اختُلف في قوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ على أقوال: الأول: إلا أن تودُّوني في قرابتي منكم، وتَصِلوا رحمي بيني وبينكم. الثاني: قل لمن تبعك من المؤمنين: لا أسألكم على ما جئتكم به أجرًا إلا أن تودُّوا قرابتي. الثالث: قل لا أسألكم أيها الناس على ما جئتكم به أجرًا إلا أن توَدُّدوا إلى الله، وتتقرَّبوا بالعمل الصالح والطاعة. الرابع: إلا أن تَصِلوا قرابتكم. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٠/٥٠٢) -مستندًا إلى اللغة- القول الأول، وانتقد القول الثاني والثالث، فقال: «وإنما قلت: هذا التأويل أولى بتأويل الآية لدخول ﴿في﴾ في قوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾، ولو كان معنى ذلك على ما قاله من قال: إلا أن تودّوا قرابتي، أو تقرّبوا إلى الله. لم يكن لدخول ﴿في﴾ في الكلام في هذا الموضع وجه معروف، ولكان التنزيل: إلا مودّة القُربى. إن عنى به الأمر بمودّة قرابة رسول الله ﷺ، أو إلا المودّة بالقُربى، أو: ذا القُربى. إن عنى به التودّد والتقرب. وفي دخول ﴿في﴾ في الكلام أوضح الدليل على أن معناه: إلا مودّتي في قرابتي منكم، وأن الألف واللام في المودة أدخلتا بدلًا من الإضافة، كما قيل: ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ [النازعات:٤١]». ورجّح ابنُ تيمية (٥/٤٩٥-٤٩٧) القول الأول، وانتقد -مستندًا إلى أقوال السلف، واللغة، والنظائر- قول من جعلها في علي وفاطمة وذريتهم مِن وجوه: أحدها: أن ابن عباس سُئِل عن قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾، فقيل: أن لا تؤذوا محمدًا في قرابته. فقال ابن عباس: عجلت، إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله ﷺ فيهم قرابة، فقال: لا أسألكم عليه أجرًا، لكن أسألكم أن تَصِلوا القرابة التي بيني وبينكم. فهذا ابن عباس ترجمان القرآن، وأعلم أهل البيت بعد علي، يقول: ليس معناها مودّة ذوي القُربى، لكن معناها: لا أسألكم -يا معشر العرب ويا معشر قريش- عليه أجرًا، لكن أسألكم أن تَصِلوا القرابة التي بيني وبينكم، فهو سأل الناس الذين أُرسل إليهم أولًا أن يَصِلوا رحمه، فلا يعتدوا عليه حتى يبلغ رسالة ربه. ثانيها: أنه قال: ﴿لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾، لم يقل: إلا المودّة للقُربى، ولا المودّة لذوي القُربى. فلو أراد المودّة لذوي القُربى لقال: المودّة لذوي القُربى، كما قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾ [الأنفال:٤١]، وقال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى﴾ [الحشر:٧]. ثالثها: أنّ القُربى معرّفة باللام، فلابد أن يكون معروفًا عند المخاطبين الذين أُمر أن يقول لهم: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا﴾ وقد ذكرنا أنها لما نزلت لم يكن قد خُلق الحسن ولا الحسين، ولا تزوج علي بفاطمة. فالقُربى التي كان المخاطبون يعرفونها يمتنع أن تكون هذه، بخلاف القُربى التي بينه وبينهم، فإنها معروفة عندهم. وبنحوه قال ابنُ كثير (١٢/٢٧١)
قال ابنُ تيمية (٦/٦٤-٦٥) تعليقًا على هذا الحديث: ""بيّن لهم أولًا: أنّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم، وإن لم يكن ابن نبي ولا أبا نبي، فإبراهيم النبي ﷺ أكرم على الله من يوسف، وإن كان أبوه آزر، وهذا أبوه يعقوب. وكذلك نوح أكرم على الله من إسرائيل، وإن كان هذا أولاده أنبياء، وهذا أولاده ليسوا بأنبياء. فلمّا ذكروا أنه ليس مقصودهم إلا الأنساب، قال لهم: فأكرم أهل الأنساب مَن انتسب إلى الأنبياء، وليس في ولد آدم مثل يوسف؛ فإنه نبي ابن نبي ابن نبي. فلما أشاروا إلى أنه ليس مقصودهم إلا ما يتعلق بهم، قال: «أفعن معادن العرب تسألوني؟». الناس معادن كمعادن الذهب والفِضّة، «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» بيّن