عن أبي هريرة، قال: أولُ مَرْجوم رجَمه رسول الله ﷺ من اليهود؛ زنى رجلٌ منهم وامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى هذا النبي؛ فإنّه نبي بُعِث بتخفيف، فإن أفتانا بفُتيا دونَ الرَّجْم قَبِلناها، واحتَججْنا بها عند الله، وقلنا: فُتيا نبي مِن أنبيائك. قال: فأتَوُا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد وأصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تَرى في رجل وامرأة منهم زنَيا؟ فلم يُكلِّمْهم كلمةً حتى أتى بيت مِدْراسِهم، فقام على الباب، فقال: «أنشُدُكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تَجِدون في التوراة على مَن زنى إذا أحْصَن؟». قالوا: يُحَمَّمُ، ويُجَبَّهُ، ويُجْلَدُ. -والتَّجْبِيهُ: أن يُحْمَلَ الزانيان على حمار، ويُقابلَ أقفيتُهما، ويطافَ بهما-، وسكت شابٌّ منهم، فلمّا رآه النبي ﷺ سكَت ألَظَّ به النِّشْدَةَ، فقال: اللَّهُمَّ إذ نَشَدْتَنا، فإنّا نَجِدُ في التوراة الرجم. فقال النبي ﷺ: «فما أول ما ارتخَصْتُم أمرَ الله؟». قال: زنى رجلٌ ذو قرابة مِن ملك من ملوكنا، فأخَّر عنه الرجم، ثم زنى رجلٌ في أُسْرَةٍ من الناس، فأراد رجمه فحال قومُه دونَه، وقالوا: واللهِ، لا يُرْجَمُ صاحبُنا حتى تجيء بصاحبِك فتَرْجمَه. فاصَّلحوا هذه العقوبة بينهم. قال النبي ﷺ: «فإني أحكُمُ بما في التوراة». فأمَر بهما فَرُجِما. قال الزهري: فبلَغَنا: أنّ هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾ [المائدة:٤٤]. فكان النبي ﷺ منهم
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: إنّ صخرًا أمسك الخاتم أربعين يومًا، فمِن ثَمَّ دانت له الجنُّ والإنسُ، وعطفت عليه الطيرُ والوحشُ، فلمّا أنكر آصفُ وعظماءُ بني إسرائيل حكمَ عدو الله الشيطان في تلك الأربعين يومًا؛ قال آصف: يا معشر بني إسرائيل، هل رأيتم مِن خلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم. فعمد عند ذلك صخرٌ فألقى بالخاتم في البحر، فاستقبله جِرِّيٌّ، فابتلع الخاتم، فصار في جوفه مثل الحريق مِن نور الخاتم، فاستقبل جِرِّيُّه الماءَ، فوقع في شباك الصيادين الذين كان سليمان معهم، فلمّا أمسوا قسموا السمك، فأسقطوا الجِرِّيّ فجعلوه لسليمان، فذهب به إلى أهله، فأمرهم أن يصنعوه، فلما شقوا بطنَه أضاء البيتَ نورًا مِن خاتمه، فدعت المرأةُ سليمان، فأرته الخاتم، فتختم به، وخرَّ لله ساجدًا، قال: إلهي، لك الحمد على قديم بلائك، وحسن صنيعك إلى آل داود، إلهي، أنت الذي ابتدأتهم بالنِّعَم، وأورثتهم الكتاب والحكم والنبوة، فلك الحمد، إلهي، تجود بالكثير، وتلطف بالصغير، إلهي، فلك الحمد، نعماؤك ظهرت فلا تخفى، وبطنت فلا تحصى، فلك الحمد، إلهي، تجود بالكثير، وتلطف بالصغير، لم تسلمني بذنوبي فلك الحمد، تغفر الذنوب، وتستجيب الدعاء، فلك الحمد، إلهي، لم تسلمني بجريرتي، فلك الحمد، ولم تخذلني بخطيئتي، فلك الحمد، فتَمِّم -إلهي- نعمتك عليَّ، واغفر لي ما سلف، ﴿وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾. فذلك قوله: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾
قال مقاتل: كانت الأخاديدُ ثلاثةً: واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، حرّقوا بالنار، أمّا التي بالشام فهو بطيانوس بن بليس الرومي، أمّا التي بفارس فهو بخت نصر، وأمّا التي بأرض العرب فهو يوسف بن ذي نواس، فأمّا التي بفارس والشام فلم يُنزل الله سبحانه فيهما قرآنًا، وأنزل في التي كانت بنجران، وذلك أنّ رجلين مُسلِمَيْن ممّن يقرؤون الإنجيل أحدهما بأرض تِهامة والآخر بنجران اليمن، فأجّر أحدُهما نفسَه في عمل يعمله، وجعل يقرأ الإنجيل، فرأتْ بنتُ المستأجر النورَ يُضيء في قراءة الإنجيل، فذكرتْ ذلك لأبيها، فرمقه حتى رآه، فسأله، فلم يُخبره، فلم يزل به حتى أخبره بالدين والإسلام، فتابَعه هو وسبعة وثمانون إنسانًا مِن رجل وامرأة، وهذا بعد ما رُفِع عيسى إلى السماء، فسمع ذلك يوسف بن ذي نواس بن شراحيل بن تُبّع بن اليشرح الحِمْيَري، فخَدَّ لهم في الأرض، فأوَقد فيها، فعرضهم على الكفر، فمَن أبى منهم أن يكفر قذفه في النار، ومَن رجع عن دين عيسى لم يُقذَف في النار، وإنّ امرأة جاءت ومعها ولد لها صغير لا يَتكلّم، فلما قامتْ على شفير الخندق نظرتْ إلى ابنها، فرجعتْ عن النار، فضُرِبتْ حتى تقدّمتْ، فلم تزل كذلك ثلاث مرات، فلما كانت في الثالثة ذهبتْ ترجع، فقال لها ابنها: يا أُمّاه، إني أرى أمامك نارًا لا تُطفأ. فلما سمعت ابنَها يقول ذلك قَذَفا جميعًا أنفسَهما في النار، فجعلها الله وابنها في الجنة، فقذف في النار في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانًا
أفادت الآثارُ الاختلافَ في تأويل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ على قولين: أحدهما: لا يأكل بعضكم أموالَ بعض بما حرّمَ عليه، من الربا، والقمار، وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها. وهذا قول السدي، وابن عباس من طريق عكرمة. والآخر: أنه نهي عن أن يأكل بعضُهم طعامَ بعض إلا بشراء، وكان القِرى محظورًا بهذه الآية، حتى نسخ ذلك قولُه تعالى: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكُمْ أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور:٦١]. وهذا قول الحسن، وعكرمة. ورجَّحَ ابنُ جرير (٦/٦٢٨) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثاني استنادًا إلى الإجماع، وأحوال النزول، ودلالة العقل، فقال: «أولى هذين القولين بالصواب في ذلك قولُ السدي؛ وذلك أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- حرّم أكل أموالنا بيننا بالباطل، ولا خلاف بين المسلمين أنّ أكل ذلك حرامٌ علينا، فإنّ الله لم يُحِلَّ قطُّ أكلَ الأموال بالباطل. وإذْ كان ذلك كذلك فلا معنى لقول مَن قال: كان ذلك نهيًا عن أكل الرجل طعامَ أخيه قرًى على وجه ما أذن له، ثم نُسخ ذلك؛ لنقل علماء الأمّة جميعًا وجُهّالها أنّ قِرى الضيف وإطعام الطعام كان من حميد أفعال أهل الشرك والإسلام التي حَمِدَ اللهُ أهلها عليها، وندبهم إليها، وأنّ الله لم يُحَرِّم ذلك في عصر من العصور، بل نَدَب الله عباده وحثهم عليه. وإذ كان ذلك كذلك فهو من معنى الأكل بالباطل خارجٌ، ومِن أن يكون ناسخًا أو منسوخًا بمعزل؛ لأنّ النسخَ إنما يكون لمنسوخ، ولم يثبت النهي عنه، فيجوز أن يكون منسوخًا بالإباحة. وإذ كان ذلك كذلك صحَّ القول الذي قلناه: مِن أنّ الباطل الذي نهى الله عن أكل الأموال به هو ما وصفنا مما حرمه على عباده في تنزيله، أو على لسان رسوله ﷺ، وشذّ ما خالفه»
