عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات، ثِنْتين في ذات الله؛ قوله: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذا﴾ [الأنبياء:٦٣]، وواحدة في شأن سارة، فإنّه قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إنّ هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألكِ فأخبريه أنك أختي، فإنّكِ أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك. فلما دخل أرضَه رآها بعضُ أهل الجبار، أتاه فقال له: لقد قدم أرضُك امرأةً لا ينبغي لها أن تكون إلا لك. فأرسل إليها، فأُتي بها، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة، فلمّا دخلتْ عليه لم يتمالك أن بسط يدَه إليها، فقُبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضُرَّكِ. ففعلت، فعاد، فقُبضتْ أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقُبضتْ أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي، فلكِ الله أن لا أضركِ. ففعلتْ، وأُطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنّك إنّما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرِجها من أرضي، وأعطِها هاجر. قال: فأقبلت تمشي، فلمّا رآها إبراهيم عليه السلام انصرف، فقال لها: مهيم؟ قالت: خيرًا، كفَّ اللهُ يدَ الفاجر، وأخْدَمَ خادمًا». قال أبو هريرة: فتلك أمُّكُم، يا بني ماء السماء
اختُلِف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يعود على وليِّ المقتول، وهو المنصور على القاتل، والمعنى: إنه كان منصورًا بتمكينه من القَوَد. الثاني: أنه يعود على المقتول، والمعنى: إنه كان منصورًا بقتل قاتله. الثالث: أنه يعود على دم المقتول، والمعنى: إن دم القتيل كان منصورًا، أي: مطلوبًا به. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/٥٨٩) مستندًا إلى دلالة اللغة، والدلالة العقلية القولَ الأول، وهو قول قتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنه هو المظلوم، ووَلِيُّه المقتول، وهي إلى ذِكْرِه أقربُ من ذِكْر المقتول، وهو المنصور أيضًا؛ لأن الله -جلَّ ثناؤه- قضى في كتابه المُنَزَّل أن سلَّطه على قاتل وليِّه، وحكَّمه فيه بأن جعل إليه قتْلَه إن شاء، واستبقاءَه على الدِّيَة إن أحبَّ، والعفوَ عنه إن رأى، وكفى بذلك نصرةً له من الله، فلذلك قلنا: هو المعنيُّ بالهاء التي في قوله: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾». ورجَّح ابنُ عطية (٥/٤٧٣) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، وهو قول مجاهد، فقال: «وهو أرجح الأقوال؛ لأنه المظلوم، ولفظة النصر تقارن أبدًا الظلم، كقوله عليه الصلاة والسلام: «ونَصْر المظلوم، وإبْرار القَسم». وكقوله ﷺ: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». إلى كثيرٍ من الأمثلة». ونقل قولًا عن أبي عبدة: أن الضمير يعود «على القاتل؛ لأنه إذا قُتِل في الدنيا وخلص بذلك من عذاب الآخرة فقد نُصِر». ثم انتقده قائلًا: «وهذا ضعيفٌ بعيد المقصد»
ذكر ابنُ تيمية (٦/٣٠٤-٣٠٥) أنّ لفظ «السعي» في الأصل اسم جنس، وأنّ من شأن أهل العُرف إذا كان الاسم عامًّا لنوعين، فإنهم يفردون أحد نوعيه باسم، ويبقى الاسم العام مختصًّا بالنوع الآخر، كما في لفظ «ذوي الأرحام» فإنه يعمّ جميع الأقارب مَن يَرث بفرضٍ وتعصيب، ومَن لا فرض له ولا تعصيب، فلما ميّز ذو الفرض والعصبة، صار في عُرف الفقهاء ذوو الأرحام مختصًّا بمن لا فَرض له ولا تعصيب. ثم بيّن أنه بسبب هذا الاشتراك الحادث غلط كثير من الناس في فهم الخطاب بلفظ السعي