سورة آل عمران — الآية ٤٧

عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق ابن بنته إدريس بن سنان- قال: لَمّا استقرَّ حَمْلُ مريم، وبشَّرَها جبريلُ؛ وثِقَت بكرامة الله واطمَأنّتْ، فطابتْ نَفْسًا، واشْتَدَّ أزْرُها، وكان معها في الـمُحَرَّرِين ابنُ خالٍ لها يُقال له: يوسف. وكان يخدمها مِن وراء الحجاب، ويُكلِّمها، ويُناوِلُـها الشيءَ مِن وراء الحجاب، وكان أوَّل مَنِ اطَّلع على حملها هو، واهتمَّ لذلك، وأحزنه، وخاف مِن البَلِيَّة التي لا قِبلَ له بها، ولم يشعر مِن أين أُتِيَت مريم، وشغله عن النَّظَر في أمر نفسه وعمله؛ لأنَه كان رجلًا مُتَعَبِّدًا حكيمًا، وكان مِن قبلِ أن تَضْرِب مريمُ الحجابَ على نفسها تكون معه، ونشأ معها. وكانت مريمُ إذا نفِدَ ماؤها وماءُ يوسف أخذا قُلَّتَيْهِما، ثُمَّ انطَلَقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيَمْلَآنِ قُلَّتَيْهِما، ثُمَّ يرجعان إلى الكنيسة، والملائكةُ مُقْبِلَةٌ على مريم بالبشارة: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك﴾. فكان يَعْجَبُ يوسفُ مِمّا يسمعُ، فلَمّا استبان ليوسفَ حملُ مريم وقع في نفسه مِن أمرها، حتى كاد أن يَفْتَتِنَ، فلما أراد أن يَتَّهِمَها في نفسه ذَكَرَ ما طهَّرها اللهُ واصطفاها، وما وعد اللهُ أُمَّها أنّه مُعيذُها وذُرِّيَّتَها من الشيطان الرجيم، وما سمع من قول الملائكة: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك﴾. فذكر الفضائل التي فضّلها الله تعالى بها، وقال: إنّ زكريا قد أحْرَزَها في المحراب فلا يدخلُ عليها أحدٌ، وليس للشَّيطان عليها سبيل، فمِن أين هذا؟ فلمّا رأى مِن تغيُّر لونها، وظهورِ بطنها؛ عظُم ذلك عليه، فعرَّض لها، فقال: يا مريم، هل يكون زرعٌ مِن غير بَذْرٍ؟ قالت: نعم. قال: وكيف ذلك؟ قالت: إنّ اللهَ خَلَقَ البَذْرَ الأوَّلَ مِن غير نبات، وأنبت الزَّرعَ الأوَّل مِن غير بذر، ولعلَّك تقول: لم يقدر أن يخلق الزَّرع الأول إلّا بالبَذْرِ؟! ولعلّك تقول: لولا أنّه استعان عليه بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أن يَخْلُقَه ولا يُنبِتَه؟! قال يوسف: أعوذُ بالله أن أقول ذلك، قد صدَقْتِ، وقُلْتِ بالنور والحكمة، كما قَدَر أن يخلق الزَّرع الأوَّل وينبته من غير بَذْرٍ يقدِر على أن يجعل زَرْعًا من غير بَذْر. فأخبريني: هل ينبتُ الشجرُ مِن غير ماءٍ ولا مطر؟ قالت: ألم تعلم أنّ للبَذْرِ والزَّرْعِ والماءِ والمطرِ والشَّجَرِ خالِقًا واحدًا؟ فلعلّك تقول: لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر؟! قال: أعوذُ بالله أن أقول ذلك، قد صدقتِ. فأخبريني: هل يكون ولَدٌ وحَبَلٌ من غير ذَكَر؟ قالت: نعم. قال: وكيف ذلك؟ قالت: ألم تعلمْ أنّ الله خلق آدم وحواء امرأتَه مِن غير حَبَلٍ ولا أُنثى ولا ذَكَر؟ قال: بلى، فأخبريني خَبَرَكِ. قالتْ: بشَّرني اللهُ ﴿بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم﴾ إلى قوله: ﴿ومن الصالحين﴾. فعلم يوسفُ أنّ ذلك أمْرٌ مِن الله بسبب خيرٍ أراده بمريم، فسَكَتَ عنها. فلم تَزَلْ على ذلك حتى ضَرَبَها الطَّلْقُ، فنُودِيَت: أنِ اخرُجي مِن المحراب. فخَرَجَتْ