ذكر ابنُ جرير (١٧/٣١٠) القراءات في الآية، ثم وجّهها بقوله: «وكأن الذين ضمُّوا دالَه وتركوا الهمزةَ وجهوا معناه إلى ما قاله أهل التفسير الذي ذكرنا عنهم، من أنّ الزجاجة في صفائها وحسنها كالدر، وأنها منسوبة إليه لذلك من نعتها وصفتها. ووجَّه الذين قرؤوا ذلك بكسر داله وهمزه إلى أنه (فِعِّيل) مِن درأ الكوكب، أي: دُفع ورُجم به الشيطان، من قوله: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ [النور:٨]، أي: يدفع، والعرب تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها: الدراري، بغير همز... وأما الذين قرؤوه بضم داله وهمزه فإن كانوا أرادوا به دُرّوء، مثل: سُبوُّح، وقُدُّوس، من درأت، ثم استثقلوا كثرة الضمات فيه، فصرفوا بعضها إلى الكسرة، فقالوا: دُرِّيء، كما قيل: ﴿وقد بلغت من الكبر عتيا﴾ [مريم:٨]، وهو فُعُول، من عتوت عتوًّا، ثم حُوِّلت بعض ضماتها إلى الكسر، فقيل: عِتِيًّا؛ فهو مذهب، وإلا فلا أعرف لصحة قراءتهم ذلك كذلك وجهًا، وذلك أنه لا يُعرف في كلام العرب: فُعِّيل». ثم رجّح مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «والذي هو أولى القراءات عندي في ذلك بالصواب قراءة من قرأ: ﴿دري﴾ بضم داله، وترك همزه، على النسبة إلى الدر؛ لأن أهل التأويل بتأويل ذلك جاءوا». ووجّه ابنُ عطية (٦/٣٨٧) قراءة ضم الدال وترك الهمز ﴿دري﴾ بقوله: «ولهذه القراءة وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، وإما أن يكون أصله: دُرِّيءٌ –مهموز- من الدرء، وهو الدفع، وخففت الهمزة». ثم وجّه القراءتين الأخريين بقوله: «‹دُرِّيءٌ› بالهمزة وهو: فُعِّيل من الدرء، بمعنى: أنها تدفع بعضها بعضًا، أو بمعنى: أن بهاءها يدفع خفاءها، و(فُعِّيل) بناء لا يوجد في الأسماء إلا في قولهم: مُرِّيق للعصفور، وفي السرية إذا اشتقت من السرو، ووجه هذه القراءة أبو علي، وضعفها غيره، وقرأ أبو عمرو والكسائي: ‹دِرِّيءٌ› على وزن (فِعِّيل) بكسر الفاء من الدرء، وهذه متوجهة»
زاد ابنُ عطية (٨/٦٠٤) في معنى الآية قولين آخرين، فقال: «وقيل: المراد: فجر العيون من الصخور وغيرها. وقال عكرمة: المراد: فجر يوم الجمعة». وذكر ابن القيم (٣/٢٩٦) أنّ قوله تعالى: ﴿والفَجْرِ﴾ «إنْ أريد به جنس الفجر كما هو ظاهر اللفظ فإنه يتضمّن وقت صلاة الصبح، التي هي أول الصلوات، فافتتح القسم بما يتضمّن أول الصلوات، وختمه بقوله: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ المتضمّن لآخر الصلوات: وإنْ أريد بالفجر فجر مخصوص فهو فجر يوم النَّحر وليلته التي هي ليلة عرفة، فتلك الليلة من أفضل ليالي العام، وما رئي الشيطان في ليلة أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه فيها، وذلك الفجر فجر يوم النَّحر الذي هو أفضل الأيام عند الله... وعلى هذا فقد تضمّن القَسم المناسك والصلوات، وهما المختصان بعبادة الله والخضوع له والتواضع لعظمته، ولهذا قال الخليل عليه السلام: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]، وقيل لخاتم الرسل ﷺ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢]، بخلاف حال المشركين المُتكبِّرين الذين لا يعبدون الله وحده، بل يُشركون به، ويستكبرون عن عبادته كحال مَن ذُكر في هذه السورة من قوم عاد وثمود وفرعون»
اختُلِف في المشار إليه ببقوله: ﴿أفمَن﴾ على قولين: الأول: محمد ﷺ. الثاني: المؤمنون. واختُلِف في المراد بالشاهد على أقوال: الأول: أنّه القرآن. الثاني: القرآن ونظمه وإعجازه. الثالث: محمد ﷺ. الرابع: لسان محمد ﷺ. الخامس: جبريل عليه السلام. السادس: مَلَكٌ يحفظه. السابع: الإنجيل. نقله ابن عطية (٤/٥٥٣). وكذا نقل ابنُ عطية (٤/٥٥٢) اختلافًا في البيِّنة على قولين: الأول: أنّه القرآن؛ أي: على جليَّة بسبب القرآن. الثاني: أنّه محمد ﷺ، أي: على جليَّة بسبب محمد ﷺ. وقد ذكر كذلك أنّ قوله: ﴿يتلوه﴾ يحتمل معنيين: الأول: بمعنى: يقرأه. الثاني: بمعنى يتبعه. وأن هذين المعنيين يتصرفان بحسب الخلاف في الشاهد. ثم وجَّه (٤/٥٥٣) الأقوال وكيف يتركب