من هذا الباب، فإنه في الأصل عامٌّ في كل ذهاب ومُضِيّ، وهو السعي المأمور به في القرآن، وقد يخص أحد النوعين باسم المشي، فيبقى لفظ السعي مختصًّا بالنوع الآخر، وهذا هو السعي الذي نهى عنه النبي ﷺ حيث قال: «إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسعون، وأْتُوها وأنتم تمشون». ونقل عن عمر أنه قال بنحو قول ابن مسعود، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا إنّ صح عنه فيكون قد اعتقد أنّ لفظ السعي هو الخاص». ثم قال: «ومما يشبه هذا: السعي بين الصفا والمروة؛ فإنه إنما يُهرول في بطن الوادي بين الميلين. ثم لفظ السعي يُخصّ بهذا، وقد يُجعل لفظ السعي عامًّا لجميع الطواف بين الصفا والمروة، لكن هذا كأنه باعتبار أنّ بعضه سعي خاص»
أفادت الآثارُ اختلافَ أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: ﴿لكلٍ جعلنا منكم﴾ على قولين: أحدهما: المعنيُّ بذلك: أهل الملل المختلفة، أي: أنّ الله جعل لكل مِلّةٍ شريعةً ومنهاجًا. والآخر: المعنيُّ بذلك: أمَّةَ محمد ﷺ. ومعنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلى نبينا محمدٍ ﷺ أيها الناس لكُلِّكم -أي: لكل مَن دخل في الإسلام، وأقرّ بمحمد ﷺ أنه لي نبيٌّ- شرعةً ومنهاجًا. ورجَّحَ ابنُ جرير (٨/٤٩٥) القول الأول، وهو قول عليّ، وقتادة، ومَن تبعهما بدلالة السياق، فقال: «إنما قلنا ذلك أولى بالصواب لقوله: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾. ولو كان عنى بقوله: ﴿لكل جعلنا منكم﴾ أمة محمد -وهم أمّة واحدةٌ-لم يكن لقوله: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ -وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة- معنىً مفهوم. ولكن معنى ذلك على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد ﷺ أنّه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدَّم إليهم فيها بالعمل بما فيها، ثم ذكر أنه قفّى بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنزل عليه الإنجيل، وأمر من بَعثه إليه بالعمل بما فيه. ثم ذكر نبيَّنا محمدًا ﷺ، وأخبره أنه أنزل إليه الكتابَ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره، وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصَّ عليهم قصصَهم، وإن كان دينه ودينهم -في توحيد الله، والإقرار بما جاءهم به من عنده، والانتهاء إلى أمره ونهيه- واحدًا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكل واحد منهم ولأمته فيما أُحِلّ لهم وحُرِّم عليهم». وبنحوه قال ابنُ كثير (٥/٢٤٩). وعلَّقَ ابنُ عطية (٣/١٨٤) مُوَضِّحًا المراد مِن ذلك القول، فقال: «وهذا عندهم في الأحكام، وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم، توحيد وإيمان بالبعث وتصديق للرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عددًا من الأنبياء شرائعهم مختلفة، ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام:٩٠]، فهذا عند العلماء في المعتقدات فقط، وأما في الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾». وبيَّن أن قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكُمْ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: الأمم. الثاني: أن يكون المراد: الأنبياء لا سيما وقد تقدم ذكرهم وذكر ما أنزل عليهم. ثم قال: «وتجيء الآية -مع هذا الاحتمال في الأنبياء- تنبيهًا لمحمد ﷺ، أي: فاحفظ شرعتك ومنهاجك لئلا يستزلك اليهود وغيرهم في شيء منه»