سورة آل عمران — الآية ٢٣

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكَلْبِيِّ، عن أبي صالح-: أنّ رجلًا وامرأة مِن أهل خيبر زَنَيا وكان في شرف فيهم، وكان في كتابهم الرَّجْمُ، فكَرِهوا رجمَهما لشرفهما، فرفعوا أمرَهما إلى رسول الله ﷺ، ورَجَوا أن يكون عنده رخصةٌ، فحكم عليهما بالرَّجم، فقال له النُّعمان بنُ أوْفى وبَحْرِيُّ بن عمرو: لقد جُرْت علينا يا محمد؛ ليس عليهما الرَّجْمُ. فقال رسول الله ﷺ: «بيني وبينكم التوراةُ؛ فإن فيها الرجم». قالوا: قد أنصَفْتَنا. قال: «فمَن أعلمُكم بالتوراة؟». قالوا: رجلٌ أعورُ يَسْكُنُ فَدَك، يُقال له: ابن صُورِيا. فأرسلوا إليه، فقدم المدينة، وكان جبريلُ قد وصفه لرسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «أنت ابن صُورِيا؟». قال: نعم. قال: «أنت أعلمُ اليهود بالتوراة؟». قال: كذلك يزعمون. قال: فدعا رسولُ الله ﷺ بشيء من التوراة فيها الرَّجْمُ مكتوبٌ، فقال له: «اقرأ». فلَمّا أتى على آيةِ الرَّجْمِ وضَع كفَّه عليها، وقرأ ما بعدها على رسول الله ﷺ، فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله، قد جاوزها ووضع كفه عليها. فقام، فرفع كفَّه عنها، ثُمَّ قرأ على رسول الله ﷺ وعلى اليهود: بأنّ المُحْصَن والمُحْصَنَة إذا زَنَيا وقامَتْ عليهما البَيِّنَةُ رُجِما، وإن كانتِ المرأةُ حُبْلى تُرُبِّص بها حَتّى تَضَعَ ما في بطنِها. فأمرَ رسولُ الله ﷺ باليَهُودِيَّيْنِ فرُجِما، فغَضِب اليهودُ لذلك، وانصرفوا؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولّى فريق منهم وهم معرضون﴾

سورة البقرة — الآية ١٠٢

عن نافع -من طريق معاوية بن صالح - قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع، انظر هل طلعت الحمراء؟ قلت: لا. مرتين أو ثلاثًا، ثم قلت: قد طلعت. قال: لا مرحبًا بها ولا أهلًا. قلت: سبحان الله! نجم مُسَخَّر سامع مطيع! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ، قال: «إنّ الملائكة قالت: يا رب، كيف صبرُك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافَيْتُكُم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عَصَيْناك. قال: فاختاروا مَلَكَيْن منكم. فلم يَأْلُوا جُهْدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فنزلا، فألقى الله عليهم الشَّبَق -قلت: وما الشَّبَق؟ قال: الشهوة-، فجاءت امرأة يقال لها: الزُّهْرَة، فوقعت في قلوبهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخَر: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم. فطلباها لأنفسهما، فقالت: لا أُمَكِّنُكُما حتى تُعَلِّماني الاسمَ الذي تَعْرُجان به إلى السماء وتَهْبِطانِ. فأَبَيا، ثم سألاها أيضًا، فأبت، ففَعَلا، فلما اسْتُطِيرَت طَمَسَها الله كوكبًا، وقَطَع أجنحتهما، ثم سألا التوبةَ من ربهما، فخَيَّرهما، فقال: إن شئتما رددتكما إلى ما كنتما عليه، فإذا كان يوم القيامة عذبتكما، وإن شئتما عذبتكما في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه. فقال أحدهما لصاحبه: إنّ عذاب الدنيا ينقطع ويزول. فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فأوحى الله إليهما: أنِ ائْتِيا بابل. فانطلقا إلى بابل، فخُسِف بهما، فهما منكوسان بين السماء والأرض، مُعَذَّبان إلى يوم القيامة»

