اختلف السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿نافلة﴾؛ فقيل: هو يعقوب خاصة. وقيل: هو إسحاق ويعقوب معًا. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦/٣١٧ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر الآية أنّ كلا القولين جائز، فقال: «والنافلة هي الفضل من الشيء يصير إلى الرجل مِن أيِّ شيء كان ذلك، وكلا ولديه إسحاق ويعقوب كان فضلًا مِن الله، تَفَضَّل به على إبراهيم، وهِبَةً منه له. وجائز أن يكون عنى به أنّه آتاهما إياه جميعًا نافلة منه له، وأن يكون عنى أنه آتاه نافلة يعقوب، ولا برهان يدلُّ على أيِّ ذلك المراد مِن الكلام، فلا شيء أولى أن يُقال في ذلك مِمّا قال الله، ووهب الله لإبراهيم إسحاق ويعقوب نافلة». ورجّح ابنُ عطية (٦/١٨٢) القول الثاني، فقال: «والنافلة: العطية، كما تقول: نفَّلني الإمام كذا، ونافلة الطاعة كأنها عطية من الله تعالى لعباده يثيبهم عليها. وقالت فرقة: الموهوب إسْحاق، والنافلة يَعْقُوب. والأول أبين». ولم يذكر مستندًا
ذكر ابنُ عطية (٦/٤١٢) قولًا عن بعض الناس: بأنّ هذه الآية منسوخة بآية الاستئذان الذي أُمِر به الناس، وهي قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور:٢٧]، فقالوا: إذا كان الإذن محجورًا فالطعام أحرى. وذكر أيضًا عن فرقة نسخًا بيْن هذه الآية وبيْن قوله تعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨]. ثم انتقد (٦/٤١٣) كلا القولين بأن «النسخ لا يتصور في شيءٍ من هذه الآيات، بل هي كلها محكمة». وبيَّن ذلك بقوله: «أما قوله تعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ﴾ ففي التعدِّي والخدع والغرر واللهو والقمار ونحوه، وأما هذه الآية ففي إباحة طعام هذه الأصناف التي يَسُرُّها استباحة طعامها على هذه الصفة، وأما آية الإذن فعِلَّة إيجاب الاستئذان خوف الكشف، فإذا استأذن الرجل خوف الكشفة، ودخل المنزل بالوجْه المباح صحَّ له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة، وليس يكون في الآيات نسخٌ، فتأمله»
اختُلِف في سبب تفقد سليمان للهدهد وسؤاله عنه؛ فقال قوم: تفقده ليستخبره عن بُعد الماء في الوادي الذي نزل به في مسيره. وقال آخرون: لإخلاله بالنوبة التي كان ينوبها. وقال غيرهم: إنما طلبه لأن الطَّير كانت تُظِلُّهم من الشمس، فأخلَّ الهدهد بمكانه، فطلعت الشمس عليهم من الخلل. وذكر ابنُ جرير (١٨/٣٢) القولين الأولين، ورجح اندراجهما في العموم دون القطع بأحدهما؛ لعدم وجود الدليل القاطع، فقال: «والله أعلم بأي ذلك كان؛ إذ لم يأتنا بأي ذلك كان تنزيل، ولا خبر عن رسول الله ﷺ؛ فالصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنّ الله أخبر عن سليمان أنه تفقد الطير؛ إمّا للنوبة التي كانت عليها وأخلت بها، وإما لحاجة كانت إليها عن بعد الماء». وذكر ابنُ عطية (٦/٥٢٨) في الآية أقوالًا أخرى، منها قوله: «قالت فرقة: ذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك والتهمم بكل جزء منها». ثم علَّق بقوله: «وظاهر الآية أنه تفقد جميع الطير»
قال ابنُ عطية (٧/٣٠٤ بتصرف): «قوله تعالى: ﴿إن هذا﴾ يحتمل أن يشير إلى ما في القصة مِن امتحان واختبار بالشدة، ويحتمل أن يشير إلى ما في القصة من سرور بالفدية، وإنقاذ من تلك الشدة في إنفاذ الذبح، فيكون البلاء بمعنى: النعمة... وإلى كل احتمال قد أشارت فرقةٌ من المفسرين». وقال ابنُ كثير (١٢/٤٣): «استدل بهذه الآية والقصة جماعةٌ مِن علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن مِن الفعل، خلافًا لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة؛ لأن الله تعالى شرع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده، ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنما كان المقصود من شرعه أولًا إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾ أي: الاختبار الواضح الجلي؛ حيث أمر بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله تعالى منقادًا لطاعته، ولهذا قال تعالى: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم:٣٧]». وبنحوه ابنُ عطية (٧/٣٠٥)