اختُلِف في هذا المثل على قولين: الأول: أنه مثل ضربه الله ﷻ لنفسه، وللأوثان؛ فالله سبحانه وتعالى هو المالك لكل شيء، وينفق كيف يشاء، والأوثان مملوكة عاجزة، لا تقدر على شيء، فهل يستوى هذا وهذا؟! وهذا قول مجاهد، والضحاك. والثاني: أنه مثل ضربه الله عز وجل للمؤمن والكافر؛ فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر، والمرزوق الرزق الحسن فهو ينفق منه سرًّا وجهرًا هو المؤمن. وهذا قول ابن عباس، وقتادة. ورجَّحَ ابنُ عطية، ومثله ابنُ تيمية (٤/١٧٠)، وكذا ابن القيم القول الأول استنادًا إلى السياق، والدلالة العقلية، فقال ابن عطية (٥/٣٨٨): «هذا التأويل أصوب؛ لأن الآية تكون من معنى ما قبلها وبعدها في تبيين أمر الله والرد على الأصنام». وقال ابنُ القيم (٢/١١٤-١١٥): «القول الأول أشبه بالمراد؛ فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبًا بقوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، ثم قال: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾، ومن لوازم هذا المَثَل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقًا حسنًا، والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، فهذا مما نبه عليه المثل، وأرشد إليه، فذكره ابن عباس منبهًا على إرادته، لا أنّ الآية اختصت به، فتأمله فإنك تجده كثيرًا في كلام ابن عباس، وغيره من السلف في فهم القرآن، فيظن الظّانّ أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قوله». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤/٣٠٧) القول الثاني استنادًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «إنما اخترنا القول الذي اخترناه في المثل الأول لأنه -تعالى ذكره- مَثَّل مَثَل الكافر بالعبد الذي وصف صفته، ومَثَّل مَثَل المؤمن بالذي رزقه رزقًا حسنًا فهو ينفق مما رزقه سرًّا وجهرًا، فلم يجز أن يكون ذلك لله مثلًا؛ إذ كان الله إنما مثل الكافر الذي لا يقدر على شيء بأنه لم يرزقه رزقًا ينفق منه سرًّا، ومثل المؤمن الذي وفقه الله لطاعته فهداه لرشده فهو يعمل بما يرضاه الله، كالحر الذي بسط له في الرزق فهو ينفق منه سرًّا وجهرًا، والله -تعالى ذكره- هو الرازق غير المرزوق، فغير جائز أن يمثل إفضاله وجوده بإنفاق المرزوق الرزق الحسن». وعلَّقَ ابنُ عطية (٥/٣٨٨) على القول الثاني بقوله: «التمثيل على هذا التأويل إنما وقع في جهة الكافر فقط، جعل له مثلًا، ثم قرن بالمؤمن المرزوق، إلا أن يكون المرزوق ليس بمؤمن، وإنما هو مثال للمؤمن، فيقع التمثيل من جهتين»
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في مرجع الهاء في قوله تعالى: ﴿إلا لَيَؤُمِنَنَّ بِهِ﴾، وقوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ على أقوال: الأول: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت عيسى عليه السلام. الثاني: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى عليه السلام قبل موت الكتابيّ. الثالث: إلا ليؤمنَنَّ بمحمد ﷺ قبل موت الكتابيّ. وعَلَّق ابنُ كثير (٤/٣٤٥) على القول الثاني والثالث قائلًا: «فأمّا من فسَّر هذه الآية بأنّ المعنى: أن كل كتابيٍّ لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام فهذا هو الواقع، وذلك أنّ كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له إذا كان قد شاهد المَلَك، كما قال تعالى في هذه السورة: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفّارٌ﴾ [النساء:١٨]، وقال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأَْسَنا قالُوا آمَنّا باللهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر:٨٤-٨٥]. ومَن تأمل هذا جيِّدًا وأمعن النظر اتَّضَح له أنّ هذا وإن كان هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا». ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٦٧٢-٦٧٥) مستندًا إلى دلالة السنّة، والعقل، والسياق القول الأول، وهو قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وأبي مالك، وابن زيد. وانتَقَدَ (٧/٦٧٢) القول الثاني بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- حَكَمَ لكل مؤمنٍ بمحمد ﷺ بحكم أهل الإيمان في الموارثة، والصلاة عليه، وإلحاق صغار أولاده بحكمه في الملة، فلو كان كلُّ كتابيٍّ يؤمن بعيسى قبل موته لوَجَب أن لا يرث الكتابيَّ إذا مات على ملته إلا أولاده الصغار، أو البالغون منهم مِن أهل الإسلام، إن كان له ولدٌ صغيرٌ، أو بالغٌ مسلمٌ، وإن لم يكن له ولدٌ صغيرٌ ولا بالغٌ مسلمٌ أن يكون ميراثه منصرفًا حيث ينصرف إليه مال المسلم يموت ولا وارث له، وأن يكون حكمُه حكمَ المسلمين في الصلاة عليه وغسله وتقبيره؛ لأن مَن مات مؤمنًا بعيسى فقد مات مؤمنًا بمحمدٍ وبجميع الرسل». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٤/٣٤٥) مستندًا إلى الدلالة العقلية كلام ابن جرير هذا بقوله: «هذا ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس: ولو تردّى مِن شاهق، أو ضرب بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لا بد أن يؤمن بعيسى. فالإيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع، ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدَّمناه». ووافق ابنُ كثير (٤/٣٤٤-٣٤٥ بتصرف) ابنَ جرير في نقده للقول الثاني مستندًا إلى السياق، والسنّة، فقال: «لأنّه المقصود من سياق الآي في تقرير بُطْلان ما ادَّعته اليهود من قَتْل عيسى وصَلْبه، وتسليم مَن سَلَّم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنّه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم، فقتلوا الشبيه وهم لا يتبيَّنون ذلك، ثم إنّه رفعه إليه، وإنه باقٍ حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلَّت عليه الأحاديث المتواترة، فأخبرت هذه الآية الكريمة: أنّه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم». وانتَقَدَ ابنُ جرير (٧/٦٧٤، ٦٧٥) القول الثالث بقوله: «وأمّا الذي قال: عنى بقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي، فما لا وجْه له مفهوم؛ لأنّه مع فساده مِن الوجه الذي دلَّلنا على فساد قول من قال: عنى به: ليؤمنَنَّ بعيسى قبل موت الكتابيّ. يزيده فسادًا أنّه لم يَجْرِ لمحمد ﷺ في الآيات التي قَبْل ذلك ذِكْرٌ، فيجوز صرف الهاء التي في قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ إلى أنها مِن ذكره، وإنّما قوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ في سياق ذِكْر عيسى وأمه واليهود، فغيرُ جائزٍ صرْفُ الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجةٍ يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبرٍ عن الرسول تقوم به حجة، فأما الدَّعاوى فلا تتعذر على أحدٍ». وانتَقَدَ ابنُ تيمية (٢/٣٦٣-٣٦٤) مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، والعموم، ودلالة العقل القول الثاني والثالث بأنه: «لو آمَنَ به قبل الموت لنفعه إيمانه به، فإنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِر. وإن قيل: المراد به الإيمان الذي يكون بعد الغرغرة، لم يكن في هذا فائدة؛ فإنّ كل أحد بعد موته يؤمن بالغيب الذي كان