عن أُبيّ بن كعب، أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا أُبيّ، إني أُمرتُ أنْ أُقرئك سورة». فأقرأنيها: (ما كانَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً * فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، أيْ لا ذات اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، إنَّ أقْوَمَ الدِّينِ الحَنِيفِيَّةُ مُسْلِمَةٌ غَيْرُ مُشْرِكَةٍ ومَن يَعْمَلْ صالِحًا فَلَن يُكْفَرَهُ، وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ وفارَقُوا الكِتابَ لَمّا جَآءَهُمْ أُولَئِكَ عِندَ اللهِ شَرُّ البَرِيَّةِ، ما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً ثُمَّ أرْسَلَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ يَأْمُرُونَ النّاسَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ، ويَعْبُدُونَ اللهَ وحْدَهُ، أُولَئِكَ عِند اللهِ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ، جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيهَآ أبَدًا رضي الله عنهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ)

اختُلِف في معنى قوله: ﴿ويحب المتطهرين﴾؛ فقال بعضهم: هم المتطهرون بالماء. وقال غيرهم: المعنى: من الذنوب، وإتيان النساء في أدبارِهِنَّ. وقال آخرون: المعنى: من الذنوب أن يعودوا فيها بعد التوبة منها. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏٧٤٤) القولَ الأول الذي قال به عطاء مستندًا إلى الأغلب من اللغة، فقال: «لأنّ ذلك هو الأغلب من ظاهر معانيه، وذلك أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- ذَكَر أمر المحيض، فنهاهم عن أمورٍ كانوا يفعلونها في جاهليتهم؛ مِن تَرْكِهم مُساكَنَة الحائض، ومُؤاكلَتها، ومُشارَبَتها، وأشياء غير ذلك مما كان -تعالى ذِكْرُه- يكرهها من عباده. فلما استفتى أصحابُ رسول الله ﷺ عن ذلك أوحى الله تعالى إليه في ذلك، فبَيَّن لهم ما يكرهه مِمّا يرضاه ويحبه، وأخبرهم أنّه يُحِبُّ مِن خلقه مَن أناب إلى رضاه ومحبته، تائبًا مما يكرهه. وكان مما بِيَّن لهم من ذلك أنّه قد حَرَّم عليهم إتيان نسائهم وإن طَهُرْن من حيضهنَّ حتى يغتسلن، ثم قال: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن﴾ فإن الله يحب المتطهرين، يعني بذلك: المتطهرين من الجنابة والأحداث للصلاة، والمتطهرات بالماء من الحيض، والنفاس، والجنابة، والأحداث من النساء»

اختلف في معنى: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحارِ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: هم المستغفرون. الثاني: هم المصلُّون بالأسحار. الثالث: هم الذين يشهدون الصبح في جماعة. ووجَّه ابنُ عطية (٢‏/‏١٧٧) القول الثاني والثالث بقوله: «وهذا كلُّه يَقْتَرِنُ به الاستغفارُ». ورجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏٢٧٥) القول الأول مستندًا إلى اللغة، وهو قول ابن مسعود، وأنس بن مالك وما في معناه، فقال: «وأولى هذه الأقوال بتأويل قوله: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحار﴾ قول من قال: هم السائلون ربَّهم أن يستُر عليهم فضيحتهم بها؛ ﴿بِالأَسْحارِ﴾، وهي جمعُ سَحَرٍ. وأظهر معاني ذلك أن تكون مسألتُهم إياه بالدعاء». ثم ذكر احتمالًا آخر: «أن يكون معناه: تعرُّضهم لمغفرته بالعمل والصلاة». غير أنه استظهر المعنى الذي رجَّحه، فقال: «غير أن أظهر معانيه ما ذكرنا من الدعاء». وذكر ابنُ عطية (٢‏/‏١٧٧-١٧٨) أن السَّحَر: «آخر الليل». ثم نقل عن الزجاج وغيره أنّ السحر: «هو قبل طلوع الفجر». ثم علَّق عليه بقوله: «وهذا صحيح؛ لأنّ ما بعد الفجر هو من اليوم لا من الليلة». ونقل عن بعض اللغويين أنّ: «السحر من ثلث الليل الآخر إلى الفجر». ثم علَّق عليه بقوله: «والحديث في التنزل وهذه الآية في الاستغفار يؤيدان هذا»

