اختُلِف هل تكون الاستعاذة قبل القراءة، أو بعدها؟ على قولين. وذَهَبَ ابنُ عطية (٥‏/‏٤٠٧)، وابنُ كثير (٨‏/‏٣٥٣)، وابنُ القيم (٢‏/‏١٢٢) استنادًا إلى النظائر، والسنّة، وأقوال السلف إلى أنّ الاستعاذة تكون قبل القراءة. قال ابن عطية: «تقدير الآية: فإذا أخذت في قراءة القرآن. كما قال عز وجل: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة:٦]، وكما تقول لرجل: إذ أكلت فقل: بسم الله». وقال ابنُ كثير: «الصحيح الأول؛ لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة». وقال ابنُ القيم: «وكأن من قال: إن الاستعاذة بعد القراءة. لاحظ هذا المعنى [يعني: بقاء فائدة القرآن، وحفظها، وثباتها]، وهو لعمر الله ملحظ جيد، إلا أن السنة وآثار الصحابة إنما جاءت بالاستعادة قبل الشروع في القراءة، وهو قول جمهور الأمة من السلف والخلف». وقال ابنُ جرير (١٤‏/‏٣٥٧) مبينًا المعنى: «إذا كنت -يا محمد- قارئًا القرآن؛ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم». واختُلِف في حكم الاستعاذة أواجبة هي، أو مندوبة؟ على قولين. وذَهَبَ ابنُ جرير، وابنُ عطية، وابنُ كثير استنادًا إلى الإجماع، وأقوال السلف إلى أنّ الاستعاذة ليست واجبة. قال ابنُ جرير (١٤‏/‏٣٥٧): «ليس قوله: ﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن من قرأ القرآن ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءته أو بعدها أنه لم يضيع فرضًا واجبًا. وكان ابن زيد يقول في ذلك نحو الذي قلنا». وقال ابنُ عطية (٥‏/‏٤٠٧): «الاستعاذة ندب عند الجميع». وقال ابنُ كثير (٨‏/‏٣٥٣): «وهذا أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر ابن جرير، وغيره من الأئمة»

سورة الإسراء — الآية ١

عن أنس بن مالك، أنّ مالك بن صَعْصَعَة حدَّثه: أن رسول الله حدَّثهم عن ليلة أُسري به، قال: «بينما أنا في الحَطِيمِ -وربما قال قتادة: في الحِجر- مضطجعًا إذ أتاني آتٍ، فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة. فأتاني، فشقَّ ما بين هذه إلى هذه -يعني: مِن ثُغرة نحره إلى شِعرَتِه-، فاستخرج قلبي، فأُوتيت بطَست مِن ذهب مملوءةً إيمانًا وحكمة، فغُسل قلبي بماء زمزم، ثم حُشِي، ثم أُعيد مكانه. ثم أُوتيتُ بدابةٍ أبيض، دون البغل وفوق الحمار، يُقال له: البُراق، يقع خطوه عند أقصى طرفه، فحملتُ عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى بي السماء الدنيا، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنِعْم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلمّا خلَصت إذا فيها آدم، فقلت: يا جبريل، مَن هذا؟ قال: هذا أبوك آدم، فسلِّم عليه. فسلَّمت عليه، فردَّ عليَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبيِّ الصالح. ثم صعد حتى أتى إلى السماء الثانية، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة، فقلت: يا جبريل، مَن هذان؟ قال: هذان يحيى وعيسى، فسلِّم عليهما. فسلَّمت عليهما، فردّا السلام، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء الثالثة، فاستفتَح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولَنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا يوسف، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى إلى السماء الرابعة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا إدريس، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. فلما خلَصت إذا