عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني الليلةَ ربي في أحسن صورة -أحسبه قال: في المنام- فقال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا. فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي -أو قال: في نحري-، فعلمتُ ما في السموات وما في الأرض، ثم قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الكفارات، والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، ومَن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان مِن خطيئته كيوم ولدته أمه. وقل -يا محمد- إذا صليت: اللهم، إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. قال: والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام»[[أخرجه أحمد ٥/٤٣٧-٤٣٨ (٣٤٨٤)، والترمذي ٥/٤٤٢-٤٤٣ (٣٥١٤)، وعبد الرزاق بنحوه ٣/١٢٦ (٢٦١٢). قال الترمذي: «وقد ذكروا بين أبي قلابة وبين ابن عباس في هذا الحديث رجلًا، وقد رواه قتادة عن أبي قلابة عن خالد بن اللجلاج عن ابن عباس». وقال محمد بن نصر في قيام الليل ص٥٥: «هذا حديث قد اضطربت الرواة في إسناده على ما بيّنا، وليس يثبت إسناده عند أهل المعرفة بالحديث». وقال الألباني في الإرواء ٣/١٤٧-١٤٨ (٦٨٤): «صحيح».]][[c=٥٥٩٢]]
عن زيد بن ثابت: أنّ رسول الله ﷺ علّمه دعاء، وأَمَره أن يَتعاهده، ويَتعاهد به أهله كلّ يوم، قال: «قُلْ حين تُصبح: لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك وسَعْدَيْك، والخير في يديك، ومنك وبك وإليك، اللهم، ما قلتُ من قول أو حَلفتُ من حَلِف أو نَذرتُ من نَذْر فمشيئتك بين يدي ذلك، ما شئتَ كان وما لم تشأ لم يكن، لا حَوْل ولا قوة إلا بك، إنك على كل شيء قدير، اللهم، ما صلَّيتُ من صلاة فعلى مَن صَلَّيتَ، وما لعنتُ من لعْنٍ فعلى مَن لَعنتَ، أنت وليّي في الدنيا والآخرة، تَوفّني مُسلمًا وأَلْحقني بالصالحين، أسألك -اللهم- الرضا بعد القضاء، وبَرْد العَيْش بعد الموت، ولذّة النّظر إلى وجهك، وشَوقًا إلى لقائك، من غير ضراءَ مُضِرّة، ولا فتنةٍ مُضِلّة، أعوذ بك أنْ أظلِم أو أُظلَم، أو أعتدي أو يُعتدى عليَّ، أو أكسِب خطيئة أو ذنبًا لا تَغفره، اللهم، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ذا الجلال والإكرام، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا، وأُشهدك -وكفى بك شهيدًا- أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك المُلك ولك الحمد، وأنت على كل شيء قدير، وأشهد أنّ محمدًا عبدك ورسولك، وأشهد أنّ وعدك حقٌّ، ولقاءك حقٌّ، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنتَ تَبعث مَن في القبور، وأشهد أنك إن تَكِلني إلى نفسي تَكِلني إلى وهنٍ وعوْرة وذنبٍ وخطيئة، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاغفر لي ذنبي كلّه، إنه لا يَغفر الذّنوب إلا أنت، وتُب عليّ إنك أنت التواب الرحيم»
اختلف في معنى «الواحدة» التي وُعِظوا بها على قولين، وهذا الاختلاف انبنى عليه اختلافهم في معنى القيام، والتفكر، والوقف على ﴿تتفكروا﴾؛ فمن قال بأن الواحدة التي وُعِظوا بها هي الطاعة والإخلاص والعبادة، كان معنى القيام عنده: هو قيامهم بحق هذه الكلمة من الطاعة والإخلاص والعبادة، ويكون التفكر: في آيات الله والإيمان به، والوقف على ﴿تتفكروا﴾، قال ابنُ عطية (٧/١٩٤): «وقوله: ﴿تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى﴾ يحتمل أن يريد بالطاعة والإخلاص والعبادة، فتكون الواحدة التي وعظ بها هذه، ثم عطف عليها أن تتفكَّروا في أمره هو، هل به جنة أو هو بريءٌ من ذلك؟ والوقف عند أبي حاتم ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾، فيجيء ﴿ما بِصاحِبِكُمْ﴾ نفيًا مستأنفًا، وهو عند سيبويه جواب ما تنزل منزلة القسم؛ لأن»تَفَكَّرَ«من الأفعال التي تعطي التحقيق، كتَبَيَّن، وتكون الفكرة -على هذا- في آيات الله والإيمان به». ومن قال بأن الواحدة التي وُعِظوا بها هي القيام مثنى وفرادى للتفكر في أمر محمد ﷺ هل به جنة أم لا؟ كان معنى القيام والتفكر عنده: أن يكون لوجه الله للتفكير في أمر محمد ﷺ بأن يفكر الواحد بينه وبين نفسه، ويكون الوقف على ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِن جِنَّة﴾، قال ابنُ عطية: «ويحتمل أن يريد بقيامهم: أن يكون لوجه الله في معنى التفكير في محمد عليه الصلاة والسلام، فتكون الواحدة التي وعظ بها ﴿أنْ تَقُومُوا﴾، والمعنى: الفكرة: أن تقوموا للفكرة في أمر صاحبهم، وكأن المعنى: أن يفكر الواحد بينه وبين نفسه، وتتناظم الآيتان على جهة طلب التحقيق هل بمحمد ﷺ جِنَّة أم لا؟ وعلى هذا لا يوقف على الفكرة»
أفادت الآثار اختلاف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية على أربعة أقوال: أولها: أنها نزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر، بقوله لبني قريظة حين حاصرهم النبيّ ﷺ: إنما هو الذَّبح، فلا تنزلوا على حكم سعد. ثانيها: أنها نزلت في رجل من اليهود سأل رجلًا من المسلمين يسألُ رسول الله ﷺ عن حُكمه في قتِيلٍ قتله. ثالثها: أنها نزلت في عبد الله بن صوريا، وذلك أنه ارتدَّ بعد إسلامه. رابعها: عُني بذلك المنافقون. ورجَّحَ ابنُ جرير (٨/٤١٨-٤١٩) القولَ الثالث مستندًا إلى رواية الصحابة له، فقال: «وأَوْلى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يُقال: عني بقوله: ﴿لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾ قومٌ من المنافقين، وجائزٌ أن يكون كان مِمَّن دخل في هذه الآية ابنُ صوريا، وجائز أن يكون أبو لبابة، وجائز أن يكون غيرُهما، غير أن أثبت شيء روي في ذلك ما ذكرناه من الرواية قبلُ عن أبي هريرة والبراء بن عازب؛ لأنّ ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ. وإذا كان ذلك كذلك كان الصحيحُ من القول فيه أن يُقال: عُنِي به: عبد الله بن صوريا. وإذا صحّ ذلك كان تأويل الآية: يا أيُّها الرسول، لا يحزنك الذين يسارعون في جحود نبوّتك والتكذيبِ بأنك لي نبي، من الذين قالوا: صدَّقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث، وعلمنا بذلك يقينًا، بوجودنا صِفَتك في كتابنا. وذلك أنّ في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن إسحاق عن الزهري: أنّ ابن صُوريا قال لرسول الله ﷺ: أما والله يا أبا القاسم، إنهم ليعلمون أنّك نبيٌّ مُرسَل، ولكنهم يحسدونك. فذلك كان -على هذا الخبر- من ابن صوريا إيمانًا برسول الله ﷺ بفيه، ولم يكن مصدِّقًا لذلك بقلبه، فقال الله جل وعزّ لنبيه محمد ﷺ مُطْلِعَه على ضمير ابن صوريا وأنه لم يؤمن بقلبه، يقول: ولم يصدِّق قلبُه بأنك لله رسول مرسل». وساق ابنُ عطية (٣/١٦٨) خلاف المفسرين في سبب نزول الآية وفيمن عني بها، ثم بيَّن أنّ ترتيب معنى الآية بحسب أقوالهم يحتمل احتمالين: الأول: أن يكون المعنى: يا أيها الرسول لا يحزنك المسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود، ويكون قوله: ﴿سَمّاعُونَ﴾ خبر ابتداء مضمر. الثاني: أن يكون المعنى: لا يحزنك المسارعون في الكفر من اليهود ووصفهم بأنهم ﴿قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ إلزامًا منه ذلك لهم من حيث حرَّفوا توراتهم وبدَّلوا أحكامها، فهم يقولون بأفواههم نحن مؤمنون بالتوراة وبموسى، وقلوبهم غير مؤمنة من حيث بدلوها وجحدوا ما فيها من نبوة محمد ﷺ وغير ذلك مما كفر منهم. ثم علَّق على الاحتمال الثاني، بقوله: «ويؤيد هذا التأويل قوله بعد هذا: ﴿وما أُولئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾، ويجيء -على هذا التأويل- قوله: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ كأنه قال:»ومنهم"" لكن صرح بذكر اليهود من حيث الطائفة السماعة غير الطائفة التي تبدل التوراة على علم منها». وذكر (٣/١٧٤) أنّ قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يُقوِّي هذا الاحتمال أيضًا