سورة النساء — الآية ٩٠

قال محمد ابن شهاب الزهري: قال تعالى: ﴿إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم﴾ إلى قوله: ﴿سلطانا مبينا﴾. وقال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ [الممتحنة:٨-٩]. وقال تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ [التوبة:٧] وهم بنو ضَمْرة بن بكر، قد عاقد عليهم مخشيّ بن حَويل: إنّا نأمنكم وتأمنونا حتى نُدْبِر وننظر في الأمر. نسخ هؤلاء الأربعة، فقال تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين. فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ [التوبة:١-٢]. فجعل لهم أجلًا أربعة أشهر يسيحون في الأرض، ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم﴾ [التوبة:٥]، وقال عز وجل: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [التوبة: ٦]

سورة البقرة — الآية ١٥٧

عن الحسن البصري -من طريق مُحْرِز بن عمرو- قال: إنّ الله -وله الحمد لا شريك له- رَفَع عن هذه الأمة الخطأ، والنسيان، وما اسْتُكْرِهوا عليه، وما لا يُطِيقُون، وأَحَلَّ لهم في حال الضرورة كثيرًا مما حَرَّم عليهم، وأعطاهم خمسًا: أعطاهم الدنيا قَرْضًا، وسألهم إياها قَرْضًا، فما أعطوه عن طيب نفس منهم فلهم به الأضعاف الكثيرة، من العشرة إلى سبعمائة ضعف، إلى ما لا يعلم علمه إلا الله تبارك وتعالى، وذلك قوله عز وجل: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعافًا كثيرة﴾ [البقرة:٢٤٥]، وما أخذ منهم كرهًا، فصبروا، واحتسبوا؛ فلهم به الصلاة، والرحمة، وتحقيق الهدى، وذلك لقوله جل وعز: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾. والثالثة: إن شكروا أن يزيدهم؛ وذلك لقوله -جل ثناؤه-: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ [إبراهيم:٧]. والرابعة: أنّ أحدهم لو عَمِل من الخطايا والذنوب حتى يبلغ الكفر، ثم تاب؛ أن يتوب عليه، ويُوجِب له محبَّتَه؛ وذلك لقوله -جل وعز-: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة:٢٢٢]. والخامسة: لو أعطيها جبريل وميكائيل عليهما السلام وجميع النبيين لكان قد أجزل لهم العطاء، حيث يقول: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر:٦٠]

اختلف السلف فيمن عنى الله بقوله: ﴿أولئك الذين يدعون﴾ على أقوال: الأول: أنهم نفر من الجن. الثاني: أنهم الملائكة. الثالث: أنهم عزير والمسيح وأمه. وقد رجّح ابنُ جرير (١٤‏/‏٦٣١-٦٣٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الأول، وبيَّن احتمال صوابَ القول الثاني، وانتقد الثالث، فقال: «وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية قولُ عبد الله بن مسعود الذي رويناه عن أبي معمر عنه، وذلك أن الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر عن الذين يدعونهم المشركون آلهة أنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة في عهد النبي ﷺ، ومعلوم أنّ عزيرًا لم يكن موجودًا على عهد نبينا عليه الصلاة والسلام فيبتغي إلى ربه الوسيلة، وأن عيسى قد كان رفع، وإنما يبتغي إلى ربه الوسيلة مَن كان موجودًا حيًّا يعمل بطاعة الله، ويتقرب إليه بالصالح من الأعمال، فأما من كان لا سبيل له إلى العمل فبم يبتغي إلى ربه الوسيلة؟! فإذا كان لا معنى لهذا القول فلا قول في ذلك إلا قول مَن قال ما اخترنا فيه من التأويل، أو قول من قال: هم الملائكة. وهما قولان يحتملهما ظاهر التنزيل». وذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٥٠٠) قولًا عن ابن فورك وغيره «أن الكلام من قوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ﴾ راجع إلى النبيين المتقدم ذكرهم». ثم علّق عليه قائلا: «فـ﴿يَدْعُونَ﴾ على هذا من الدعاء»