يجحده، فلا اختصاص للمسيح به، ولأنّه قال: ﴿قبل موته﴾، ولم يقل: بعد موته. ولأنّه لا فرق بين إيمانه بالمسيح وبمحمد -صلوات الله عليهما وسلامه-، واليهودي الذي يموت على اليهودية يموت كافرًا بمحمد والمسيح -عليهما الصلاة والسلام-، ولأنه قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، وقوله: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ فِعْلٌ مُقْسَمٌ عليه، وهذا إنما يكون في المستقبل، فدلَّ ذلك على أنّ هذا الإيمان بعد إخبار الله بهذا، ولو أريد به قبل موت الكتابي لقال: وإن من أهل الكتاب إلا مَن يؤمن به، لم يقل: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾. وأيضًا فإنّه قال: ﴿وإن مِن أهل الكتاب﴾، وهذا يعم اليهود والنصارى، فدلَّ ذلك على أنّ جميع أهل الكتاب اليهود والنصارى يؤمنون بالمسيح قبل موت المسيح، وذلك إذا نزل آمنت اليهود والنصارى بأنّه رسول الله، ليس كاذبًا كما تقول اليهود، ولا هو الله كما تقوله النصارى. والمحافظة على هذا العموم أولى مِن أن يُدَّعى أنّ كل كتابيّ ليؤمنن به قبل أن يموت الكتابيّ، فإنّ هذا يستلزم إيمان كل يهودي ونصراني، وهذا خلاف الواقع، وهو لَمّا قال: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ دلَّ على أنّ المراد بإيمانهم قبل أن يموت هو عُلِم أنّه أُرِيد بالعموم عمومَ مَن كان موجودًا حين نزوله، أي: لا يتخلف منهم أحد عن الإيمان به، لا إيمان من كان منهم ميتًا»
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق أيوب- قال: لَمّا ردّ الله الخاتم إليه لم يُصَلِّ صلاة الصبح يومًا إلا نظر وراءَه، فإذا هو بشجرة خضراء تهتز، فيقول: يا شجرة، أما يأكلك جِنٌّ ولا إنس ولا طير ولا هوام ولا بهائم؟ فتقول: إنِّي لم أُجعل رزقًا لشيء، ولكن دواء مِن كذا، ودواء من كذا. فقام الجن والإنس يقطعونها، ويجعلونها في الدواء، فصلى الصبح ذات يوم والتفت، فإذا بشجرة وراءه، قال: مَن أنتِ، يا شجرة؟ قالت: أنا الخرنوبة. قال: واللهِ، ما الخرنوبة إلا خراب بيت المقدس، واللهِ ما يُخرّب ما كنت حيًّا، ولكني أموت. فدعا بحنوط، فتحنّط وتكفَّن، ثم جلس على كرسيه، ثم جمع كفيه على طرف عصاه، ثم جعلها تحت ذقنه، ومات، فمكث الجن يعملون سنة يحسبون أنه حي، وكانت لا ترفع أبصارها إليه، وبعث الله الأرَضَة، فأكلت طرف العصا، فخَرَّ مُنكَبًّا على وجهه، فعلمتُ الجنُّ أن قد مات، فذلك قوله: ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ ولقد كانت الجن تعلم أنها لا تعلم الغيب، ولكن في القراءة الأولى: (تَبَيَّنَتِ الإنسُ أن لَّوْ كانَ الجِنُّ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي العَذابِ المُهِينِ)[[أخرجه عبد الرزاق ٢/١٢٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]][[c=٥٣٠٧]]
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الرحيم بن عبيد الله- قال: قيل لسليمان: إنّ خيلًا بُلْقًا لها أجنحة تطير بها، وإنها تَرِد ماءَ كذا وكذا مِن جزيرة بحر كذا وكذا. فقال: كيف لي بها؟ قالت الشياطين: نحن لك بها. قال: فانطلقوا، فهيؤوا سلاسل ولُجُمًا، ثم انطلقوا إلى العين التي تَرِدُها، فنَزحوا ماءَها، وسَدُّوا عيونها، وصبُّوا فيها الخمر، فجاءت الخيل وارِدَةً، فشمَّت، فأصابت ريح الخمر، فتخبطتها بقوائمها ولم تشرب، ثم صَدَرَتْ، ثم عادت الغد، فشمَّت الخمر، فخبطتها ولم تشرب منها، ثم صَدَرَت عنها، فلمّا أجهدها العطشُ جاءت، فاقتحمت فيها، فشربت، فسكرت، فذهبت تنهض فلم تقدر عليه، فجاءت الشياطين حتى وضعت عليها اللُّجُم والسلاسل، ثم قعدت عليها، فلمّا أفاقت وطارت وعليها اللجم وقد استوت عليها الشياطين، فلم تزل ترفق بها الشياطين وتعالجها حتى هبطت الخيل إلى القرار، فلم يزالوا بها حتى جاؤوا بها سليمان، فربطها، ووكَّل بها مَن يسوسها، حتى استأنست وأَذْعَنَتْ، فكان سليمانُ قد أُعْجِب بها، فعرضها ذات يوم، فنظر إليها ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ وغفل عن صلاة العصر، فقال: ﴿أحببت حب الخير﴾ يعني: الخيل ﴿عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب* ردوها علي﴾. قال: فرُدَّت عليه، فمسح سوقها وأعناقها بالسيف، فلم يَدَعْ لها نسلًا، فاللهُ أعلم أي ذلك كان
أفادت الآثارُ أنّ مسجد الضرار قد انهار في نار جهنم حقيقة. وخالف ابنُ عطية (٤/٤١٣) فرجَّح أنّ قوله: ﴿فانهار به في نار جهنم﴾ خرج مخرج المثل، ولم يكن حقيقة، فقال: «وقوله: ﴿فانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ الظاهر منه وما صحَّ من خبرهم وهدم رسول الله ﷺ مسجدهم أنّه خارِجٌ مَخْرَج المَثَل، أي: مَثَل هؤلاء المُضارِّين مِن المنافقين في قصدهم معصية الله وحصولهم من ذلك على سخطه كمن ينهار بنيانه في نار جهنم». ثم انتقد مستندًا لعدمِ الثّبوت قولَ مَن جعل ذلك حقيقةً، فقال: «وقيل: بل ذلك حقيقة، وإنّ ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم، قاله قتادة وابن جريج. وروي عن جابر بن عبد الله وغيره أنّه قال: رأيتُ الدخان يخرج منه على عهد رسول ﷺ. ورُوِي في بعض الكتب: أنّ رسول الله ﷺ رآه حين انهار حتى بلغ الأرض السابعة، ففزع لذلك رسول الله ﷺ. ورُوِي: أنهم لم يُصَلُّوا فيه أكثر من ثلاثة أيام، أكملوه يوم الجمعة، وصلوا فيه يوم الجمعة وليلة السبت، وانهار يوم الاثنين. وهذا كله بإسناد لين، وما قدمناه أصوب وأصح، وكذلك بقي أمره والصلاة فيه مِن قبل سفر رسول الله ﷺ إلى تبوك إلى أن قَفَل منها»
قال مقاتل بن سليمان: لَمّا سمع أبو ياسر بن أخْطَب اليهودي بهؤلاء الآيات قال لأخيه جُدَيّ بن أخطب: لقد سمعتُ من محمد كلمات أنزلهن الله على موسى بن عمران. فقال جُدَيٌّ لأخيه: لا تَعْجَل حتى تَتَثَبَّتَ في أمره. فعَمَدَ أبو ياسر وجُدَيُّ ابنا أخْطَب، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد، ومالك بن الضَّيْف، وحُيَيّ بن أخْطَب، وسعيد بن عمرو الشاعر، وأبو لُبابة بن عمرو، ورؤساء اليهود، فأتَوُا النبي - ﷺ -، فقال جُدَيٌّ للنبي - ﷺ -: يا أبا القاسم، أخْبَرَني أبو ياسر بكلمات تقولهنَّ آنفًا. فقرأهنَّ النبي - ﷺ -، فقال جُدَيٌّ: صدقتم، أمّا ﴿الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (٢) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ فنحن هم، وأما ﴿الذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ فهو كتابك، ﴿وما أنزل من قبلك﴾ فهو كتابنا، ﴿وبالآخرة هم يوقنون (٤) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ فأنتم هم، قد آمنتم بما أُنزِل إليكم وإلينا، وآمنتم بالجنة والنار، فآيتان فينا، وآيتان فيكم. ثم قالوا للنبي - ﷺ -: نَنشُدُكَ بالله أنّها نزلت عليك من السماء؟ فقال النبي - ﷺ -: «أشهد بالله أنها نزلت عَلَيَّ من السماء». فذلك قوله سبحانه في يونس: ﴿ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي﴾، يعني: ويستخبرونك أحق هو؟ ﴿قل إي وربي﴾ يعني: بلى وربي، ﴿إنه لحق﴾.... فآيتان من أول هذه السورة نزلتا في أصحاب النبي - ﷺ - المهاجرين والأنصار، والآيتان اللتان تلِيانِهِما نزلتا في مشركي العرب، وثلاث عشرة آية في المنافقين من أهل التوراة