سورة المائدة — الآية ٢٧

عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مرة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- أنّه كان لا يولد لآدم مولود إلا وُلد معه جارية، فكان يُزَوِّج غلامَ هذا البطن جاريةَ هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى وُلِد له ابنان يُقال لهما: قابيل وهابيل. وكان قابيلُ صاحبَ زرع، وكان هابيلُ صاحبَ ضَرْع، وكان قابيلُ أكبرَهما، وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل، وإنّ هابيل طلب أن ينكح أختَ قابيل، فأبى عليه، وقال: هي أختي، وُلِدت معي، وهي أحسنُ من أختك، وأنا أحقُّ أن أتَزَوَّج بها. فأمره أبوه أن يزوجها هابيل، فأبى، وإنهما قَرَّبا قربانًا إلى الله أيهما أحق بالجارية، وكان آدم قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة. فأبَتْ، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلَك كما يَسُرُّك. فلمّا انطلق آدم قَرَّبا قربانًا، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحقُّ بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصِيُّ والدي. فلما قرَّبا قرَّب هابيلُ جذعة سمينة، وقرب قابيلُ حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلةً عظيمة، ففركها، فأكلها، فنزلت النارُ، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضِب، وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي. فقال هابيل: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾، ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك﴾. يقول: إثم قتلي إلى إثمك الذي في عنقك. (٥/ ٢٥٧)

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-: أنّ قريشًا بعثوا خمسة رهط -منهم عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث- إلى المدينة، يسألون اليهود عن رسول الله ﷺ، ووصفوا لهم صفته، فقالوا لهم: نجِد نعته وصفته ومبعثه في التوراة، فإن كان كما وصفتم لنا فهو نبيٌّ مُرسَل، وأمره حقٌّ، فاتَّبِعُوه، ولكن سلوه عن ثلاث خصال، فإنه يخبركم بخصلتين، ولا يخبركم بالثالثة إن كان نبيًّا، فإنا قد سألنا مسيلمة الكذاب عن هؤلاء الثلاث فلم يدر ما هي. فرجعت الرسل إلى قريش بهذا الخبر من اليهود، فأتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد، أخبِرنا عن ذي القرنين الذي بلغ المشرق والمغرب، وأخبِرنا عن الروح، وأخبِرنا عن أصحاب الكهف. قال: «أخبركم بذلك غدًا». ولم يقل: إن شاء الله. فأبطأ عليه جبريل خمسة عشر يومًا، فلم يأته لترك الاستثناء، فشق ذلك على رسول الله ﷺ، ثم أتاه جبريل بما سألوه، فقال: «يا جبريل، أبطأتَ عَلَيَّ!». فقال: بتركك الاستثناء أن تقول: إن شاء الله. قال: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾. ثم أخبره بخبر ذي القرنين، وبخبر الروح، وأصحاب الكهف، ثم أرسل إلى قريش، فأتوه، فأخبرهم عن حديث ذي القرنين، وقال لهم:}الروح من أمر ربي}. يقول: من علم ربي، لا علم لي به. فلما وافق قول اليهود أنه لا يخبركم بالثالث قالوا:}سحران تظاهرا}: تعاونا. يعنون: التوراة والفرقان، ﴿وقالوا إنا بكل كافرون﴾ [القصص:٤٨]. وحدثهم بحديث أصحاب الكهف

رَجَّحَ ابن جرير (١‏/‏٤٢٤-٤٢٥ بتصرف) ما حكاه السدي في تفسيره عن ابن مسعود، وعن ابن عباس -من طريق أبي صالح-، وعن ناس من الصحابة مِن أنّ الآية نزلت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِبَ لهم من الأمثال في سورة البقرة، وعَلَّل ابن جرير ذلك بدلالة السياق، وأن «الله -جَلَّ ذِكْرُه- أخبر عبادَه أنّه لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها، عقيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السُّوَر غيرها. فلأن يكون هذا القول... جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة أحَقُّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضُرِب لهم من الأمثال في غيرها من السور». وارتضى ترجيحَه ابنُ كثير (١‏/‏٣٢٥) بقوله: «وقد اختار ابن جرير ما حكاه السُّدي؛ لأنه أمَسُّ بالسورة، وهو مناسب». وانتقد ابنُ جرير (١‏/‏٤٢٥-٤٢٦) ما يمكن أن يَظُنَّه ظانٌّ من أنه إذا كانت هذه الآية نزلت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضُرِب لهم من الأمثال في هذه السورة، فالواجب أن يكون ذلك في بقية الأمثال في غيرها من السور؛ لموافقتها لها في المعنى. وذكرَ أنّ الأمر بخلاف ما ظن؛ لكون الآية خبرًا منه -جَلَّ ذِكْرُه- أنه لا يستحي أن يضرب في الحق من الأمثال صغيرها وكبيرها؛ ابتلاءً بذلك عباده؛ ليميز به أهلَ الإيمان والتصديق به من أهلِ الضلال والكفر به، لا أنّه -جَلَّ ذِكْرُه- قصد الخبر عن عين البعوضة أنه لا يستحي من ضرب المثل بها، ولكن البعوضة لَمّا كانت أضعف الخلق خَصَّها الله بالذِّكْرِ في القِلَّة