هارون، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صَعِد حتى أتى السماء السادسة، فاستفتَح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا أنا بموسى، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلمّا تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنّ غلامًا بُعِِث بعدي يدخُلُ الجنة مِن أمته أكثرُ مما يدخُلُها من أمتي. ثم صَعِد حتى أتى السماء السابعة، فاستفتَح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَقَد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء. ففُتِح لنا، فلما خلَصت إذا إبراهيم، قلت: من هذا، يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلِّم عليه. فسلَّمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رُفِعْتُ إلى سدرة المنتهى، فإذا نَبقُها مثلُ قِلالِ هَجَر، وإذا ورقُها مثل آذان الفيلة، وإذا أربعة أنهار يخرُجن من أصلها؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ فقال: أمّا الباطنان؛ فنهران في الجنة، وأَمّا الظاهران؛ فالنيل والفرات. ثم رُفِع لي البيت المعمور، قلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخُلُه كل يوم سبعون ألف مَلَك، إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم. ثم أُتيتُ بإناءين؛ أحدُهما خمر، والآخر لبن، فعُرِضا عليَّ، فقيل: خُذ أيَّهما شئت. فأخَذتُ اللبن، فقيل لي: أصَبْتَ الفِطرة، أنت عليها وأمتك. ثم فُرِضت عليَّ الصلاة؛ خمسون صلاة كل يوم، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فرض ربُّك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة كل يوم. قال: إنّ أُمَّتك لا تستطيع ذلك، وإني قد خبَرتُ الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، فارجِع إلى ربِّك فاسأله التخفيف لأمَّتِك. فرجَعت إلى ربي، فحَطَّ عني خمسًا، فأقبلت حتى أتيت على موسى، فأنبأته بما حطَّ عني، فقال: ارجِع إلى ربك، فاسأله التخفيف لأمتك؛ فإن أمتك لا يطيقون ذلك. قال: فما زلت بين موسى وبين ربي يحُطُّ عني خمسًا خمسًا، حتى أقبَلتُ بخمس صلوات، فأتيت على موسى، فقال: بم أُمِرت؟ قلت: بخمس صلوات كل يوم. قال: إنّ أمتك لا يطيقون ذلك، إني بلَوت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، ارجِع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فقلت: لقد رجَعت إلى ربي حتى لقد استحيت، ولكني أرضى وأُسلِّم. فنوديت: أن يا محمد، إني قد أمضَيت فريضتي، وخفَّفتُ عن عبادي، الحسنة بعشر أمثالها»

سورة الفتح — الآية ١

عن علي، قال: صلّى بنا رسولُ الله ﷺ الفجرَ ذات يوم بغَلَس، وكان يغلِّس ويُسفر، ويقول: «ما بين هذين وقت؛ لكيلا يختلف المؤمنون». فصلّى بنا ذات يوم بغَلَس، فلمّا قضى الصلاةَ التفتَ إلينا، كأن وجهه ورقة مصحف، فقال: «أفيكم مَن رأى الليلة شيئًا؟». قلنا: لا، يا رسول الله. قال: «لكني رأيت ملَكين أتياني الليلة، فأخذا بضَبْعَيّ، فانطَلَقا بي إلى السماء الدنيا، فمررتُ بمَلك وأمامه آدميٌّ، وبيده صخرة، فيضرب بهامة الآدميّ، فيقع دماغه جانبًا، وتقع الصخرة جانبًا، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بمَلك وأمامه آدميّ، وبيد المَلك كَلُّوب من حديد، فيضعه في شِدْقه الأيمن، فيشقّه حتى ينتهي إلى أُذنه، ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، قال: قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بنهر من دم يمور كمَور المِرجل، على فِيه قوم عراة، على