جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : ثُمّ أرْسَلْنا إلى الأمم التي أنشأنا بعد ثمود رُسُلَنا تَتْرَى يعني : يتبع بعضها بعضا، وبعضها في أثر بعض. وهي من المواترة، وهي اسم لجمع مثل «شيء »، لا يقال : جاءني فلان تتري، كما لا يقال : جاءني فلان مواترة، وهي تنوّن ولا تنوّن، وفيها الياء، فمن لم ينوّنها فَعْلَى من وترت، ومن قال «تترا » يوهم أن الياء أصلية كما قيل : مِعْزًى بالياء، ومَعْزا وبهمي بُهْما ونحو ذلك، فأجريت أحيانا وترك إجراؤها أحيانا، فمن جعلها «فَعْلَى » وقف عليها، أشاء إلى الكسر، ومن جعلها ألف إعراب لم يشر، لأن ألف الإعراب لا تكسر، لا يقال : رأيت زيدا، فيشار فيه إلى الكسر.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : ثُمّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرَى يقول : يَتْبع بعضها بعضا.
حدثنا محمد بن سعد، قال : ثنى أبي، قال : ثنى عمي، قال : ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس : ثُمّ أرْسَلْنا رُسُلَنَا تتْرَى يقول : بعضها على أثر بعض.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى. وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : تَتْرَى قال : اتباع بعضها بعضا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : ثُمّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرَى قال : يتبع بعضها بعضا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : ثُمّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرَى قال : بعضهم على أثر بعض، يتبع بعضهم بعضا.
واختلفت قرّاء الأمصار في قراءة ذلك، فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة وبعض أهل المدينة وبعض أهل البصرة :«تَتْرًى » بالتنوين. وكان بعض أهل مكة وبعض أهل المدينة وعامة قرّاء الكوفة يقرءونه : تَتْرَى بإرسال الياء على مثال «فَعْلَى ». والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلام العرب بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب غير أنّي مع ذلك أختار القراءة بغير تنوين، لأنه أفصح اللغتين وأشهرهما.
وقوله : كُلّما جاءَ أُمّةً رَسُولُهَا كَذّبُوهُ يقول : كلما جاء أمة من تلك الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسولها الذي نرسله إليهم، كذّبوه فيما جاءهم به من الحقّ من عندنا. وقوله : فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضا يقول : فأتبعنا بعض تلك الأمم بعضا بالهلاك فأهلكنا بعضهم في إثر بعض. وقوله : وَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ للناس ومثلاً يُتَحدّث بهم، وقد يجوز أن يكون جمع حديث. وإنما قيل : وَجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ لأنهم جُعلوا حديثا ومثلاً يُتمثّل بهم في الشرّ، ولا يقال في الخير : جعلته حديثا ولا أُحدوثة. وقوله : فَبُعْدا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ يقول : فأبعد الله قوما لا يؤمنون بالله ولا يصدّقون برسوله.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يقول تعالى ذكره: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا) إلى الأمم التي أنشأنا بعد ثمود (رُسُلَنَا تَتْرَى) يعني: يتبع بعضها بعضا، وبعضها في أثر بعض، وهي من المواترة، وهي اسم لجمع مثل شيء، لا يقال: جاءني فلان تترى، كما لا يقال: جاءني فلان مواترة، وهي تنوّن ولا تنوّن، وفيها الياء، فمن لم ينوّنها (فَعْلَى) من وترت ومن قال: "تترا" يوهم أن الياء أصلية، كما قيل: مِعْزًى بالياء، ومَعْزًا، وبهمى بهما، ونحو ذلك، فأجْرِيت أحيانًا وتُرِك إجراؤها أحيانا، فمن جعلها (فعلى) وقف عليها أشار إلى الكسر، ومن جعلها ألف إعراب لم يشر؛ لأن ألف الإعراب لا تكسر، لا يقال: رأيت زيدًا، فيشار فيه إلى الكسر.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) يقول: يَتْبُع بعضها بعضا.
حدثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) يقول: بعضها على أثر بعض.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (تَتْرَى) قال: اتباع بعضها بعضا.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) قال: يتبع بعضها بعضا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى) قال: بعضهم على أثر بعض، يتبع بعضهم بعضا.
واختلفت قرّاء الأمصار في قراءة ذلك، فقرأ ذلك بعض قرّاء أهل مكة، وبعض أهل المدينة، وبعض أهل البصرة (تَتْرًا) بالتنوين. وكان بعض أهل مكة، وبعض أهل المدينة، وعامة قرّاء الكوفة يقرءونه: (تَتْرَى) بإرسال الياء على مثال (فَعْلَى)، والقول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، ولغتان معروفتان في كلام العرب، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، غير أني مع ذلك أختار القراءة بغير تنوين؛ لأنه أفصح