بيَّنَ ابنُ عطية (٧/ ١١٨) أنَّ هذا القول هو قول الجمهور، وذكر حجتهم، فقال: «مِن حجة الجمهور قولُه: ﴿عنكم﴾، و﴿يطهركم﴾ بالميم، ولو كان للنساء خاصة لكان: عنكن». ثم ذَهَبَ إلى أنّ زوجات النبي يدخلن في ذلك، مستندًا إلى السياق، فقال: «والذي يظهر لي أن زوجاته لا يخرجن عن ذلك البتة، فأهل البيت: زوجاته، وبنته، وبنوها، وزوجها. وهذه الآية تقتضي أن الزوجات من أهل البيت؛ لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهن». وذَهَبَ ابنُ تيمية (٥‏/‏٢٤٠)، وكذا ابنُ كثير (١١‏/‏١٥٢) إلى ما ذهب إليه ابنُ عطية، قال ابنُ تيمية مستندًا إلى دلالة السنة والقرآن: «الصحيح أن أزواجه من آله؛ فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه علمَّهم الصلاة عليه: «اللهم صلِّ على محمد، وأزواجه، وذريته». ولأن امرأة إبراهيم مِن آله وأهل بيته، وامرأة لوط مِن آله وأهل بيته، بدلالة القرآن، فكيف لا يكون أزواج محمد مِن آله، وأهل بيته؟! ولأنّ هذه الآية تدلُّ على أنهن من أهل بيته، وإلا لم يكن لذكر ذلك في الكلام معنى». وقال ابنُ كثير: «هذا نصٌّ في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النزول داخل فيه قولًا واحدًا؛ إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح». وذكر (١١‏/‏١٦٠) أنّ سياق الكلام معهن

قال ابنُ عطية (٨‏/‏٢٥-٢٦ بتصرف): «هم أعراب مخصوصون، وقد أخبر الله تعالى أنّ في الأعراب على الجملة مَن يؤمن بالله واليوم الآخر، فأمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يقول لهؤلاء المُدَّعين في الإيمان:﴿لم تؤمنوا﴾ أي: لم تصدِّقوا بقلوبكم، ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾. والإسلام يقال بمعنيين: أحدهما: الدّين يعم الإيمان والأعمال، وهو الذي في قوله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران:١٩]، والذي في قوله ﷺ: «بُني الإسلام على خمس». والذي في تعليم النبي ﷺ لجبريل حين قال له: ما الإسلام؟ قال: «أن تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان». والذي في قوله لسعد بن أبي وقاص: «أو مسلمًا، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه» الحديث. فهذا الإسلام ليس هو في قوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾. والمعنى الثاني للفظ الإسلام: هو الاستسلام والإظهار الذي يستعصم به ويحقن الدم، وهذا هو الإسلام في قوله: ﴿ولكن قولوا أسلمنا﴾، والإيمان الذي هو التصديق أخص من الأول». وقال ابنُ كثير (١٣‏/‏١٧٤): «قد استُفِيد من هذه الآية الكريمة أنّ الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل عليه السلام حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقّى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه»

اختُلف في المجلس الذي أمر الله المؤمنين بالتَّفسُّح فيه على أقوال: الأول: أنه مجلس رسول الله ﷺ. الثاني: أنه مجالس القتال إذا اصطَفُّوا للحرب. الثالث: أن رسول الله ﷺ أقام قومًا ليُجْلِس أشياخًا من أهل بدر؛ فنَزَلَتْ الآية. الرابع: أنها مجالس الذكر. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٤٧٨) العموم، فقال: «إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أمر المؤمنين أن يتفسَّحوا في المجلس، ولم يَخْصُص بذلك مجلس النبي ﷺ دون مجلس القتال، وكلا الموضعين يقال له: مجلسٌ، فذلك على جميع المجالس من مجالس رسول الله ﷺ ومجالس القتال». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٢٥٢) عن بعض الناس: أنّ «الآية مخصوصة في مجلس النبي ﷺ، وليس في سائر المجالس». وذكر أنه يدل على ذلك قراءة مَن قرأ: ‹فِي المَجْلِسِ›، وأما من قرأ: ﴿في المجالس﴾ فذلك مرادٌ أيضًا؛ لأنّ لكل أحد مجلسًا في بيت النبي ﷺ وموضعه فتجمع لذلك«. ونقل عن الجمهور من أهل العلم: أنّ»السبب مجلس النبي ﷺ، والحكم مطَّردٌ في سائر المجالس التي هي للطاعات، وعلَّق بقوله: «ومنه قول النبي ﷺ: «أحبُّكم إلى الله ألْيَنُكم مناكب في الصلاة ورُكَبًا في المجالس»». ثم علَّق عليه بقوله: «ويؤيد هذا القول قراءة مَن قرأ: ﴿في المجالس﴾، ومَن قرأ: ‹فِي المَجْلِسِ› فذلك -على هذا التأويل- اسم جنس»