حافّة النهر ملائكة بأيديهم مِدْرتان، كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة، فيقع في فِيه، ويسيل إلى أسفل ذلك النهر، قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة، توقد من تحتهم النار، أمسكتُ على أنفي من نَتْن ما أجد من ريحهم، قلتُ: مَن هؤلاء؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بتَلٍّ أسود عليه قوم مُخبَّلون، تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخْرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنار مُطبَقة، مُوكَّل بها ملك، لا يخرج منها شيء إلا اتّبعه حتى يعيده فيها، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بروضة، وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه، وإذا حوله الولدان، وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة، فصعِدتُ ما شاء الله من تلك الشجرة، وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوته حمراء، قلتُ: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنهر عليه جِسران من ذهب وفِضّة، على حافتي النهر منازل، لا منازل أحسن منها، من دُرّة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوتة حمراء، وفيه قدحان وأباريق تَطَّرد، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: انزل. فنزلتُ، فضربتُ بيدي إلى إناء منها، فغرفتُ ثم شربتُ، فإذا أحلى من عسل، وأشدّ بياضًا من اللبن، وألين من الزُّبْد. فقالا لي: أمّا صاحب الصخرة التي رأيتَ يَضرِب بها هامة الآدميّ فيقع دماغه جانبًا وتقع الصخرة في جانب، فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة، ويصلّون الصلاة لغير مواقيتها، يُضربون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا صاحب الكَلُّوب الذي رأيتَ مَلكًا مُوكَّلًا بيده كَلُّوب من حديد يشقّ شِدْقه الأيمن حتى ينتهي إلى أُذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم، فهم يُعذَّبون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا ملائكة بأيديهم مِدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة فتقع في فِيه فينتقل إلى أسفل ذلك النهر، فأولئك أكَلَة الرِّبا، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار، وأَمّا البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار، أمسكتَ على أنفك من نَتْن ما وجدتَ من ريحهم، فأولئك الزُّناة، وذلك نَتْن فروجهم، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا التلّ الأسود الذي رأيتَ عليه قومًا مُخبَّلين تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم، فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط؛ الفاعل والمفعول به، فهم يُعذَّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا النار المُطبقة التي رأيت مَلكًا مُوكَّلًا بها كلما خرج منها شيء اتّبعه حتى يعيده فيها، فتلك جهنم تُفرِّق بين أهل الجنة وأهل النار. وأَمّا الروضة التي رأيتها، فتلك جنة المأوى. وأَمّا الشيخ الذي رأيتَ ومَن حوله من الولدان، فهو إبراهيم وهم بنوه. وأَمّا الشجرة التي رأيتَ فطلعتَ إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجدة خضراء، وياقوتة حمراء، فتلك منازل أهل علِّيين من النّبيّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا. وأَمّا النهر، فهو نهرك الذي أعطاك الله؛ الكوثر، وهذه منازلك وأهل بيتك. قال: فنوديت من فوقي: يا محمد، يا