بعضها على بعض، فقال: «ولنرتب الآن اطِّراد كل قول وما يحتمل. فإذا قلنا: إنّ قوله: ﴿أفمن﴾ يُراد به: المؤمنون، فإن جعلت بعد ذلك البينة محمدًا ﷺ صحَّ أن يترتب الشاهد: الإنجيل، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه؛ لأنّ الإنجيل يقرأ شأن محمد ﷺ. وأن يترتب: جبريل عليه السلام، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، أي: في تبليغ الشرع والمعونة فيه. وأن يترتب: الملَك، ويكون الضمير في ﴿منه﴾ عائدًا على البينة التي قدَّرناها: محمدًا ﷺ. وأن يترتب: القرآن، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على الربِّ. وإن جعلنا البيِّنة: القرآن على أنّ ﴿أفمن﴾ هم المؤمنون صح أن يترتب الشاهد: محمد ﷺ، وصح أن يترتب: الإنجيل، وصح أن يترتب: جبريل والملَك، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه، وصح أن يترتب الشاهد: الإعجاز، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على القرآن. وإذا جعلنا ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ كانت البيِّنة القرآن، وترتب الشاهد: لسان محمد ﷺ، وترتب: الإنجيل، وترتب: جبريل والملَك، وترتب: علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وترتب: الإعجاز، ويُتأوَّل ﴿يتلوه﴾ بحسب الشاهد كما قلنا». وذكر ابنُ تيمية (٣/٥٢٦) أنّ كلَّ مَن فسر ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يقرؤه؛ جعل الضمير فيه عائدًا على القراءة، وجعل الشاهد غير القرءان. وقد حكى ابنُ جرير (١٢/٣٥٣- ٣٦١) الخلاف في الشاهد، ورجَّح مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية أنّ الشاهد: جبريل، وأن التلاوة بمعنى: القراءة، فقال: «وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصواب في تأويل قوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ قولُ مَن قال: هو جبريل. لدلالة قوله: ﴿ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة﴾ على صحة ذلك، وذلك أن نبيَّ الله ﷺ لم يتلُ قبل القرآن كتاب موسى، فيكون ذلك دليلًا على صحة قول مَن قال: عنى به لسان محمد ﷺ، أو: محمد نفسه، أو عليّ. ولا يُعلَمُ أنّ أحدًا كان تلا ذلك قبل القرآن أو جاء به مِمَّن ذكر أهل التأويل أنه عنى بقوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ غيرُ جبريل عليه السلام». ثم أورد اعتراضًا خُلاصته: أنّ القراءة برفع ﴿كتاب﴾، وعلى القول الذي رجَّحَه يتعين نصبها؛ لأنّ المعنى: ومن قبل القرآن يتلو جبريل كتابَ موسى. وأجاب عن هذا الاعتراض بقوله: «إنّ القراء في الأمصار قد أجمعت على قراءة ذلك بالرفع فلم يكن لأحد خلافها، ولو كانت القراءة جاءت في ذلك بالنصب كانت قراءة صحيحةً ومعنى صحيحًا... ووجه رفعهم هذا أنهم ابتدءوا الخبر عن مجيء كتاب موسى قبل كتابنا المنزل على محمد، فرفعوه بـ﴿ومن قبله﴾، والقراءة كذلك، والمعنى الذي ذكرت من معنى تلاوة جبريل ذلك قبل القرآن، وأنّ المراد من معناه ذلك، وإن كان الخبر مستأنفًا على ما وصفتُ اكتفاء بدلالة الكلام على معناه». ورجَّح ابنُ عطية (٤/٥٥٤-٥٥٥) مستندًا إلى السياق «أن يكون ﴿أفمن﴾ للمؤمنين، أو لهم وللنبي ﷺ معهم؛ إذ قد تقدم ذكر ﴿الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار﴾، فعقَّب ذكرَهم بذكر غيرهم. والبينة: القرآن وما تضمَّن. والشاهد: محمد ﷺ، أو جبريل إذا دخل النبي في قوله: ﴿أفمن﴾، أو الإنجيل. والضمير في ﴿يتلوه﴾ للبينة، وفي ﴿منه﴾ للرب تعالى. والضمير في ﴿قبله﴾ للبينة». ثُمَّ حكم بكون