ذكر ابن تيمية (٧/٢٠٩) أنّ طائفة من المفسرين قالوا: «أنّ هذه السورة منسوخة، أي: فيما ظنوها دلّتْ عليه من تَرْك القتال، فإنهم ظنوا أنّ قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾ يتضمّن تَرْك القتال». ثم انتقدهم -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «ومعلوم أنّ الله لم يأمر نبيّه بمكة بالقتال، بل إنما أمره بالقتال بالمدينة، وأول آية نزلت في القتال قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، فأذن الله لهم أولًا فيه، ثم كتب عليهم ثانيًا، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]»، ثم رجَّح -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «والصواب أنّ هذه الآية لم تتعرض للقتال لا بأمر ولا بنهي، بل مضمونها البراءة من دين الكفار، وهذا أمرٌ مُحكَم لا ينسخ أبدًا، وأمّا أن يقال فيها أو في غيرها رضي الرسول بدين كافرٍ فهذا لم يقُله أحدٌ مِن علماء المسلمين أصلًا، ولا أحد من سلف الأُمّة، ولا من الأولين ولا من الآخرين، ولا يقول ذلك إلا مَن هو مُفْتَرٍ على الله ورسوله، لم يرض الله بغير دين الإسلام، وهو الذي بعث الله به محمدًا لم يرض الله ولا رسوله من أحد من الخَلْق بغير هذا الدين قطّ، وإن كان لم يأمر بجهادهم في أول الأمر لعجْز المسلمين وقلّتهم». وانتقد ابنُ القيم (٣/٣٧٩) قول مقاتل -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وقد غلط في السورة خلائق، وظنوا أنها منسوخة بآية السيف؛ لاعتقادهم أنّ هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظنّ آخرون أنها مخصوصة بمن يُقرّون على دينهم وهم أهل الكتاب، وكلا القولين غلط محض، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة، وعمومها نصٌّ محفوظ، وهي مِن السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإنّ أحكام التوحيد التي اتفقتْ عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه، وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تُسمّى سورة الإخلاص كما تقدم. ومنشأ الغلط: ظنهم أنّ الآية اقتضتْ إقرارهم على دينهم، ثم رأوا أنّ هذا الإقرار زال بالسيف، فقالوا: منسوخ. وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار، وهم مَن لا كتاب لهم، فقالوا: هذا مخصوص بأهل الكتاب. ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضتْ تقريرًا لهم أو إقرارًا على دينهم أبدًا، بل لم يزل رسول الله من أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد في الإنكار عليهم، وعيب دينهم، وتقبيحه والنهي عنه، والتهديد والوعيد كلّ وقت، وفي كلّ نادٍ، وقد سألوه أن يكُفّ عن ذِكْر آلهتهم، وعيب دينهم، ويتركونه وشأنه، فأبى إلا مُضيًّا على الإنكار عليهم وعيب دينهم، فكيف يقال: إنّ الآية اقتضتْ تقريره لهم؟ معاذ الله مِن هذا الزعم الباطل، إنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم، وأنّ ما هم عليه مِن الدين لا نوافقكم عليه أبدًا، فإنه دين باطل، فهو مختصٌّ بكم، لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق، فهذا غاية البراءة والتنصُّل مِن موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يَدَّعوا النسخ أو التخصيص؟! أفَترى إذا جُوهدوا بالسيف كما جُوهدوا بالحجّة لا يصح أن يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾؟! بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يُطهِّر الله منهم عباده وبلاده»