محمد، سل تُعطه. فارتعدتْ فرائصي، ورجف فؤادي، واضطرب كل عضو مني، ولم أستطع أنْ أجيب شيئًا، فأخذ أحد المَلكين يده اليمنى فوضعها في يدي، وأخذ الآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي، فسكن ذلك مني، ثم نوديت من فوقي: يا محمد، سل تُعطه. قال: قلت: اللهم، إني أسألك أن تُثْبِت شفاعتي، وأنْ تُلْحق بي أهل بيتي، وأنْ ألقاك ولا ذنب لي». قال: «ثم ولي بي». ونزلت عليه هذه الآية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾، فقال رسول الله ﷺ: «فكما أُعطيتُ هذه كذلك أعطانيها -إن شاء الله تعالى-»

سورة التوبة — الآية ٧٥

عن أبي أُمامة الباهليِّ، قال: جاء ثعلبةُ بنُ حاطِبٍ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرزقني مالًا. قال: «ويحك، يا ثعلبةُ، قليلٌ تُؤَدِّي شُكْرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه». قال: يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يرزقني مالًا. قال: «ويحك، يا ثعلبةُ، قليلٌ تُؤَدِّي شُكْرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه». قال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرزقني مالًا. قال: «ويحك، يا ثعلبة، أما تُحِبُّ أن تكون مثلي! فلو شِئْتُ أن يُسَيِّر ربي هذه الجبالَ معي ذَهَبًا لَسارَتْ». قال: يا رسول الله، ادعُ الله أن يرزقني مالًا، فوالَّذي بعثك بالحقِّ، إنْ آتاني اللهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذي حقَّ حقَّه. قال: «ويحك، يا ثعلبةُ، قليلٌ تُؤَدِّي شُكْرَه خيرٌ مِن كثيرٍ لا تُطِيقُه». فقال: يا رسول الله، ادعُ الله تعالى. فقال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ، ارزقْه مالًا». فاتَّخذ أو اشْترى غنمًا، فبُورِك له فيها، ونمتْ كما ينمو الدُّود، حتى ضاقت به المدينةُ، فتنحّى بها، فكان يشهد الصلاة بالنهارِ مع رسول الله ﷺ ولا يشهدُها بالليل، ثُمَّ نَمَتْ كما ينمو الدودُ، فتنحّى بها، فكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار، إلا مِن جمعة إلى جمعة مع رسول الله ﷺ، ثُمَّ نَمَتْ كما ينمو الدُّود، فضاق به مكانُه، فتنحّى به، فكان لا يشهدُ جمعةً ولا جنازةً مع رسول الله ﷺ، فجعل يتلقّى الرُّكبان ويسألهم عن الأخبار، وفقده رسول الله ﷺ، فسأل عنه، فأخبروه أن اشترى غنمًا، وأنّ المدينة ضاقَت به، وأخبروه خبرَه، فقال رسول الله ﷺ: «ويْح ثعلبة بن حاطب». ثم إنّ الله تعالى أمرَ رسولَه ﷺ أن يأخُذ الصَّدقات، وأنزل اللهُ عز وجل: ﴿خُذْ مِن أموالهم صدقةً﴾ الآية. فبعث رسولُ الله ﷺ رجُلين؛ رجلًا مِن جُهينةَ، ورجلًا من بني سلمة، يأْخذانِ الصدقةَ، وكتب لهما أسْنان الإبل والغنمِ، كيف يَأخذانِها على وجهها، وأمرهما أن يَمُرّا على ثعلبة بن حاطب وبرجُل مِن بني سُلَيْم، فخرجا، فمَرّا بثعلبة، فسألاه الصدقة، فقال: أرياني كتابكما. فنظر فيه، فقال: ما هذا إلا جِزْيَةٌ، انطلِقا حتى تفرُغا، ثم مُرّا بي. قال: فانطلقا، وسمع بهما السُّلَمِيُّ فاستقبلهما بخيارِ إبله، فقالا: إنّما عليك دون هذا. فقال: ما كنت أتقرَّب إلى الله إلّا بخير مالي. فقَبِلا، فلمّا فَرَغا مرّا بثعلبة، فقال: أرِياني كتابَكما. فنظر فيه، فقال: ما هذا إلا جزيةٌ، انطلِقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى قدما المدينة، فلمّا رآهما رسولُ الله ﷺ قال قبْل أن يُكلمهما: «ويْح ثعلبة بن حاطبٍ». ودعا للسُّلَمِيِّ بالبركة، وأنزل اللهُ: ﴿ومنهم من عاهد الله لئنْ آتانا من فضله لنصَّدقن﴾ الثلاث آياتٍ. قال: فسمع بعضٌ مِن أقارب ثعلبة، فأتى ثعلبةَ، فقال: ويحك، يا ثعلبةُ، أنزلَ الله فيك كذا وكذا. قال: فقدم ثعلبة على رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، هذه صدقة مالي. فقال رسولُ الله ﷺ: «إنّ الله قد منعني أن أقبل منك». قال: فجعل يبكي، ويَحْثِي الترابَ على رأسه، فقال رسول الله ﷺ: «هذا عملُك بنفسك، أمرتك فلَمْ تُطِعْنِي». فلم يقبل منه رسولُ الله ﷺ حتى مضى، ثم أتى أبا بكرٍ، فقال: يا أبا بكرٍ، اقبل مِنِّي صدقتي، فقد عرفتَ منزلتي مِن الأنصار. فقال أبو بكر: لم يقبلْها رسول الله ﷺ، وأقبلها! فلم يقبلها أبو بكرٍ، ثم ولي عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه فأتاه، فقال: يا أبا حفص، يا أمير المؤمنين، اقبلْ مِنِّي صدقتي. وتثقَّل عليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج رسول الله ﷺ، فقال عمرُ: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكرٍ، أقبلها أنا! فأبى أن يقبلها، ثم ولي عثمانُ، فهلك في خلافة عثمان، وفيه نزلتْ: ﴿الذين يلمزون المطَّوعين من المؤمنينَ في الصَّدقات﴾. قال: وذلك في الصدقة

أفادت الآثار اختلاف المفسرين فيمن نزل قوله تعالى: ﴿فَما لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ على أقوال: الأول: في الذين تخلَّفُواْ عن رسول الله ﷺ يوم أحد، وقالوا: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم. وهو قول زيد بن ثابت. الثاني: في قوم قَدِمُوا المدينة فأسلموا، ثم رجعوا إلى مكة فارتدوا وأظهروا الشرك. وهو قول مجاهد. الثالث: في قوم أظهروا الإسلام بمكة، وكانوا يُعينون المشركين على المسلمين. وهو قول ابن عباس، وقتادة، ومعمر، والضحاك. الرابع: في قوم من أهل المدينة أرادوا الخروج عنها نفاقًا. وهو قول السدي، ومحمد القرظي. الخامس: أنها نزلت في قوم من أهل الإفك. وهو قول ابن زيد. ورَجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٢٨٦) مستندًا إلى ظاهر القرآن القول الثاني، وعلَّل ذلك، فقال: «لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة. والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة. وفي قول الله -جلَّ ثناؤه-: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهُمْ أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة؛ لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله ﷺ إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرض هجرة؛ لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه». وعلَّق ابنُ عطية (٢‏/‏٦٢٠) على قول ابن عباس، ومجاهد، فقال: «وهذان القولان يعضدهما ما في آخر الآية من قوله تعالى: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾». ثم انتَقَد(٢‏/‏٦٢٠-٦٢١) القول بأنهم كانوا من أهل المدينة، فقال: «وكل مَن قال في هذه الآية: إنها في مَن كان بالمدينة. يردُّ عليه قوله: ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾». ثم التمس له توجيهًا، فقال: «لكنهم يخرجون المهاجرة إلى هجر ما نهى الله عنه، وترك الخلاف والنفاق، كما قال عليه الصلاة والسلام: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه»»