بقية الأقوال التي ذكرها محتملة. ووجَّه ابنُ تيمية (٣/٥١٦-٥٢٣) قول مَن فسَّره بالنبي ﷺ بأن مرادهم التمثيل لا التخصيص، لأنّ محمدًا ﷺ هو أول من كان على بينة من ربه. ورجَّح (٣/٥١٢) مستندًا إلى القرآن، واللغة، والسياق، والدلالة العقلية أنّ المشار إليه بقوله: ﴿أفمَن﴾ يعم النبيَّ ﷺ والمؤمنين، وذكر بعض الآيات الدالة على كونهم على بينة. وعلل ذلك بما يلي: أولًا: لفظ «من» في ﴿أفمن﴾ أبلغ صيغ العموم؛ لا سيما إذا كانت شرطًا أو استفهامًا، وإذا كان العلماء يحكمون في كثير من المواطن بعموم الخطاب الذي لفظه للنبي ﷺ وشموله للجميع كقوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ [يونس:٩٤]، و﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر:٦٥] فكيف تُجعَلُ الصيغة العامة له وللمؤمنين مختصة به؟! ثانيًا: أنّه تعالى قد ذكر بعد ذلك قوله: ﴿أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾، وذكر بعد هذا: ﴿مثل الفريقين﴾، وقد تقدم قبل هذا ذكر الفريقين، وقوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ إشارة إلى جماعة ولم يُقَدِّم قبل هذا ما يصلح أن يكون مشارا إليه إلا «مَن»، والضمير يعود تارة إلى لفظ «من»، وتارة إلى معناها، كقوله: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ [الأنعام:٢٥، محمد:١٦]، ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ [يونس:٤٢]، وأمّا الإشارة إلى معناها فهو أظهر من الضمير. ثالثًا: أنّ قوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ دليل على أنّ الذي على بينة من ربِّه كثيرون لا واحد. ورجَّح ابنُ تيمية (٣/٥١٢- ٥٢٨) كذلك مستندًا إلى النظائر، والدلالة العقلية أنّ المراد بالبينة: الإيمان، وبالشاهد: القرآن وأنّ ﴿يتلوه﴾ بمعنى: يتبعه، وأن المعنى: أن المؤمن على بينة من ربه بإيمانه وهداه، يتبعه شاهد من الله وهو القرآن بمثل ما هو عليه من بينة الإيمان. وكان من مستندات ترجيحه: أولًا: أنّ الإيمان هو المقصود؛ لأنّه إنما يراد بإنزال القرآن: الإيمان وزيادته، ولهذا كان الإيمان بدون القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة، والقرآن بلا إيمان لا ينفع صاحبه في الآخرة. ثانيًا: أنّ المعنى الذي رجحه يناظره قوله تعالى في آية النور [٣٥]: ﴿نور على نور﴾، وذلك نور الإيمان ونور القرآن حين يجتمعان. ثالثًا: أنّ هذا المعنى يؤيده آيات كثيرة من مثل قوله تعالى: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود:١٢٠]، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل:١٠٢]. رابعًا: أنّ الضمير في الآية في قوله تعالى: ﴿ومن قبله﴾ يعود إلى الشاهد، وهو القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أرَأَيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠]، وقيل: يعود إلى الرسول ﷺ. وهما متلازمان. خامسًا: أنّ الضمير في قوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ عائد على القرآن، ودليله قوله تعالى: ﴿فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك﴾، وهذا هو القرآن بلا ريب. وقيل: إنّه الخبر المذكور، وهو أنّه من يكفر به من الأحزاب، وهذا أيضًا هو القرآن، فعُلِمَ أنّ المراد هو الإيمان بالقرآن والكفر به باتفاقهم. وانتقد ابنُ عطية (٤/٥٥٣) مستندًا إلى اللغة القول بأنّ ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ وما يترتب عليه بأنّه: «يضعفه قوله: ﴿أولئك﴾؛ فإنّا إذا جعلنا قوله: ﴿أفمن﴾ للنبي ﷺ وحدَه لم نجد في الآية