أن الأنساب كالمعادن، فإن الرجل يتولد منه كما يتولّد من المعدن الذهب والفِضّة. ولا ريب أن الأرض التي تُنبتُ الذّهب أفضل من الأرض التي تُنبت الفِضّة. فهكذا مَن عُرِف أنه يلد الأفاضل، كان أولاده أفضل مِمَّن عُرف أنه يلد المفضول. لكن هذا سبب ومظنة، وليس هو لازمًا؛ فربما تعطلت أرض الذّهب، وربما قلَّ نَبْتها، فحينئذ تكون أرض الفِضّة أحبَّ إلى الإنسان من أرضٍ مُعطّلة، والفِضّة الكثيرة أحب إليهم من ذهبٍ قليل لا يماثلها في القدر، فلهذا كانت أهل الأنساب الفاضلة يُظن بهم الخير، ويُكرمون لأجل ذلك، فإذا تحقّق من أحدهم خلاف ذلك، كانت الحقيقة مُقدّمة على المظنّة، وأما [ما] عند الله فلا يثبت على المظان ولا على الدلائل، إنما يثبت على ما يعمله هو من الأعمال الصالحة، فلا يحتاج إلى دليل، ولا يجتزئ بالمظنّة، فلهذا كان أكرم الخلق عنده أتقاهم. فإذا قُدِّر تماثل اثنين عنده في التقوى تماثلًا في الدرجة، وإن كان أبو أحدهما أو ابنه أفضل من أبي الآخر أو ابنه، لكن إن حصل له بسبب نسبه زيادة في التقوى كان أفضل لزيادة تقواه. ولهذا حصل لأزواج النبي ﷺ إذا قنتن لله ورسوله وعملن صالحًا، لا لمجرد المصاهرة، بل لكمال الطاعة، كما أنهن لو أتين بفاحشة مبيّنة لضوعف لهُنّ العذاب ضعفين؛ لقبح المعصية. فإنّ ذا الشرف إذا ألزم نفسه التقوى كان تقواه أكمل من تقوى غيره، كما أنّ الملِك إذا عدل كان عدله أعظم من عدل الرجل في أهله. ثم إنّ الرجل إذا قصد الخير قصدًا جازمًا، وعمل منه ما يقدر عليه، كان له أجر كامل، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إن بالمدينة رجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم». قالوا: وهم في المدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبَسهم العُذر». ولهذا قال النبي ﷺ في الصحيح: «مَن دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مثل أجور مَن اتّبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار مَن اتّبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا»
اختُلف في قوله: ﴿والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ على أقوال:الأول: أنّ الذين آمنوا بالله ورسله هم الصِّدِّيقون وهم الشهداء عند ربهم. وعلَّق عليه ابنُ القيم (٣/١٣٠) بقوله: «وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشهدهم الله على الناس يوم القيامة وهو قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وهم المؤمنون، فوصفهم بأنهم صِدِّيقون في الدنيا وشهداءُ على الناس يوم القيامة، ويكون الشهداء وصفًا لجملة المؤمنين الصديقين». الثاني: أن قوله: ﴿أولئك هم الصديقون﴾ كلام تام. وقوله: ﴿والشهدآء عند ربهم﴾ كلام مبتدأ. وفيهم قولان: الأول: أنهم الرسل يشهدون على أممهم بالتصديق والتكذيب. الثاني: أنهم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة. الثالث: أنهم القتلى في سبيل الله لهم أجرهم عند ربهم، يعني ثواب أعمالهم. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٤١٥) -مستندًا إلى الأغلب لغة- القول الثالث الذي قاله ابن عباس من طريق العَوفيّ، ومسروق، والضَّحّاك، وأبي الضحى، فقال: «لأن ذلك هو الأغلب من معانيه في الظاهر، وإنّ الإيمان غير موجب في المتعارف للمؤمن اسم شهيد لا بمعنى غيره، إلا أن يراد به شهيد على ما آمن به وصدّقه، فيكون ذلك وجهًا، وإن كان فيه بعض البُعد؛ لأن ذلك ليس بالمعروف من معانيه إذا أطلق بغير وصل، فتأويل قوله: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم﴾ إذن: والشهداء الذين قُتلوا في سبيل الله أو هلكوا في سبيله عند ربهم لهم ثواب الله إياهم في الآخرة ونورهم». ورجَّح ابنُ القيم (٣/١٣٠) القول الثاني -مستندًا إلى اللغة، والدلالة العقلية- بما مفاده الآتي: ١- أنه