ذكر ابن تيمية (٧/٢٠٩) أنّ طائفة من المفسرين قالوا: «أنّ هذه السورة منسوخة، أي: فيما ظنوها دلّتْ عليه من تَرْك القتال، فإنهم ظنوا أنّ قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾ يتضمّن تَرْك القتال». ثم انتقدهم -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «ومعلوم أنّ الله لم يأمر نبيّه بمكة بالقتال، بل إنما أمره بالقتال بالمدينة، وأول آية نزلت في القتال قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، فأذن الله لهم أولًا فيه، ثم كتب عليهم ثانيًا، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]»، ثم رجَّح -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «والصواب أنّ هذه الآية لم تتعرض للقتال لا بأمر ولا بنهي، بل مضمونها البراءة من دين الكفار، وهذا أمرٌ مُحكَم لا ينسخ أبدًا، وأمّا أن يقال فيها أو في غيرها رضي الرسول بدين كافرٍ فهذا لم يقُله أحدٌ مِن علماء المسلمين أصلًا، ولا أحد من سلف الأُمّة، ولا من الأولين ولا من الآخرين، ولا يقول ذلك إلا مَن هو مُفْتَرٍ على الله ورسوله، لم يرض الله بغير دين الإسلام، وهو الذي بعث الله به محمدًا لم يرض الله ولا رسوله من أحد من الخَلْق بغير هذا الدين قطّ، وإن كان لم يأمر بجهادهم في أول الأمر لعجْز المسلمين وقلّتهم». وانتقد ابنُ القيم (٣/٣٧٩) قول مقاتل -مستندًا إلى الدلالة العقلية- قائلًا: «وقد غلط في السورة خلائق، وظنوا أنها منسوخة بآية السيف؛ لاعتقادهم أنّ هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظنّ آخرون أنها مخصوصة بمن يُقرّون على دينهم وهم أهل الكتاب، وكلا القولين غلط محض، فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة، وعمومها نصٌّ محفوظ، وهي مِن السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإنّ أحكام التوحيد التي اتفقتْ عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه، وهذه السورة أخلصت التوحيد، ولهذا تُسمّى سورة الإخلاص كما تقدم. ومنشأ الغلط: ظنهم أنّ الآية اقتضتْ إقرارهم على دينهم، ثم رأوا أنّ هذا الإقرار زال بالسيف، فقالوا: منسوخ. وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار، وهم مَن لا كتاب لهم، فقالوا: هذا مخصوص بأهل الكتاب. ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضتْ تقريرًا لهم أو إقرارًا على دينهم أبدًا، بل لم يزل رسول الله من أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد في الإنكار عليهم، وعيب دينهم، وتقبيحه والنهي عنه، والتهديد والوعيد كلّ وقت، وفي كلّ نادٍ، وقد سألوه أن يكُفّ عن ذِكْر آلهتهم، وعيب دينهم، ويتركونه وشأنه، فأبى إلا مُضيًّا على الإنكار عليهم وعيب دينهم، فكيف يقال: إنّ الآية اقتضتْ تقريره لهم؟ معاذ الله مِن هذا الزعم الباطل، إنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم، وأنّ ما هم عليه مِن الدين لا نوافقكم عليه أبدًا، فإنه دين باطل، فهو مختصٌّ بكم، لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق، فهذا غاية البراءة والتنصُّل مِن موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يَدَّعوا النسخ أو التخصيص؟! أفَترى إذا جُوهدوا بالسيف كما جُوهدوا بالحجّة لا يصح أن يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ﴾؟! بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يُطهِّر الله منهم عباده وبلاده»
عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي النبي ﷺ: «اقرأ عَلَيَّ». قلت: يا رسول الله، أقرأُ عليك وعليك أنزل؟! قال: «نعم، إنِّي أُحِبُّ أن أسمعه من غيري». فقرأتُ سورة النساء، حتى أتيتُ على هذه الآية: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾. فقال: «حسبُك الآن». فإذا عيناه تذرِفان
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق ابن جُرَيْج- أنّه سأله عن قوله: ﴿ويسألونك عن اليتامى، قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾. قال: لَمّا نزلت سورة النساء عَزَل الناسُ طعامَهم، فلم يُخالِطُوهم. قال: ثُمَّ جاءوا إلى النبي ﷺ، فقالوا: إنّا يَشُقُّ علينا أن نعزِل طعام اليتامى وهم يأكلون معنا. فنزلت: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾
عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص- أنّه قال: وقال في سورة بني إسرائيل: ﴿رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾، ثم نسخ منها الآية التي في براءة: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ [التوبة:١١٣]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ يعني: وظهر لهم حين بُعثوا في الآخرة الشِّرْك الذي كانوا عليه، حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك؛ لقولهم ذلك في سورة الأنعام [٢٣]: ﴿... واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ يعني: وجب لهم العذاب بتكذيبهم واستهزائهم بالعذاب أنّه غير كائن، فذلك قوله: ﴿ما كانُوا بِهِ﴾ بالعذاب ﴿يَسْتَهْزِؤُنَ﴾
عن المِسْوَر ومروان في قصة الحُدَيبية، قالا: ثُمَّ انصرف رسول الله ﷺ راجعًا، فلمّا كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورة الفتح مِن أوّلها إلى آخرها، فلمّا أمِن الناسُ وتفاوضوا لم يُكلَّم أحد بالإسلام إلا دخل فيه، فلقد دخل في تلك السنين في الإسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك، وكان صُلح الحُدَيبية فتحًا عظيمًا
عن جابر بن عبد الله، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن مِن أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: «ما لي أراكم سُكوتًا؟! لقد قرأتُها على الجنّ ليلة الجنّ فكانوا أحسن مردودًا منكم، كنتُ كلّما أتيتُ على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالوا: ولا بشيء من نِعمك ربّنا نُكذّب؛ فلك الحمد»
عن عبد الله بن عمر -من طريق عبد الرحمن بن عمر بن عبد الرحمن بن العاص، عن أبيه، عن جدّه- أنه قال له أحد الأبناء: أما إنّ سورة الجُمُعة أنزلت فينا وفيكم في قتْلكم الكذّاب. ثم قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ﴾ حتى بلغ: ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قال: فأنتم هم
عن الزُّبير بن العوام، قال: قال رسول الله ﷺ: «فضّل الله قريشًا بسبع خصال: فضّلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده إلا قريش، وفضّلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضّلهم بأنه نزلت فيهم سورة مِن القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين غيرهم، وهي ﴿لإيلاف قريش﴾، وفضّلهم بأنّ فيهم النبوة، والخلافة، والحِجابة، والسِّقاية»
عن حكيم بن جابر -من طريق بيان- قال: لما نزلت ﴿ءامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾ الآيةَ؛ قال جبريلُ للنبيِّ ﷺ: إنّ الله قد أحسن الثناء عليكَ، وعلى أُمَّتِك، فسَلْ تُعْطَه. فسأل: ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ﴾ حتى ختم السورة بمسألة محمد ﷺ