اختُلف في معنى: «السِّيما» في هذه الآية على أقوال: الأول: أنها علامة يجعلها الله في وجوه المؤمنين يوم القيامة، من أثر سجودهم في الدنيا. الثاني: أنها السَّمْت الحسن. الثالث: أنها أثرٌ يكون في وجوه المصلين؛ مثل أثر السهر الذي يظهر في الوجه. الرابع: أنها آثار تُرى في الوجه من ثَرى الأرض، أو نَدى الطهور. والأقوال الثلاثة الأخيرة على أنها علامة في الدنيا. وجمع ابنُ جرير (٢١‏/‏٣٢٦) -بدلالة عدم التخصيص- بين الأقوال كلّها بقوله: «إن الله -تعالى ذكره- أخبرنا أنّ سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في وجوههم من أثَر السجود، ولم يَخُصَّ ذلك على وقت دون وقت، وإذ كان ذلك كذلك فذلك على كل الأوقات، فكان سيماهم الذي كانوا يُعرفون به في الدنيا آثارَ الإسلام، وذلك خشوعه وهدْيُه وزهده وسَمْتُه، وآثارُ عناء فرائضه وتطوُّعه، وفي الآخرة ما أخبر أنهم يُعرَفون به، وذلك الغُرَّة في الوجْه والتَّحْجيلُ في الأيدي والأرْجُل من أثر الوضوء، وبياض الوجوه من أثَر السجود». وعلَّق ابنُ عطية (٧‏/‏٦٨٩) على القول الأول بقوله: «كما يجعل غُرَّةً من أثر الوضوء... الحديث، ويؤيِّد هذا التأويل اتصال القول بقوله تعالى: ﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾، كأنه تعالى قال: علامتهم في تحصيلهم الرضوان يوم القيامة سيماهم في وجوههم من أثَر السجود». وعلَّق على القول الثاني بقوله: «وهذه حالة مكثري الصلاة؛ لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتُقِلُّ الضحك، وتردُّ النَّفس بحالة تخشع معها الأعضاء». ونقل (٧‏/‏٦٩٠) عن عطاء بن أبي رباح، والربيع بن أنس أن «السِّيما»: «حُسْنٌ يعتري وجوه المصلين». ثم وجَّهه بقوله: «وذلك أنّ الله تعالى يجعل لها في عين الرّائي حُسْنًا تابعًا للإجلال الذي في نفسه، ومتى أجلَّ الإنسان أمْرًا حَسُنَ عنده منظره، ومن هذا الحديث الذي في الشِّهاب: «مَن كثُرت صلاته بالليل حَسُن وجْهُه بالنهار»»

سورة مريم — الآية ٨٥

عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ المُؤَذِّنين والمُلَبِّين يخرجون من قبورهم يوم القيامة، يُؤَذِّن المُؤَذِّن، ويُلَبِّي المُلَبِّي، ويُغْفَر للمُؤَذِّن مَدَّ صوتِه، ويشهد له كلُّ مَن سمع صوته مِن حَجَرٍ أو مَدَر أو رَطْب أو يابس، ويكتب للمؤذن بكل إنسان يصلي معه في ذلك المسجد مثل حسناتهم، ولا ينقص من حسناتهم، ويعطيه الله ما بين الأذان والإقامة كل شيء سأل ربَّه؛ إما أن يُعَجِّله في دنياه، وإما أن يَدَّخر له في الآخرة، وهو ما بين الأذان والإقامة كالمُتَشَحِّط في دمه في سبيل الله، ويُكتَب له في كل يوم يُؤَذِّن مثل أجر خمسين ومائة شهيد، وله مثل أجر القائم بالليل الصائم بالنهار، وله مثل أجر الحاجِّ، والمعتمر، وجامع القرآن، والفقه، ومثل أجر الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وله مثل أجر مَن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وصلة الرَّحِم، وأول مَن يُكْسى مِن حُلَل الجنة إبراهيم، ثم محمد، ثم النبيون والمرسلون، ثم يكسى المؤذنون، وتلقاهم يوم القيامة على نجائب مِن ياقوتة حمراء، أزِمَّتُها مِن زُمُرُّد أخضر، ألين مِن الحرير، رحالها من الذهب الأحمر، حاشيتها -أو قال: حافتاها- مُكَلَّل بالدُّرِّ والياقوت والزمرد، عليها المياثر مِن السندس والإستبرق، ومن فوق ذلك حرير أخضر، يُحَلّى كلُّ واحد منهم بثلاثة أسْوِرَةٍ: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، وفي أعناقهم الذهبُ مُكَلَّل بالدُّر والياقوت والزمرد، عليهم التيجان مكللة بالدر والياقوت والزمرد، ومن تحت التيجان أكاليل مكللة بالدر والياقوت والزمرد، ونعالهم مِن الذهب، شِراكُها من الدر، لِنجائبهم أجنحة، تضع