لو كان الشهداء داخلًا في جملة الخبر لكان قوله تعالى: ﴿لَهُم أجْرُهُمْ ونُورُهُمْ﴾ داخلًا أيضًا في جملة الخبر عنهم، ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنهم هم الصِّدّيقون. والثاني: أنهم هم الشهداءُ. والثالث: أنّ لهم أجرهم ونورهم، وذلك يتضمن عطف الخبر الثانى على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مجردًا عن العطف، وهذا كما تقول: زيد كريم وعالم له مال. والأحسن في هذا تناسب الأخبار بأن تُجرّدها كلّها من العطف أو تعطفها جميعًا فتقول: زيد كريم عالم له مال، أو كريم وعالم وله مال. ٢- أنّ الكلام يصير جُمَلًا مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلْقه السعداء، وهم الصِّدِّيقون والشهداء والصالحون، وهم المذكورون في الآية، وهم المتصدقون الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا، فهؤلاء ثلاثة أصناف، ثم ذكر الرسل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ﴾ [الحديد:٢٥]، فيتناول ذلك الأصناف الأربعة المذكورة في سورة النساء
عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس، قال: قام موسى خطيبًا لنبي إسرائيل، فأبلغ في الخطبة، وعَرَض في نفسه أنّ أحدًا لم يؤتَ مِن العلم ما أوتي، وعلِم الله الذي حدَّث نفسه من ذلك، فقال له: يا موسى، إنّ مِن عبادي مَن قد آتيتُه مِن العلم ما لم أُوتِك. قال: فادللني عليه حتى أتعلَّم منه. قال: يدلُّك عليه بعضُ زادِك. فقال لفتاه يوشع: ﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا﴾. فكان في ما تزوَّداه حوتًا مُمَلَّحًا، وكانا يصيبان مِنه عند العشاء والغداء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر وضع فتاه المكتل على ساحل البحر، فأصاب الحوتُ ندى الماء، فتحرك في المكتل، فقلب المكتل، وأسرب في البحر، فلما جاوز أحضر الغداء، فقال: ﴿ءاتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا﴾. ذكر الفتى، قال: ﴿أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا﴾. فذكر موسى ما كان عُهِد إليه: إنّه يدلُّك عليه بعضُ زادك. قال: ﴿ذلك ما كنا نبغ﴾. أي: هذه حاجتنا، ﴿فارتدا على آثارهما قصصا﴾ يَقُصّان آثارهما، حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل فيها الحوت ما فعل، وأبصر موسى أثر الحوت، فأخذا أثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر البحر، ﴿فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا﴾. فأقرَّ له بالعلم، قال: ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. قال: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا. قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا﴾. يقول: حتى أكون أنا أُحْدِث ذلك لك. ﴿فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها﴾ إلى قوله: ﴿فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما﴾ على ساحل البحر في غِلمان يلعبون، فعمد إلى أجودهم وأصبحهم، فقتله، قال: ﴿أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا. قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا﴾. قال ابن عباس: فقال رسول الله ﷺ: «فاستحيا نبيُّ الله موسى عند ذلك». فقال: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها﴾ إلى قوله: ﴿سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا. أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾. قال: وهي في قراءة أبي بن كعب: (يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ غَصْبًا). ﴿فأردت أن أعيبها﴾ حتى لا يأخذها الملك، فإذا جاوزوا الملك رَقَعُوها، فانتفعوا بها، وبقيت لهم، ﴿وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين﴾ إلى قوله: ﴿وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة﴾ إلى قوله: ﴿ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا﴾. قال: فجاء طائر هذه الحُمَّرَة فيَلَغُ، فجعل يَغْمِسُ مِنقاره في البحر، فقال له: يا موسى، ما يقول هذا الطائر؟ قال: لا أدري. قال: هذا يقول: ما عِلمُكما الذي تَعْلَمان في علم الله إلا كما أنقُص به بمنقاري من جميع ما في هذا البحر