مذكورين يُشار إليهم بذلك، ونحتاج في الآية إلى تَجَوُّز وتشبيه بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق:١]، وهو شبه ليس بالقوي». وانتقد ابنُ تيمية (٤/٥١٣) مستندًا إلى الدلالة العقلية، وأحوال النُّزول، ودلالة الآية القولَ بأنّ الشاهد: جبريل عليه السلام، أو لسان محمد ﷺ، أو علي بن أبي طالب، فقال: «لأنّ كون شاهد الإنسان منه لا يقتضي أن يكون الشاهد صادقًا، فإنّه مثل شهادة الإنسان لنفسه، بخلاف ما إذا كان الشاهد مِن الله؛ فإنّ الله يكون هو الشاهد، وهذا كما قيل في قوله: ﴿قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ومَن عِندَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد:٤٣]: إنّه علي. فهذا ضعيف؛ لأنّ شهادة قريب له قد اتبعه على دينه ولم يهتدِ إلا به لا تكون برهانًا للصدق، ولا حُجَّة على الكفر، بخلاف شهادة مَن عنده علم الكتاب الأول؛ فإنّ هؤلاء شهادتهم برهان ورحمة... ومَن قال: إنّه جبريل، فجبريل لم يقل شيئًا مِن تلقاء نفسه، بل هو الذي بلَّغ القرآن عن الله، وجبريل يشهد أنّ القرآن منزل من الله، وأنه حق، كما قال: ﴿لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِما أنزَلَ إليكَ أنزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٦٦]. والذي قال هو جبريل قال: ﴿يتلوه﴾ أي: يقرؤه، كما قال: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨]، أي: إذا قرأه جبريل فاتِّبع ما قرأه، وقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم:٥]. ومن قال: الشاهد: لسانه، وجعل الضمير المذكور عائدًا على القرآن، ولم يذكر لأنّه جعل البينة هي القرآن، ولو كانت البينة هي القرآن لما احتاج إلى ذلك وقد قال: ﴿على بينة من ربه﴾ فقد ذكر أنّ القرآن من الله، وقد علم أنّه نزل به جبريل على محمد، وكلاهما بلغه وقرأه، فقوله: ﴿ويَتْلُوهُ﴾ جبريل أو محمد تكرير لا فائدة فيه، ولهذا لم يذكر مثل ذلك في القرآن. وأيضًا فكونه على القرآن لم نجد لذلك نظيرًا في القرآن؛ فإن القرآن كلام الله، وأحد لا يكون عليه، وإذا كان المراد على الإيمان بالقرآن والعمل به فهذا الذي ذكرناه: إن البينة هي الإيمان بما جاء به الرسول، وهو إخباره أنّه رسول الله، وأنّ الله أنزل القرآن عليه، ولَمّا أنزلت هذه السورة وهي مكية لم يكن قد نزل من القرآن قبلها إلا بعضه، وكان المأمور به حينئذ هو الإيمان بما نزل منه، فمَن آمن حينئذٍ بذلك ومات على ذلك كان مِن أهل الجنة، وأيضًا فتسمية جبريل شاهدًا لا نظير له في القرآن، وكذلك تسمية لسان الرسول شاهدًا، وتسمية علي شاهدًا، لا يوجد مثل ذلك في الكتاب والسنة... ومَن قال: إنّ الشاهد لسان محمد، فهو إنما أراد بهذا القول التلاوة، أي: أنّ لسان محمد يقرأ القرآن، وهو شاهد منه، أي: من نفسه؛ فإن لسانه جزء منه، وهذا القول ونحوه ضعيف. والله أعلم. هذا إن ثبت ذلك عمَّن نقل عنه، فإنّ هذا وضده ينقلان عن علي بن أبي طالب، وذلك أن طائفة من جهال الشيعة ظنُّوا أنّ عليًّا هو الشاهد منه، أي: من النبي ﷺ، كما قال له: «أنت مِنِّي، وأنا منك». وهذا قاله لغيره أيضًا، فقد ثبت في الصحيحين أنّه قال: «الأشعريون هم مِنِّي، وأنا منهم». وقال عن جُلَيْبِيب: «هذا مني، وأنا منه». وكل مؤمن هو مِن النبي ﷺ كما قال الخليل: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ [إبراهيم:٣٦]. وقال: ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ [البقرة:٢٤٩]. ورووا هذا القول عن عليٍّ نفسه، وروي عنه بإسناد أجود منه أنّه قال: كذب مَن قال هذا. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن حسين بن زيد الطحان، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، قال: قال علي: ما مِن قريش أحد إلا نزلت فيه آية قيل فما أنزل فيك؟ قال: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾. وهذا كَذِب على عليٍّ قطعًا. وإن ثبت النقل عن عبّاد هذا فإنّ له منكرات عنه، كقوله: أنا الصديق الأكبر، أسلمتُ قبل الناس بسبع سنين. وقد رووا عن عليٍّ ما يُعارِض ذلك، قال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا عمرو بن علي الباهلي، ثنا محمد بن شواص، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عروة، عن محمد بن علي -يعني: ابن الحنفية- قال: قلت لأبي: يا أبة، ﴿ويتلوه شاهد منه﴾، إنّ الناس يقولون: إنّك أنت هو. قال: وددت لو أني أنا هو، ولكنه لسانه. قال ابن أبي حاتم: وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك. قلت: وقد تقدم عن الحسين ابنه أنّ الشاهد منه: هو محمد ﷺ. وإنّما تكلم علماء أهل البيت في أنّه محمد ﷺ ردًّا على مَن قال مِن الجهلة: إنه علي. فإنّ هذه السورة نزلت بمكة وعليٌّ كان إذ ذاك صغيرًا لم يبلغ، وكان مِمَّن اتبع الرسول، ولو كان ابن رسول الله ليس ابن عمه لم تكن شهادته تنفع، لا عند المسلمين ولا عند الكفار، بل مثل هذه الشهادة فيها تهمة القرابة، ولهذا كان أكثر العلماء على أنّ شهادة الوالد وشهادة الولد لوالده لا تقبل، فكيف يجعل مثل هذا حجة لنبوة محمد ﷺ مُؤَكِّدًا لها؟!»
نقل ابنُ عطية (٣/٤٠٨) عن الزجّاج: أن الضمير في ﴿ذُرَّيَتِهِ﴾ جائزٌ أن يعود على إبراهيم عليه السلام، ثم استدرك عليه قائلًا: «ويعترض هذا بذكر لوط عليه السلام، وهو ليس من ذرية إبراهيم عليه السلام، بل هو ابن أخيه، وقيل: ابن أخته، ويتخرج عند من يرى الخال أبًا». ورجَّح ابنُ جرير (٩/٣٨١-٣٨٢) مستندًا إلى دلالة السياق، والتاريخ، والعقل عود الضمير في قوله تعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ إلى نوح، وعلَّل ذلك قائلًا: «أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- ذَكَر في سياق الآيات التي تتلو هذه الآية لوطًا، فقال: ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكِلا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾، ومعلومٌ أنّ لوطًا لم يكن من ذرية إبراهيم، فإذ كان ذلك كذلك، وكان معطوفًا على أسماء مَن سَمَّيْنا مِن ذريته؛ كان لا شك أنه لو أُرِيد بالذرية ذرية إبراهيم لما دخل يونس ولوطٌ فيهم، ولا شكَّ أن لوطًا ليس من ذرية إبراهيم، ولكنه من ذرية نوح، فلذلك وجب أن تكون الهاء في الذرية من ذكر نوح». ووافقه ابنُ عطية (٣/٤٠٩) قائلًا: «وهذا هو الجيِّد». وذكر ابنُ كثير (٦/١٠٧) أنّ هذا القول ظاهر لا إشكال فيه، ثم بيَّن أن القول بعود الضمير على إبراهيم عليه السلام حسن؛ لكون الكلام سيق من أجله، ووجَّهه من جهة النظائر بما يدفع الإشكال عنه من كون لوط عليه السلام ليس من ذرية إبراهيم عليه السلام، فقال: «اللهم إلا أن يقال: إنّه دخل في الذُرِّيَّة تغليبًا، كما في قوله تعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون﴾ [البقرة:١٣٣]، فإسماعيل عمُّه، ودخل في آبائه تغليبًا. وكما قال في قوله: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أجْمَعُونَ * إلا إبْلِيسَ﴾ [الحجر:٣٠-٣١]، فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود، وذُمَّ على المخالفة؛ لأنه كان قد تشبه بهم، فعومل معاملتهم، ودخل معهم تغليبًا، وكان من الجن، وطبيعتهم النار، والملائكة من النور»