اختُلِف في المراد بالسلم؛ فقال قوم: معناه: الإسلام. وقال آخرون: بل معناه: ادخلوا في الطاعة. واختلف القراء في قراءة ﴿السلم﴾؛ فمنهم من قرأ بالكسر، ومنهم من قرأ بالفتح بمعنى: المسالمة والصلح، ومن قرأوا بالكسر اختلفوا؛ فمنهم مَن وجَّه المعنى إلى الإسلام، ومنهم مَن وجَّهه إلى الصلح. ورَجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٥٩٧-٥٩٩) قراءة الكسر مستندًا إلى اللغة، فقال: ""لأنّ ذلك إذا قُرِئ كذلك، وإن كان قد يحتمل معنى الصلح، فإنّ معنى الإسلام ودوام الأمر الصالح عند العرب أغلبُ عليه من الصلح والمسالمة، وينشد بيت أخي كندة:دَعَوْتُ عشيرتي للسِّلم لَمّا رأيتهم تَوَلَّوْا مُدْبِرِينابكسر السين، بمعنى: دعوتهم للإسلام لَمّا ارتدوا، وكان ذلك حين ارْتَدَّت كندةُ مع الأشعث بعد وفاة رسول الله ﷺ"". ورجَّح (٣‏/‏٥٩٨-٥٩٩) توجيه المعنى إلى الإسلام، وهو القول الأول الذي قاله ابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والضحاك، وابن زيد، وعكرمة، وطاووس، مستندًا إلى الدلالات العقلية بما مفاده الآتي: أنّ الآية في خطاب المؤمنين؛ فإن كانوا المؤمنين بمحمد ﷺ فلا معنى لأن يُقال لهم: ادخلوا في صلح المؤمنين؛ لأنّ المسالمة إنما يؤمر بها من كان حربًا بترك الحرب. وإن كانوا المؤمنين بِمَن قبل محمد ﷺ فهؤلاء إنّما دعاهم الله إلى الإسلام لا الصلح، بل ولم يؤمر المؤمنون قط بالابتداء بالدخول في المسالمة، وإنّما قيل للنبي أن يجنح للسلم إذا جنحوا لها، أما أن يَبْتَدِىء بها فلا. وجَمَعَ ابنُ تيمية (١‏/‏٤٨٧) بين القولين، فقال: «وكلاهما حقٌّ؛ فإنّ الإسلام هو الطاعة»

أفادت الآثارُ الاختلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشا﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ الحمولة: ما حُمِل عليه مِن كبار الإبل ومسانّها، والفرش: صغارها التي لا يحمل عليها لصغرها. وهذا قول ابن مسعود، وابن عباس من طريق عكرمة، ومجاهد، والحسن من طريق سليمان التيمي. ثانيها: أنّ الحمولة من الإبل، وما لم يكن من الحمولة فهو الفرش. وهذا قول ثانٍ لابن عباس، والحسن من طريق قتادة. ثالثها: أنّ الحمولة: ما حُمِل عليه من الإبل والخيل والبغال وغير ذلك، والفرش: الغنم. وهذا قول الربيع بن أنس، وقتادة، والسديّ، والضحاك، وابن زيد، وهو قولٌ ثالث لابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، والحسن من طريق أبي بكر الهذلي. وحكى ابنُ جرير (٩‏/‏٦٢٢-٦٢٣) قولًا رابعًا، ولم ينسبه، وهو أنّ الحمولة: من البقر، والفرش: الغنم. ثم رجَّحَ استنادًا إلى دلالة اللغة، والعموم أنّ الحمولة صفة صالحة لكل ما حُمِل على ظهره من الأنعام، وكذلك الفرش صفة لما لَطُف فقرب من الأرض جسمه، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الحمولة: هي ما حُمِل من الأنعام؛ لأنّ ذلك من صفتها إذا حملت، لا أنّه اسم لها كالإبل والخيل والبغال، فإذا كانت إنما سُمِّيَت حمولة لأنها تحمل؛ فالواجب أن يكون كل ما حَمَل على ظهره من الأنعام فحمولة، وهي جمع لا واحد لها من لفظها، كالرَّكوبة، والجَزُورة. وكذلك الفرش إنّما هو صفة لما لطُف فقرُب من الأرض جسمه، ويقال له: الفرش. وأحسبها سميت بذلك تمثيلًا لها في استواء أسنانها ولُطْفِها بالفَرْش من الأرض، وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤُها الناس»