قال يحيى بن سلّام: وبلغنا: أنّ يونس دعا قومَه زمانًا إلى الله عز وجل، فلمّا طال ذلك وأَبَوْا أوحى الله إليه أنّ العذاب يأتيهم يوم كذا وكذا، فلمّا دنا الوقتُ تَنَحّى عنهم، فلما كان قبل الوقت بيوم جاء، فجعل يطوف بالمدينة، وهو يبكي، ويقول: غدًا يأتيكم العذاب. فسمعه رجل منهم، فانطلق إلى الملِك، فأخبره أنّه سمع يونس يبكي، ويقول: غدًا يأتيكم العذاب. فلمّا سمع ذلك الملِك دعا قومَه، فأخبرهم بذلك، وقال: إن كان هذا حقًا فسيأتيكم العذاب غدًا، فاجتمعوا حتى ننظر في أمرنا. فاجتمعوا، فخرجوا مِن المدينة مِن الغد، فنظروا، فإذا بظُلْمَةٍ وريحٍ شديدة قد أقبلت نحوهم، فعلموا أنّه الحق، ففرَّقوا بين الصبيان وبين أمهاتهم، وبين البهائم وبين أمهاتها، ولبسوا الشعر، وجعلوا الرماد والتراب على رءوسهم تواضعًا لله، وتَضَرَّعوا إليه، وبكوا، وآمنوا؛ فصرف الله عنهم العذاب. واشترط بعضُهم على بعض ألا يكذب منهم أحدٌ كذبة إلا قطعوا لسانه، فجاء يونس من الغد، فنظر فإذا المدينة على حالها، وإذا الناس داخِلون وخارجون، فقال: أمرني ربي أن أخبر قومي أنّ العذاب يأتيهم فلم يأتهم، فكيف ألقاهم؟ فانطلق حتى انتهى إلى ساحل البحر، فإذا سفينة في البحر، فأشار إليهم، فأتوه، فحملوه، ولا يعرفونه، فانطلق إلى ناحية من السفينة، فتقنَّع ورقد، فما مضى إلا قليلًا حتى جاءتهم ريحٌ كادت تُغرِق السفينة، فاجتمع أهلُ السفينة، فدعوا الله، ثم قالوا: أيقظوا الرجلَ يدعو الله معنا. ففعلوا، فدعا اللهَ معهم، فرفع الله -تبارك وتعالى- عنهم تلك الريح، ثم انطلق إلى مكانه فرقد، فجاءت ريح كادت السفينة تغرق، فأيقظوه، ودعوا الله، فارتفعت الريح، ثم انطلق إلى مكانه فرقد، فجاءت ريح كادت السفينة تغرق، فأيقظوه، ودعوا الله، فارتفعت، فتَفَكَّر العبدُ الصالح يونس، فقال: هذا مِن خطيئتي. أو قال: مِن ذنبي أو. كما قال. فقال لأهل السفينة: شدوني وثاقًا، وألقوني في البحر. فقالوا: ما كُنّا لنفعل وحالُك حالك، ولكنّا نقترع، فمَن أصابته القرعة ألقيناه في البحر. فاقترعوا، فأصابته القرعة، فقال: قد أخبرتُكم. فقالوا: ما كُنّا لِنفعل، ولكن اقترعوا الثانية. فاقترعوا، فأصابته القرعة، ثم اقترعوا الثالثة، فأصابته القرعة، وهو قوله عز وجل: ﴿فساهم فكان من المدحضين﴾ [الصافات:١٤١]، أي: مِن المقروعين، ويُقال: مِن المسهومين، يعني: أنّه وقع السهم عليه. فانطلق إلى صدر السفينة ليلقي نفسَه في البحر، فإذا هو بحوتٍ فاتحٍ فاه، ثم انطلق إلى ذَنَب السفينة، فإذا هو بالحوت فاتحٍ فاه، ثم جاء إلى جانب السفينة، فإذا هو بالحوت فاتح فاه، ثم جاء إلى الجانب الآخر، فإذا هو بالحوت فاتحٍ فاه، فلما رأى ذلك ألقى نفسه في البحر، فالتقمه الحوت، فأوحى الله -تبارك وتعالى- إلى الحوت: إنِّي لم أجعله لك رِزقًا، ولكن جعلت بطنَك له سِجنًا. فمكث في بطن الحوت أربعين ليلة
اختلف أهل التأويل في الوجه الذي أُمِرُوا أن يتمنوا الموت به، على قولين: الأول: الدعاء على الفريق الكاذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة. الثاني: تشهي الموت وإرادته لا على وجه المباهلة. وجعل ابن جرير (٢/٢٦٧-٢٦٨) الأوّلَ للنّصارى، والثّاني لليهود، فقال: «وهذه الآية مما احتج الله بها لنبيه محمد ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مُهاجَرِه، وفضح بها أحْبارَهم وعلماءَهم، وذلك أن الله -جَلَّ ثناؤُه- أمر نبيه ﷺ أن يدعوهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره الله أن يدعوَ الفريقَ الآخر من النصارى -إذ خالفوه في عيسى صلوات الله عليه، وجادلوه فيه- إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة، وقال لفريق اليهود: إن كنتم مُحِقِّين فتَمَنَّوُا الموت، فإن ذلك غير ضارِّكم إن كنتم مُحِقِّين فيما تَدَّعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله، بل إن أُعْطِيتُم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونَصَبها وكَدَر عيشها، والفوزِ بجِوار الله في جنانه إن كان الأمر كما تزعمون مِن أنّ الدار الآخرة لكم خالصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناسُ أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم. فامتنعت اليهود من إجابة النبي ﷺ إلى ذلك، لعلمها أنَّها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق النصارى -الذين جادلوا النبي ﷺ في عيسى؛ إذْ دُعُوا إلى المباهلة- من المباهلة». واسْتَدْرَك ابنُ كثير (١/٤٩٦-٤٩٧) على كلام ابن جرير، بقوله: «هذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره فيه نظر؛ وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل؛ إذ يقال: إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم أنهم يتمنون الموت؛ فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود أن يعمر ليزداد خيرًا، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث: «خيركم من طال عمره، وحسن عمله». ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون -أيها المسلمون- أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحةِ الموتَ؛ فكيف تلزمونا بما لا نلزمكم؟ وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأمّا على تفسير ابن عباس فلا يلزم عليه شيء من ذلك، بل قيل لهم كلام نَصَف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة، ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أنّ المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، وسُمِّيَت هذه المباهلة تمنّيًا لأنّ كل مُحِقٍّ يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيّما إذا كان في ذلك حجة له فيها بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت»
اختُلِف في المراد بالحياة الطيبة على خمسة أقوال: الأول: أنّ المراد: أنه تعالى يحييهم في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق الحلال. والثاني: أنّ المراد: أنه تعالى يرزقهم في الدنيا القناعة. والثالث: أنّ المراد: أنه تعالى يحييهم في الدنيا حياة مؤمنين به عاملين بطاعته. والرابع: أنّ المراد: أنه تعالى يحييهم في الدنيا سعداء. والخامس: أنّ المراد بالحياة الطيبة: حياة الآخرة، ونعيم الجنة. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤/٣٥٤-٣٥٥) القولَ الثانيَ -وهو قول عليّ، والحسن، ووهب بن منبه، ومحمد بن كعب، وغيرهم- استنادًا إلى السياق، والدلالة العقلية، فقال: «أولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة. وذلك أنّ من قنَّعه الله بما قسم له من رزق لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نصبه، ولم يتكدر فيها عيشه باتباعه بغية ما فاته منها، وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها. وإنما قلت ذلك أولى التأويلات في ذلك بالآية لأن الله -تعالى ذكره- أوعد قومًا قبلها على معصيتهم إياه إن عصوه أذاقهم السوء في الدنيا والعذاب في الآخرة، فقال تعالى: ﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها، وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله﴾ فهذا لهم في الدنيا، ﴿ولكم﴾ في الآخرة ﴿عذاب عظيم﴾ فهذا لهم في الآخرة، ثم أتبع ذلك ما لمن أوفى بعهد الله وأطاعه، فقال تعالى: ﴿ما عندكم﴾ في الدنيا ﴿ينفد وما عند الله باق﴾، فالذي أوعد أهل المعاصي بإذاقتهم هذه السيئة بحكمته أراد أن يعقب ذلك الوعد لأهل طاعته بالإحسان في الدنيا، والغفران في الآخرة، وكذلك فعل -تعالى ذكره-». وعَلَّقَ (١٤/٣٥٥) على القول الأول بقوله: «وأما القول الذي روي عن ابن عباس أنه: الرزق الحلال. فهو محتمل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال وإن قلَّ، فلا تدعوه نفسه إلى الكثير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثير من الحلال، وذلك أن أكثر العاملين لله تعالى بما يرضاه من الأعمال لم نرهم رزقوا الرزق الكثير من الحلال في الدنيا، ووجدنا ضيق العيش عليهم أغلب من السعة». وعلَّقَ ابنُ عطية (٥/٤٠٦) على القول الخامس -وهو قول مجاهد، وقتادة، وابن زيد، وقول آخر للحسن- بقوله: «هناك هو الطيب على الإطلاق، ولكن ظاهر هذا الوعد أنه في الدنيا». ثم قال: «والذي أقول: إن طيب الحياة اللازم للصالحين إنما هو بنشاط نفوسهم ونُبلها وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر مُلِذٌّ، فبهذا تطيب حياتهم، وأنهم احتقروا الدنيا فزالت همومها عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال، وصحة، أو قناعة؛ فذلك كمال، وإلا فالطيب فيما ذكرناه راتب». وذَهَبَ ابنُ كثير (٨/٣٥٢-٣٥٣بتصرّف) مستندًا إلى السُّنَّة إلى أنّ الحياة الطيبة تشمل كل تلك الأقوال، فقال: «الصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله، كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه»، «قد أفلح من هدي للإسلام، وكان عيشه كفافًا، وقنع به»»
اختُلف في معنى: ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ على أقوال: الأول: صدَّق بالخَلَفِ من الله. الثاني: صدَّق بأنّ الله واحدٌ لا شريك له. الثالث: صدَّق بالجنة. الرابع: صدَّق بموعود الله. ووجَّه ابنُ القيم (٣/٣١٨-٣١٩) الأقوال الثلاثة الأولى بقوله: «والأقوال الثلاثة ترجع إلى أفضل الأعمال وأفضل الجزاء. فمن فسَّرها بلا إله إلا الله فقد فسَّرها بمفرد يأتي بكل جمع؛ فإنّ التصديق الحقيقي بلا إله إلا الله يستلزم التصديق بشُعَبها وفروعها كلّها، وجميع أصول الدين وفروعه مِن شُعَب هذه الكلمة، فلا يكون العبد مُصدِّقًا بها حقيقة التصديق حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، ولا يكون مؤمنًا بالله إله العالمين حتى يؤمن بصفات جلاله ونعوت كماله، ولا يكون مؤمنًا بأنّ الله لا إله إلا هو حتى يسلب خصائص الإلهية عن كلّ موجود سواه، ويسلبها عن اعتقاده وإرادته كما هي منفيّة في الحقيقة والخارج، ولا يكون مُصدّقًا بها من نفى الصفات العليا، ولا من نفى كلامه وتكليمه، ولا من نفى استوائه على عرشه، وأنه يُرفع إليه الكلم الطيّب والعمل الصالح، وأنه رَفع المسيح إليه وأسرى برسوله إليه، وأنه يُدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه، إلى سائر ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله. ولا يكون مؤمنًا بهذه الكلمة مُصدّقًا بها على الحقيقة مَن نفى عموم خَلْقه لكلّ شيء، وقدرته على كلّ شيء، وعلْمه بكلّ شيء، وبعْثة الأجساد من القبور ليوم النشور. ولا يكون مُصدّقًا بها مَن زعم أنه يترك خَلْقه سُدًى لم يأمرهم ولم ينههم على ألسنة رسله. وكذلك التصديق بها يقتضي الإذعان، والإقرار بحقوقها، وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه هو تفصيل لا إله إلا الله، فالمُصدِّق بها على الحقيقة الذي يأتي بذلك كلّه. وكذلك لم تحصل عصمة المال والدم على الإطلاق إلا بها، وبالقيام بحقّها، وكذلك لا تحصل النجاة من العذاب على الإطلاق إلا بها وبحقّها. فالعقوبة في الدنيا والآخرة على تَرْكها أو تَرْك حقّها. ومَن فسّر الحُسنى بالجنة فسّرها بأعلى أنواع الجزاء وكماله. ومَن فسّرها بالخَلف ذكر نوعًا من الجزاء، فهذا جزاء دنيوي، والجنة الجزاء في الآخرة، فرجع التصديق بالحُسنى إلى التصديق بالإيمان وجزائه، والتحقيق أنها تتناول الأمرين». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٤٦٥) القول الأول مستندًا إلى السنة، والسياق. وهو قول ابن عباس من طريق عكرمة، وقول مجاهد من طريق أبي هاشم المكي، وقول عكرمة، ومقاتل، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- ذكر قبلَه مُنفِقًا أنفق طالبًا بنفقته الخَلَفَ منها، فكان أولى المعاني به أن يكون الذي عَقِيبَه الخبرُ عن تصديقه بوعد الله إيّاه بالخَلَف، إذ كانت نفقته على الوجْه الذي يرضاه، مع أنّ الخبر عن رسول الله بنحو الذي قلنا في ذلك ورد». ثم ذكر حديث أبي الدّرداء الوارد في نزول الآيات. وزاد ابنُ عطية (٨/٦٣٥) قولًا نقله عن كثير من المتأولين أنّ معنى: «الحُسنى: الأجر والثواب مجملًا»
عن عروة بن الزبير -من طريق هشام-: أنّ عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنك كتبت إلَيَّ تسألني عن مخرج رسول الله ﷺ من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله. كان من شأن خروج رسول الله ﷺ من مكة أنّ الله أعطاه النبوة، فنِعْم النبي، ونِعْم السيد، ونِعْم العشيرة، فجزاه الله خيرًا، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته، وأماتنا عليها، وبعثنا عليها. وإنه لَمّا دعا قومَه لِما بعثه الله له من الهدى والنور الذي أنزل عليه؛ لم ينفروا منه أول ما دعاهم إليه، وكانوا يسمعون له حتى ذكر طواغيتهم. وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك عليه ناس، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال، وأَغْرَوْا به من أطاعهم، فانعطف عنه عامة الناس، فتركوه، إلا من حفظه الله منهم وهم قليل. فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائْتَمَرت رءوسهم بأن يفتنوا مَنِ اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء منهم. فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النَّجاشِيُّ لا يظلم أحد بأرضه، وكان يُثْنى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة مَتْجَرًا لقريش يَتَّجِرُون فيها، ومساكن لتجارتهم يجدون فيها رَفاغًا من الرزق وأمنًا ومتجرًا حسنًا. فأمرهم بها النبي ﷺ، فذهب إليها عامتهم لَمّا قُهِرُوا بمكة، وخافوا عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث ذلك سنوات يَشْتَدُّون على من أسلم منهم. ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومَنَعَتهم، فلما رَأَوْا ذلك استرخوا استرخاءة عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي أخرجت من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ قِبَل أرض الحبشة مخافةً وفرارًا مِمّا كانوا فيه من الفِتَن والزلزال. فلما اسْتُرْخِي عنهم، ودخل في الإسلام من دخل منهم، تَحَدَّث بهذا الاسترخاء عنهم، فبلغ ذلك مَن كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قد اسْتُرْخِي عمن كان منهم بمكة، وأنهم لا يُفْتَنون، فرجعوا إلى مكة، وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون. وإنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا بالمدينة الإسلام، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله ﷺ بمكة، فلما رأت قريش ذلك، تَوامَرَتْ على أن يفتنوهم، ويَشُدُّوا عليهم، فأخذوهم، وحَرَصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جَهْد شديد، وكانت الفتنة الآخرة، فكانت ثنتين: فتنة أخْرَجَت مَن خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم رسول الله ﷺ بها وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنة لَمّا رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة. ثم إنه جاء