عن عبادة بن الصامت، قال: صلّى بنا رسولُ الله ﷺ، فتخَطّى إليه رجلان؛ رجل من الأنصار، ورجل من ثقيف، سبق الأنصاريُّ الثقفيَّ، فقال رسول الله ﷺ للثقفي: «إنّ الأنصاريَّ قد سبقك بالمسألة». فقال الأنصاري: لعله -يا رسول الله- أن يكون أعجل مِنِّي؛ فهو في حلٍّ. قال: فسأله الثقفي عن الصلاة، فأخبره، ثم قال رسول الله ﷺ للأنصاري: «إن شئتَ خبرتك بما جئت تسأل عنه، وإن شئت سألتني، فأخبر بذلك». فقال: يا رسول، الله تخبرني. فقال: «جئت تسألني: ما لَك مِن الأجر إذا أمَمْتَ البيت العتيق، وما لك من الأجر في وقوفك في عرفة، وما لك من الأجر في رميك الجمار، وما لك من الأجر في حلق رأسك، وما لك من الأجر إذا ودعت البيت». فقال الأنصاري: والذي بعثك بالحق، ما جئت أسألك عن غيره. قال: «فإنّ لك من الأجر إذا أمَمْتَ البيت العتيق ألا ترفع قدمًا أو تضعها أنت ودابتك إلا كتبت لك حسنة، ورفعت لك درجة، وأمّا وقوفك بعرفة فإن الله عز وجل يقول لملائكته: يا ملائكتي، ما جاء بعبادي؟ قالوا: جاؤوا يلتمسون رضوانك والجنة. فيقول الله عز وجل: فإنِّي أُشهِد نفسي وخلقي أنِّي قد غفرتُ لهم عدد أيام الدهر، وعدد القطر، وعدد رمل عالِج. وأما رميك الجمار فإنّ الله عز وجل يقول: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وأما حلقك رأسك فإنه ليس من شعرك شعرةٌ تقع في الأرض إلا كانت لك نورًا يوم القيامة، وأما البيت إذا ودَّعت فإنك تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾، وذلك أنّ النبي ﷺ وأصحابه كانوا بمكة يُصَلُّون ركعتين بالغداة، وركعتين بالعَشِيِّ، فلمّا عُرِج بالنبي ﷺ إلى السماء ليلًا أُمِر بالصلوات الخمس، فصارت الركعتان للمسافر، وللمقيم أربع ركعات، فلمّا هاجر إلى المدينة لليلتين خَلَتا من ربيع الأول أُمِر أن يُصَلِّي نحو بيت المقدس؛ لِئَلّا يُكَذِّب به أهل الكتاب إذا صلّى إلى غير قِبْلتهم، مع ما يجدون من نعته في التوراة. فصلّى النبيُّ ﷺ وأصحابه قِبَل بيت المقدس من أوّل مَقْدمه المدينة سبعة عشر شهرًا، وصلَّت الأنصار قِبَل بيت المقدس سنتين قَبْل هجرة النبي ﷺ، وكانت الكعبةُ أحبَّ القبلتين إلى النبي ﷺ، فقال لجبريل عليه السلام: وددت أنّ ربي صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها. فقال جبريل عليه السلام: إنّما أنا عبدٌ مثلك لا أملك شيئًا، فاسأل ربك ذلك. وصعد جبريل إلى السماء، وجعل النبيُّ ﷺ يُديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل عليه السلام بما سأل؛ فأنزل الله عز وجل في رجب، عند صلاة الأولى، قبل قتال بدر بشهرين: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾. ولَمّا صُرِفَت القِبْلة إلى الكعبة قال مشركو مكة: قد تَرَدَّد على أمره، واشتاق إلى مولد آبائه، وقد توجّه إليكم وهو راجع إلى دينكم. فكان قولهم هذا سَفَهًا منهم؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾، يعني: مُشرِكي مكة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ بالقتل، ﴿ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، وذلك أنّ بني كعب قاتلوا خزاعة، فهزموهم، وقتلوا منهم، وخزاعة صلح النبي ﷺ، وأعانهم كفارُ مكة بالسلاح على خزاعة، فاستحل النبيُّ ﷺ قتالَ كفارِ مكة بذلك، وقد ركب عمرُو بن عبد مناة الخزاعي إلى النبي ﷺ بالمدينة مستعينًا به، فقال له: اللهم إني ناشد محمدا... حلف أبينا وأبيه الأتلدا كان لنا أبًا وكُنّا ولدا... نحن ولدناكم فكنتم ولدا ثُمَّت أسلمنا ولم ننزع يدا... فانصر رسول الله نصرا أيِّدا وادع عباد الله يأتوا مددا... فيهم رسول الله قد تجردا في فيلق كالبحر يجري مزيدا... إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا... ونصبوا لي في الطريق مرصدا وبيتونا بالوتير هجدا... وقتَّلُونا رُكَّعًا وسُجَّدا وزعموا أن لستُ أدعو أحدا... وهم أذلُّ وأقلُّ عددا قال: فدمعت عينا النبيِّ ﷺ، ونظر إلى سحابة قد بعثها الله عز وجل، فقال: «والذي نفسي بيده، إنّ هذه السحابة لَتَسْتَهِلُّ بنصر خزاعة على بني ليث بن بكر». ثم خرج النبيُّ ﷺ من المدينة، فعسكر، وكتب حاطِبُ إلى أهل مكة بالعَسْكَر، وسار النبيُّ ﷺ إلى مكة، فافتتحها، وقال لأصحابه: «كُفُّوا السلاح إلا عن بني بكر إلى صلاة العصر». وقال لخزاعة أيضًا: «كُفُّوا إلا عن بني بكر». فأنزل الله تعالى: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾
عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أعلم بِما مع الدجال منه، معه نهران؛ أحدهما: نار تَأَجَّج في عين مَن رآه. والآخر: ماء أبيض. فإن أدركه أحدٌ منكم فليغمض، وليشرب مِن الذي يراه نارًا؛ فإنّه ماء بارد، وإياكم والآخَرَ، فإنّه الفتنة. واعلموا أنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه مَن يكتب ومَن لا يكتب، وإن إحدى عينيه ممسوحة، عليها ظَفَرَةٌ، إنّه يطلع مِن آخر أمرِه على بطن الأردن على ثَنِيَّة أفِيقٍ، وكل أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ببطن الأردن، وإنه يقتل مِن المسلمين ثلثًا، ويهزم ثلثًا، ويجِنُّ عليهم الليل، فيقول بعضُ المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربكم؟ مَن كان عنده فضل طعام فليغدُ به على أخيه، وصلُّوا حين ينفجر الفجر، وعجِّلوا الصلاة، ثم اقلوا على عدوكم. فلما قاموا يُصَلُّون نزل عيسى ابن مريم أمامهم، فصلّى بهم، فلما انصرف قال هكذا: أفرجوا بيني وبين عدو الله. فيذوب، وسلَّط الله عليهم المسلمين فيقتلونهم، حتى إنّ الشجر والحجر لينادي: يا عبد الله، يا عبد الرحمن، يا مسلم، هذا يهوديٌّ، فاقتله. فيقتلهم الله، ويظهر المسلمون، فيكسرون الصليب، ويقتلون الخنزير، ويضعون الجزية، فبينما هم كذلك أخرج الله أهل يأجوج ومأجوج، فيشرب أولُهم البحيرة، ويجيء آخرهم وقد انتَشَفُوه، فما [يَدَعُون] فيه قطرة، فيقولون: ظَهَرْنا على أعدائنا، قد كان هاهنا أثرُ ماء. فيجيء نبيُّ الله وأصحابُه وراءَه حتى يدخلوا مدينة من مدائن فلسطين يُقال لها: لُدٌّ، فيقولون: ظهرنا على مَن في الأرض، فتعالوا نقاتل مَن في السماء. فيدعو الله نبيَّه عند ذلك، فيبعث الله عليهم قرحة في حلوقهم، فلا يبقى منهم بشر، فيؤذي ريحُهم المسلمين، فيدعو عيسى، فيرسل اللهُ عليهم ريحًا، فتقذفهم في البحر أجمعين»
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ على أقوال: الأول: عنى بذلك: أنّه حَرَّم علينا كلَّ معاني صيد البر؛ من اصطياد، وأكل، وقتل، وبيع، وشراء، وإمساك، وتَمَلُّك. الثاني: أي: ما صاده المُحرِم، أو صِيدَ له، أو ذبحه، أو ذُبح له حال إحرامه. الثالث: أنّ النهي عن الصيد خاصة دون سائر المعاني. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٧٤٦) مستندًا إلى عموم الآية، والسنة النبوية القولَ الأولَ، فقال: «والصوابُ في ذلك من القول عندنا أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- عمَّ تحريمَ كل معاني صيد البر على المُحْرِم في حال إحرامه، مِن غير أن يَخُصَّ من ذلك شيئًا دون شيءٍ، فكلُّ معاني الصيد حرامٌ على المُحْرِم ما دام حرامًا؛ بيعه، وشراؤه، واصطياده، وقَتْلُه، وغير ذلك من معانيه، إلا أن يجده مذبوحًا قد ذَبَحه حلالٌ لحلالٍ، فيَحِلُّ له حينئذٍ أكله، للثابت من الخبر عن رسول الله ﷺ الذي حدثناه... عن عبد الرحمن بن عثمان، قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُمٌ، فأُهْدِي لنا طائرٌ، فمِنّا من أكل، ومِنّا مَن تورَّع فلم يأكل. فلما استيقظ طلحة وفَّقَ مَن أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ». وذكر ابنُ عطية (٣/٢٦٥) عدة أقوال في المسألة، منها: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان لا يرى بأسًا للمُحْرِم أن يأكل لحم الصيد الذي صاده الحلال لحلالٍ مثله ولِنَفْسِه، وذكر بعده عدة أقوال عن غيره من الصحابة، ثم رجَّح مستندًا إلى السنّة قائلًا: «وقال بمثل قول عمرَ بن الخطاب عثمانُ بن عفان رضي الله عنه، والزبير بن العوام، وهو الصحيح؛ لأنّ النبي ﷺ أكل من الحمار الذي صاده أبو قتادة وهو حلالٌ والنبي عليه الصلاة والسلام مُحْرِمٌ»