اختُلف في قوله: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ على أقوال: الأول: ولا تُعطِ -يا محمد- عَطِيّة لِتُعطى أكثر منها. الثاني: ولا تَمْنُن عملك على ربّك تَسْتَكْثِر. الثالث: لا تَضْعُف أن تَسْتَكْثِر من الخير. الرابع: لا تَمْنُن بالنبوة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا. ووجّه ابنُ عطية (٨/٤٥٣) القول الأول، فقال: «فكأنه من قولهم: مَنَّ إذا أعطى، وقال الضَّحّاك: وهذا خاصٌّ بالنبي عليه السلام، ومباح لأُمّته، لكن لا أجر لهم فيه. قال مكي: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوا فِي أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩]». وانتقده مستندًا للسياق، فقال: «وهذا معنًى أجنبي مِن معنى هذه السورة». وعلّق على القول الثاني بقوله: «ففي هذا التأويل تحريض على الجد، وتخويف». وعلّق على القول الثالث، فقال: «وقال مجاهد: معناه: ولا تَضْعُف تَسْتَكْثِر ما حمّلناك من أعباء الرسالة وتَسْتَكْثِر من الخير. فهذه من قولهم: حبل منين، أي: ضعيف». وقد رجح ابنُ جرير (٢٣/٤١٧) -مستندًا إلى السياق، والقراءات- القول الثاني، فقال: «وإنما قلتُ ذلك أولى بالصواب؛ لأن ذلك في سياق آيات تَقدّم فيهنّ أمْر الله نبيّه ﷺ بالجد في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلقى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذكر عن عبد الله بن مسعود أنّ ذلك في قراءته: (ولا تَمْنُنْ أن تَسْتَكْثِر)»
عن وهب بن منبِّهٍ -من طريق إدريس بن سنان- قال: إنّ الله أوحى في الزَّبورِ: يا داود، إنّه سيأتي مِن بعدك نبيٌّ اسمُه: أحمدُ، ومحمدٌ، صادِقًا نبيًّا، لا أغضَبُ عليه أبدًا، ولا يَعصِيني أبدًا، وقد غفرتُ له أن يعصيَني ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر، وأمَّتُه مرحومةٌ، أعْطَيتُهم من النوافلِ مثل ما أعطَيتُ الأنبياءَ، وافترَضْتُ عليهم الفرائض التي افترَضْتُ على الأنبياء والرسل؛ حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أنِّي افترَضتُ عليهم أن يَتَطَهَّروا لي لكُلِّ صلاةٍ كما افترَضْتُ على الأنبياء قبلهم، وأمَرتُهم بالغُسلِ من الجنابةِ كما أمَرتُ الأنبياء قبلهم، وأمرتُهم بالحجِّ كما أمرتُ الأنبياء قبلهم، وأمَرْتُهم بالجهاد كما أمرتُ الرُّسُلَ قبلهم. يا داود، إنِّي فضَّلتُ محمدًا وأمَّتَه على الأُمَم كلِّها، أعطَيتُهم سِتَّ خِصالٍ لم أُعطِها غيرَهم من الأُمَم: لا أؤاخِذُهم بالخطأ والنسيان، وكلُّ ذنبٍ ركِبوه على غيرِ عمدٍ إذا استغفَروني منه غفَرْتُه، وما قدَّموا لآخِرَتِهم من شيءٍ طيبةً به أنفسُهم عجَّلْتُه لهم أضعافًا مضاعفةً، ولهم عندي أضعافٌ مُضاعَفةٌ وأفضلُ من ذلك، وأعطَيتُهم على المصائب في البلايا -إذا صبَروا وقالوا: إنّا لله وإنا إليه راجعون- الصلاةَ والرحمةَ والهدى إلى جناتِ النعيمِ، فإن دَعَوْني استجَبْتُ لهم؛ فإمّا أن يَرَوه عاجلًا، وإمّا أن أصرِفَ عنهم سُوءًا، وإمّا أن أدَّخِرَه لهم في الآخرةِ. يا داودُ، مَن لقِيَني من أُمَّةِ محمدٍ يشهدُ: أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريكَ لي صادقًا بها؛ فهو معي في جنَّتي وكرامتي، ومَن لَقِيَني وقد كذَّب مُحَمَّدًا وكذَّب بما جاء به واستهزَأ بكتابي؛ صبَبْتُ عليه في قبرِه العذاب صبًّا، وضرَبَتِ الملائكةُ وجهَه ودُبُرَه عند منشَرِه من قبره، ثم أُدخِلُه في الدَّرْك الأسفل من النار