سورة إبراهيم — الآية ٢٧

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، إنّ الميت إذا وُضِع في قبره إنّه لَيَسمَعُ خَفْقَ نعالِهم حين يُوَلُّون عنه، فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاةُ عندَ رأسه، والزكاةُ عن يمينه، والصومُ عن شماله، وفعلُ الخيراتِ والمعروفُ والإحسانُ إلى الناس من قِبَلِ رجليه، فيُؤْتى مِن قِبَلِ رأسه، فتقول الصلاة: ليس قِبَلي مَدخَلٌ. فيُؤْتى عن يمينه، فتقولُ الزكاةُ: ليس قِبَلي مَدخَلٌ. ويؤتى من قِبَل شماله، فيقولُ الصومُ: ليس قِبَلي َمَدْخَلٌ. ثم يُؤْتى مِن قِبَلِ رجليه فيقول فعلُ الخيرات والمعروفُ والإحسان إلى الناس: ليس قِبَلي مَدخَلٌ. فيُقال له: اجلسْ. فيَجلس، وقد مُثِّلَتْ له الشمسُ قد قربت للغروب، فيُقال له: أخبِرْنا عمّا نسألك. فيقولُ: دعني حتى أُصَلِّي. فيُقال: إنّك ستفعلُ، فأخبِرنا عمّا نسألك. فيقولُ: عمَّ تسألوني؟ فيُقال له: ما تقولُ في هذا الرجل الذي كان فيكم؟ يعني: النبيَّ ﷺ، فيقولُ: أشهد أنّه رسول الله، جاءنا بالبينات مِن عند ربِّنا، فصدَّقنا، واتَّبَعنا. فيُقال له: صدَقْتَ، على هذا حَيِيتَ، وعلى هذا مِتَّ، وعليه تُبعَثُ -إن شاء الله-. ويُفْسَح له في قبره مَدَّ بصره، فذلك قول الله: ﴿يُثبتُ الله الَّذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾. ويُقال: افتحوا له بابًا إلى النار. فيقال: هذا كان منزلك لو عصيت الله. فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، ويفال: افتحوا له بابًا إلى الجنة. فيُفْتَح له، فيُقال: هذا منزلك، وما أعَدَّ الله لك. فيزداد غِبْطَةً وسرورًا، فيُعاد الجسد إلى ما بدا منه مِن التراب، ويُجْعَل رُوحُه في النَّسَمِ الطَّيِّب، وهي طيرٌ خُضرٌ تَعلَقُ في شجرٍ في الجنة. وأَمّا الكافر فيُؤْتى في قبره مِن قبَلِ رأسه فلا يوجد شيءٌ، فيُؤْتى مِن قِبَلِ رجليه فلا يوجد شيءٌ، فيجلِس خائفًا مَرْعوبًا، فيُقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم؟ وما تشهد به؟ فلا يهتدي لاسمِه، فيُقال: محمدٌ ﷺ. فيقولُ: سمعتُ الناس يقولون شيئًا، فقلتُ كما قالوا. فيُقال له: صدَقتَ، على هذا حَيِيتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تُبعثُ -إن شاء الله-. ويُضَيَّق عليه قبرُه حتى تختلف أضلاعُه، فذلك قولُه تعالى: ﴿ومنْ أعرَضَ عن ذكري فإنّ لهُ معيشةً ضنكًا﴾ [طه:١٢٤]، فيُقال: افتحوا له بابًا إلى الجنة. فيُفْتَح له بابٌ إلى الجنة، فيقالُ: هذا كان منزلك وما أعدَّ الله لك لو كنت أطعتَه. فيزدادُ حسرةً وثُبُورًا، ثم يُقال: افتحوا له بابًا إلى النار. فيُفتَح له بابٌ إليها، فيقال له: هذا منزلك، وما أعدَّ الله لك. فيزدادُ حسرةً وثبورًا»