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في وجْه وصْف البيت بـ«العتيق» على أقوال: الأول: لأنّ الله أعتقه من الجبابرة. الثاني: لأنه لم يَمْلِكه أحدٌ من الناس. الثالث: سمي بذلك لقدمه. وبيَّن ابنُ جرير (١٦‏/‏٥٣١) أن لكل قول من هذه الأقوال وجْهٌ صحيح، ورجَّح أن أغلب معانيه في الظاهر هو القول الثالث، ثم بيَّن أنه إن صح الحديث الذي قال به أصحاب القول الأول لكان هذا القول أوْلى بالصحة، فقال: «ولكلِّ هذه الأقوال التي ذكرناها عمَّن ذكرناها عنه في قوله: ﴿البيت العتيق﴾ وجْه صحيح، غير أن الذي قاله ابن زيد أغلب معانيه عليه في الظاهر، غير أن الذي رُوِيَ عن ابن الزبير أوْلى بالصحة إن كان ما حدثني به محمد بن سهل البخاري قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: أخبرني الليث، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سُمِّيَ: البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة، فلم يُظهَر عليه قطُّ» صحيحًا». وعلَّق ابنُ عطية (٦‏/‏٢٤٢) على القول الثالث قائلًا: «وهذا قول يعضده النظر؛ إذ هو أول بيت وضع للناس». غير أنه انتقده، ورجَّح القول الأول مستندًا إلى السنة، فذكر حديث ابن الزبير، ثم قال: «ولا نظر مع الحديث». وذَكَر ابن عطية قولًا آخر غير ما تقدم، وهو أن البيت سُمِّي: عتيقًا؛ لأنّ الله تعالى يُعتِق فيه رقاب المذنبين من العذاب، وانتقده مستندًا إلى لغة العرب بقوله: «وهذا يَرُدُّه التصريف»