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾، قال: نزلت في رجل من الأنصار يُقال له: أبو الحُصين. كان له ابنان، فقَدِم تُجّارٌ من الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلمّا باعوا وأرادوا أن يرجعوا أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتَنَصَّرا، فرجعا إلى الشام معهم، فأتى أبوهما رسول الله ﷺ، فقال: إنّ ابنيَّ تنصَّرا وخرجا، فأطْلُبُهما؟ فقال: ﴿لا إكراه في الدين﴾. ولم يؤمَرْ يومئذ بقتال أهل الكتاب. وقال: «أبْعَدَهما اللهُ، هُما أوَّلُ مَن كفر». فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي ﷺ حين لم يبعث في طلبهما؛ فنزلت: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء:٦٥] الآية. ثم نُسِخَ بعد ذلك: ﴿لا إكراه في الدين﴾، وأُمِرَ بقتال أهل الكتاب في سورة براءة
عن أبي بن كعب -من طريق أبى العالية-: أنّهم جمعوا القرآنَ في مصحفٍ في خلافة أبي بكر، فكان رجالٌ يكتبون، ويُمِلُّ عليهم أبيُّ بن كعب، حتى انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾. فظنُّوا أنّ هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال أبيُّ بن كعب: إنّ النبيَّ ﷺ قد أقرأنى بعدَ هذا آيتين: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبى الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾. فهذا آخر ما نزل من القرآن. قال: فختم الأمر بما فتح به؛ بـ: لا إله إلا الله. يقول الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء:٢٥]
عن أُبَيِّ بن كعب: أنّهم جمعوا القرآنَ في مصاحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون، ويُمْلِي عليهم أُبَيُّ بن كعب، فلمّا انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة: ﴿ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [التوبة:١٢٧]، فظنوا أنّ هذا آخر ما أنزل من القرآن، فقال لهم أبيُّ بن كعب: إنّ رسول الله ﷺ أقرأني بعدها آيتين: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ إلى ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [التوبة:١٢٨-١٢٩]. ثم قال: هذا آخِرُ ما أُنزِلَ من القرآن. قال: فَخُتِمَ بما فُتِحَ به بـ: الله الذي لا إله إلّا هُوَ، وهو قول الله -تبارك وتعالى-: ‹وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ› [الأنبياء:٢٥]
قال يحيى بن سلّام: ﴿وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ كان الله أنزل في سورة البقرة: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ قال الله: ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، فلما نزلت هذه الآية قال أصحاب النبيِّ ﷺ: ما أصابنا هذا بعدُ. فلما كان يوم الأحزاب أنزل الله: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهُمْ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ وأنزل: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إذْ جاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا * هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾
اختلفت القَرَأَة في قراءة قوله تعالى: ﴿نَتَّخِذَ﴾ على قراءتين: الأولى: ﴿نَتَّخِذَ﴾ بفتح النون، وكسر الخاء. الثانية: ‹نُتَّخَذ› بضم النون، وفتح الخاء. وذكر ابنُ عطية (٦/٤٢٥) أن أصحاب القراءة الأولى «ذهبوا بالمعنى إلى أنه مِن قول مَن يعقل، وأنّ هذه الآية بمعنى التي في سورة سبأ [٤٠-٤١]: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهؤُلاءِ إيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ * قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾، وكقول عيسى عليه السلام: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة:١١٧]». ووجَّه ابنُ عطية القراءة الأولى بقوله: «و﴿مِن أوْلِياءَ﴾ -على هذه القراءة- في موضع المفعول به». وعلَّق على أصحاب القراءة الثانية بقوله: «وتذهب هذه مذهب مَن يرى أن المُوقَف المُجيبَ الأوثان». ثم انتقدها قائلًا: «ويضعف هذه القراءة دخول ﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾، اعترض بذلك سعيد بن جبير، وغيره»
عن أُبي بن كعب -من طريق أبي إدريس- أنه كان يقرأ: (إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ، ولَوْ حَمِيتُمْ كَما حَمُواْ لفَسَدَ المَسْجِدُ الحَرامُ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ). فبلغ ذلك عمرُ، فاشتدّ عليه، فبعث إليه، فدخل عليه، فدعا ناسًا مِن أصحابه فيهم زيد بن ثابت، فقال: مَن يقرأ منكم سورةَ الفتح؟ فقرأ زيد على قراءتنا اليوم، فغلّظ له عمر، فقال أُبَيّ: أأتكلّم؟ قال: تكلّم. فقال: لقد علمتَ أنّي كنتُ أدخل على النبيِّ ﷺ ويُقرئني وأنت بالباب، فإنْ أحببتَ أنْ أُقرئ الناس على ما أقرأني أقرأتُ، وإلا لم أُقرئ حرفًا ما حييتُ. قال: بل أقْرِئ الناس