خطوَها مدَّ بصرها، على كل واحدة منها فتًى شاب أمرد، جعد الرأس، له جمة على ما اشتهت نفسُه، حشوها المِسْكُ الأذْفَر، لو انتثر منها مثل دينار بالمشرق لوجد ريحَها جميعُ مَن بالمغرب، أبيض الجسم، أنور الوجه، أصفر الحلي، أخضر الثياب. يتبعهم مِن قبورهم سبعون ألف ملَك إلى المحشر، يقولون: تعالوا ننظر إلى حساب بني آدم، وبني إبليس. كيف يحاسبهم ربُّهم، وبين يدي كلِّ واحد منهم سبعون ألف حربة مِن نور، حتى يوافوا بهم المحشر، فذلك قوله عز وجل: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾»

سورة المؤمنون — الآية ٤٤

عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل وجرير بن علي عن الضحاك- قال: كانت فترتان؛ فترة بين إدريس ونوح، وفترة بين عيسى ومحمد، فكان أولُّ نبيٍّ بُعِث إدريس بعد آدم، وكان بين موت آدم وبين بعثة إدريس مائتا سنة؛ لأنّ آدم عاش ألف سنة إلا أربعين عامًا، وولد إدريس وادفر، فمات آدم وإدريس ابن مائة سنة، فجاءته النبوة بعد موت آدم بمائتي سنة، وكان في نبوته مائة سنة وخمس سنين، فرفعه الله تعالى وهو ابن أربعمائة سنة وخمس سنين، وكان الناس مِن آدم إلى إدريس أهل ملة واحدة مُتَمَسِّكين بالإسلام، وتُصافحهم الملائكة، فلمّا رُفِع إدريس اختلفوا، وفَتَر الوحيُ إلى أن بعث الله تعالى نوحًا، فكان نوح -يعني: يوم بعث- أربعمائة سنة وثمانين سنة، فتر الوحيُ فيما بين إدريس ونوح مائة سنة، وكانت نبوة نوح ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعُمِّر بعد الغرق خمسين عامًا، ويقال: مئتي [عام]، والله تعالى أعلم، وكان سام بن نوح بعد ما مات نوحٌ ابن مائة سنة، وعاش بعده مائتي سنة، وكان بين نوح وهود ثمانمائة سنة، وعاش هود أربعمائة وأربع وستين سنة، وكان بين هود وصالح مائة سنة، وعاش صالح ثلاثمائة سنة إلا عشرين عامًا، وكان بين صالح وإبراهيم ستمئة سنة وثلاثون سنة، وعاش إبراهيم مائة سنة وخمسة وسبعين سنة، وقال بعض هؤلاء المسمين: مائتي سنة، وعاش إسماعيل مائة سنة وتسعة وثلاثين، وعاش إسحاق مائة سنة وثمانين سنة، وعاش يعقوب بن إسحاق مائة سنة وتسعة وأربعين سنة، وكان بين موسى وإبراهيم سبعمائة سنة، وكانت الأنبياء بين موسى وعيسى مُتواتِرة، وكذلك بين نوح إلى موسى مُتواتِرة، يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة المؤمنين من بعد قصة نوح: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾ بعضها على إثر بعض، ﴿كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم أرسلنا﴾ مِن بعدهم ﴿موسى وأخاه هارون﴾، فمَن زعم أنّه يعلم عِدَّتَهم وأسماءَهم فقد كذب؛ لأنّ الله تعالى يقول لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ [غافر:٧٨]

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في معنى الدرجات على أقوال: الأول: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة. وهو قول قتادة. الثاني: هي السبع التي ذكرها الله في براءة حين قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ﴾ إلى قوله: ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٢٠-١٢١]. وهو قول ابن زيد. الثالث: هي درجات الجنة. وهو قول ابن محيريز. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٣٧٨) قول ابن محيريز، وانتقد قول قتادة وابن زيد مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية قائلًا: «لأنّ قوله -تعالى ذِِكْرُه-: ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ﴾، ترجمة وبيان عن قوله: ﴿أجْرًَا عَظِيمًا﴾، ومعلوم أنّ الأجر إنما هو الثواب والجزاء، وإذا كان ذلك كذلك، وكانت الدرجات والمغفرة والرحمة ترجمة عنه، كان معلومًا أن لا وجْه لقول مَن وجَّه معنى قوله: ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ﴾ إلى الأعمال وزيادتها على أعمال القاعدين عن الجهاد كما قال قتادة أو ابن زيد». ورجَّح ابنُ القيم (١‏/‏٢٩٢) مستندًا إلى السنة بأن «الدرجات هي المذكورة في حديث أبى هريرة الذى رواه البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنّه قال: «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، فإنّ حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيله أو جلس في أرضه التي ولد فيها». قالوا: يا رسول الله، أفلا تخبر الناس بذلك؟ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين كما بين السماءِ والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة»». ووجَّه ابنُ عطية (٢‏/‏٦٣٩-٦٤٠) قول ابن محيريز، وابن زيد، فقال: «ودرجات الجهاد لو حصرت أكثر من هذه، لكن يجمعها بذل النَّفْس والمال، والاعتمال بالبدن والمال في أن تكون كلمة الله هي العليا، ولا شك أن بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها تكون مراتب الجنة ودرجاتها، فالأقوال كلها متقاربة»

رجَّح ابن جرير (١٠‏/‏٧٠) مستندًا إلى السنة قول عمرو بن دينار وما في معناه أنّ الميزان: هو الميزان المعروف الذي يوزَن به، له لسان وكِفَّتان، وأنّ الله -جلَّ ثناؤه- يزِن أعمال خلقه الحسنات منها والسيئات. وقال معلِّلًا: «لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ بقوله: «ما وُضِعَ في الميزان شيءٌ أثقل من حسن الخلق». ونحو ذلك من الأخبار التي تُحَقِّقُ أنّ ذلك ميزانٌ توزن به الأعمال على ما وصَفْتُ». ووافقه ابن عطية (٣‏/‏٥١٥-٥١٦) مستندًا إلى ظاهر القرآن، والسنة، والدلالات العقلية، وعلَّل ذلك من ثلاث جهات، فقال: «أولها: أنّ ظواهر كتاب الله تقتضيه، وحديث الرسول عليه الصلاة والسلام ينطق به، من ذلك قوله لبعض الصحابة -وقد قال له: يا رسول الله، أين أجدك في يوم القيامة؟- فقال: «اطلبني عند الحوض، فإن لم تجدني فعند الميزان». ولو لم يكن الميزان مرئيًا محسوسًا لَما أحاله رسول الله ﷺ على الطلب عنده. وجهة أخرى: أنّ النظر في الميزان والوزن والثقل والخفة المقترنات بالحساب لا يفسد شيء منه، ولا تختل صحته، وإذا كان الأمر كذلك فَلِمَ نَخْرُج من حقيقة الأمر إلى مجازه دون عِلَّة؟ وجهة ثالثة: وهي أنّ القول في الميزان هو من عقائد الشرع الذي لم يعرف إلا سَمْعًا، وإن فتحنا فيه باب المجاز غمرتنا أقوال الملحدة والزنادقة في أنّ الميزان والصراط والجنة والنار والحشر ونحو ذلك إنما هي ألفاظ يراد بها غير الظاهر... فينبغي أن يجري في هذه الألفاظ إلى حملها على حقائقها». وذكر ابن كثير (٦‏/‏٢٦١) ثلاثة أقوال في الذي يوضع في الميزان يوم القيامة: الأول: الأعمال. الثاني: كتاب الأعمال. الثالث: صاحب العمل. ثُمَّ علَّق عليها قائلًا: «وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحًا؛ فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالُّها، وتارة يوزن فاعلها». ونقل ابن عطية (٣‏/‏٥١٦) عن الحسن قوله: «فيما روي عنه: بلغني أنّ لكل أحد يوم القيامة ميزانًا على حِدَة». ثم انتَقَدَه قائلًا: «وهذا قول مردود، والناس على خلافه، وإنّما لكل أحد وزن يختص به، والميزان واحد»