سورة مريم — الآية ١٧

عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، عن الضحاك- في قوله: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ يقول: قُصَّ ذكرَها على اليهود والنصارى ومشركي العرب ﴿إذا انتبذت﴾ يعني: خرجت ﴿من أهلها مكانا شرقيا﴾ قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي المشرق، ﴿فاتخذت من دونهم حجابا﴾ وذلك أنّ الله لَمّا أراد أن يبتدئها بالكرامة، ويُبَشِّرها بعيسى، وكانت قد اغتسلت من المحيض، فتَشَرَّفت، وجعلت بينها وبين قومها ﴿حجابا﴾ يعني: جبلًا، فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس، ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ يعني: جبريل، ﴿فتمثل لها بشرا﴾ في صورة الآدميين، ﴿سويا﴾ يعني: مُعْتَدِلًا، شابًّا، أبيض الوجه، جَعْدًا قَطَطًا، حين اخضرَّ شاربُه، فلما نظرت إليه قائمًا بين يديها ﴿قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾، وذلك أنها شبَّهته بشابٍّ كان يراها ونشأ معها، يُقال له: يوسف، من بني إسرائيل، وكان مِن خَدَمِ بيت المقدس، فخافت أن يكون الشيطان قد استَزَلَّه، فمِن ثَمَّ قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾ يعني: إن كنتَ تخاف الله. ﴿قال﴾ جبريلُ وتَبَسَّم: ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ يعني: لله مطيعًا، من غير بشر. ﴿قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر﴾ يعني: زوجًا، ﴿ولم أك بغيا﴾ أي: مُومِسَة. ﴿قال﴾ جبريل: ﴿كذلك﴾ يعني: هكذا ﴿قال ربك هو علي هين﴾ يعني: خَلْقُه مِن غير بشر، ﴿ولنجعله آية للناس﴾ يعني: عِبرة، والناس هنا: للمؤمنين خاصة، ﴿ورحمة منا﴾ لِمَن صدَّق بأنه رسول الله، ﴿وكان أمرا مقضيا﴾ يعني: كائنًا أن يكون مِن غير بشر. فَدَنا جبريلُ، فنفخ في جيبها، فدخلت النفخةُ جَوْفَها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرَّحِم والمشِيمَة، ووضعته كما تضع النساء، فأصابها العَطَش، فأجرى الله لها جدولًا من الأردن، فذلك قوله: ﴿قد جعل ربك من تحتك سريا﴾. والسَّرِيُّ: الجدول. وحمل الجذِعُ من ساعته ﴿رطبا جنيا﴾، ﴿فناداها من تحتها﴾ جبريل: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾. لم يكن على رأسها سعف، وكانت قد يبست منذ دهر طويل، فأحياها الله لها، وحملت، فذلك قوله: ﴿تساقط عليك رطبا جنيا﴾ يعني: طريًّا بغباره، ﴿فكلي﴾ مِن الرُّطَب، ﴿واشربي﴾ من الجدول، ﴿وقري عينا﴾ بولدك. فقالت: فكيف بي إذا سألوني: من أين هذا؟ قال لها جبريل: ﴿فإما ترين﴾ يعني: فإذا رأيت ﴿من البشر أحدا﴾ فأَعْنَتَكِ في أمرك؛ ﴿فقولي إني نذرت للرحمن صوما﴾ يعني: صمتًا في أمر عيسى، ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ في أمره، حتى يكون هو الذي يُعَبِّر عنِّي وعن نفسه. قال: ففقدوا مريم مِن محرابها، فسألوا يوسف، فقال: لا عِلْمَ لي بها، وإنّ مفتاح محرابها مع زكريا. فطلبوا زكريا، وفتحوا الباب وليست فيه، فاتهموه، فأخذوه، ووَبَّخوه، فقال رجل: إنِّي رأيتها في موضع كذا. فخرجوا في طلبها، فسمعوا صوت عقعق في رأس الجذع الذي مريم مِن تحته، فانطلقوا إليه، فذلك قول الله: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾. قال ابن عباس: لَمّا رأت بأنّ قومها قد أقبلوا إليها احتملت الولد إليهم حتى تلقتهم به، فذلك قوله: ﴿فأتت به قومها تحمله﴾ أي: لا تخاف رِيبة ولا تُهمة، فلما نظروا إليها شقَّ أبوها مدرعته، وجعل التراب على رأسه، وإخوتها، وآل زكريا، فـ﴿قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ يعني: عظيمًا، ﴿يا أخت هرون﴾ كانت من آل هارون، ﴿ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا﴾ يعني: زانية، فأنّى أتيتِ هذا الأمر مع هذا الأخ الصالح، والأب الصالح، والأم الصالحة؟! ﴿فأشارت إليه﴾ تقول لهم: أن كلِّموه، فإنه سيخبركم، فـ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾ أن لا أكلمكم في أمره، فإنّه سيُعَبِّر عَنِّي، ويكون لكم آية وعبرة. ﴿قالوا﴾: يا عجبنا، ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيا﴾؟! يعني: مَن هو في الخِرَقِ طفلًا لا ينطق! إذ أنطقه الله، فعبَّر عن أُمِّه، وكان عبرة لهم، فقال: ﴿إني عبد الله﴾. فلما أن قالها ابتدأ يحيى، وهو ابن ثلاث سنين، فكان أولَ مَن صدق به، فقال: إنِّي أشهد أنك عبد الله ورسوله. لتصديق قول الله: ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾ [آل عمران:٣٩]. فقال عيسى: ﴿آتاني الكتاب وجعلني نبيا﴾ إليكم، ﴿وجعلني مباركا أينما كنت﴾. قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ: «البركة التي جعلها الله لعيسى أنّه كان مُعَلِّمًا مُؤَدِّبًا حيثما توجه». ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة﴾ يعني: وأمرني، ﴿وبرا بوالدتي﴾ فلا أعُقُّها. قال ابن عباس: حين قال: ﴿وبرا بوالدتي﴾ قال زكريا: الله أكبر. فأخذه، فضَمَّه إلى صدره، فعلموا أنّه خُلِق مِن غير بشر، ﴿ولم يجعلني جبارا شقيا﴾ يعني: مُتَعَظِّمًا سفّاكًا للدم، ﴿والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. يقول الله: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾ يعني: يَشُكُّون. يقوله لليهود، ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ مبلغ الناس