي في شرح مسلم ٢/٢٠٩: «وقد جاء في رواية شريك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء، وقد نبه مسلم على ذلك بقوله: فقدم وأخر وزاد ونقص منها... قال الحافظ عبد الحق رحمه الله في كتابه الجمع بين الصحيحين بعد ذكر هذه الرواية هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس: وقد زاد فيه زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقنين والأئمة المشهورين، كابن شهاب، وثابت البناني، وقتادة -يعني: عن أنس-، فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث. قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا هي المُعَوَّل عليها». وقال ابن كثير في تفسيره ٥/٧: «وهو كما قاله مسلم رحمه الله، فإنّ شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه». وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/٢٧٠: «هذا من غرائب الصحيح». وقال ابن حجر في الفتح ١٣/٤٨٤-٤٨٥: «قال -ابن حزم- لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحتمل مخرجًا إلا حديثين، ثم غلبه في تخريجه الوهم مع إتقانهما وصحة معرفتهما. فذكر هذا الحديث، وقال: فيه ألفاظ معجمة، والآفة من شريك». وقال ابن رجب في فتح الباري ٢/٣٢٠: «وهذه اللفظة مما تفرَّد بها شريك».]]