رسولَ الله ﷺ من المدينة سبعون نفسًا؛ رءوس الذين أسلموا، فوافَوْه بالحج، فبايعوه بالعَقَبَة، وأعَطْوَه على: أنّا منك وأنت منا، وعلى: أنّ من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنّا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فاشْتَدَّت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخْرَج فيها رسولُ الله ﷺ أصحابَه وخرج هو، وهي التي أنزل الله فيها: ﴿وقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- قال: كان لِلَمَكَ يومَ ولَدَ نوحًا اثنان وثمانون سنة، ولم يكن أحدٌ في ذلك الزمان ينتهي عن مُنكَر، فبعث الله نوحًا إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة، ثم دعاهم في نبوته مائة وعشرين سنة، ثم أمره بصنعة السفينة، فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة سنة، وغرِق مَن غرِق، ثم مكث بعد السفينة ثلاثمائة وخمسين سنة، فولد نوح سام وفي ولده بياض وأُدمة، وحام وفي ولده سواد وبياض قليل، ويافث وفيهم الشقرة والحمرة، وكنعان وهو الذي غرق، والعرب تسميه: يام، وأم هؤلاء واحدة، وبجبل نَوْذَ نَجَرَ نوحٌ السفينةَ، ومِن ثَمَّ بدأ الطوفان، فركب نوح السفينة معه بنوه هؤلاء، وكنائنه؛ نساء بنيه هؤلاء، وثلاثة وسبعون مِن بني شِيث مِمَّن آمن به، فكانوا ثمانين في السفينة، وحمل معه مِن كل زوجين اثنين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراعٍ بذراعِ جدِّ أبي نوح، وعرضُها خمسين ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثين ذراعًا، وخرج منها من الماء ستُّ أذرع، وكانت مُطبَقَةً، وجعل لها ثلاثة أبواب بعضَها أسفلَ من بعض، فأرسل الله المطر أربعين ليلة وأربعين يومًا، فأقبلت الوحش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح، وسُخِّرت له، فحمل فيها كما أمره الله مِن كل زوجين اثنين، وحمل معه جسدَ آدم، فجُعِل حاجزًا بين النساء والرجال، فركبوا فيها لعشر مضين مِن رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام مَن صام يوم عاشوراء، وخرج الماء مثل ذلك نصفين؛ نصف من السماء ونصف من الأرض، فذلك قول الله: ﴿ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر﴾ يقول: مُنصَبّ، ﴿وفجرنا الأرض عيونًا﴾ يقول: شَقَقْنا الأرض، ﴿فالتقى الماء على أمر قد قدر﴾ [القمر:١١-١٢]، وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعًا، فسارت بهم السفينة، فطافَت بهم الأرضَ كلها في ستة أشهر لا تَسْتَقِرُّ على شيء، حتى أتت الحرم فلم تدخُله، ودارت بالحرم أسبوعًا، ورُفِع البيت الذي بناه آدم؛ رُفِعَ من الغرق -وهو البيت المعمور- والحجر الأسود على أبي قُبَيس، فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى الجُودِيِّ، وهو جبل بالحِصنين من أرض الموصل، فاستقرت بعد ستة أشهر لتمام السنة، فقيل بعد الستة أشهر: ﴿بعدًا للقوم الظالمين﴾. فلمّا استوت على الجودي قيل: ﴿يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي﴾ يقول: احبسي ماءكِ، ﴿وغيض الماء﴾ نَشِفَتْه الأرضُ، فصار ما نزل من السماء هذه البحور التي ترون في الأرض، فآخرُ ماءٍ بقي في الأرض مِن الطوفان ماء بحِسْمى، بقي في الأرض أربعين سنة بعد الطوفان، ثم ذهب، فهبط نوح إلى قريةٍ، فبنى كلُّ رجل منهم بيتًا، فسُمِّيت: سوق الثمانين، فغرق بنو قابيل كلهم، وما بين نوح إلى آدم مِن الآباء كانوا على الإسلام، ودعا نوح على الأسد أن يُلقى عليه الحُمّى، وللحمامة بالأنس، وللغراب بشقاء المعيشة، وتزوج نوح امرأةً من بني قابيل، فولدت له غلامًا فسمّاه: يوناطنَ، فلما ضاقت بهم سوق الثمانين تحولوا إلى بابل فبنوها، وهي بين الفرات والصَّراةِ، فمكثوا بها حتى بلغوا مائة ألف وهم على الإسلام. ولَمّا خرج نوح من السفينة دُفِن آدم عليه السلام ببيت المقدس