ذكر ابنُ كثير (١١‏/‏٣٨٤) الاختلاف الوارد في نزول الآية، وفيمن عني بها، ثم قال معلّقًا: «وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف، أو في العاص بن وائل، أو فيهما، فهي عامة في كل مَن أنكر البعث. والألف واللام في قوله: ﴿أولم ير الإنسان﴾ للجنس، يعم كل منكر للبعث»

انتقد ابنُ جرير (١٣‏/‏٤٧٠) قول ابن زيد مستندًا إلى مخالفة أقوال السلف، والسياق، فقال: «وهذا القول الذي قاله ابن زيد في تأويل هذه الآية قولٌ بعيدٌ من تأويل الآية، مع خلافه أقوال مَن ذكرنا قوله مِن أهل التأويل، وذلك أنه جعل الهاء في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾ مِن ذِكْر رسول الله ﷺ، ولم يَجْرِ له في الآية التي قبلها ولا في التي قبل الأخرى ذِكْرٌ». ثم التمس له وجْهًا يمكن أن يُحمَل عليه، فقال: «إلا أن يكون أراد أن يردَّها على قوله: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ﴾». غير أنه انتقده قائلًا: «فإن كان أراد ذلك فذلك بعيدٌ؛ لِما بينهما من الآيات بغير ذِكْر الخبر عن رسول الله ﷺ، وإذا كان كذلك، فكونها عائدة على»مَن«التي في قوله: ﴿ومَن هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أقرب؛ لأنه قبلها، والخبر بعدها عنه». ووافقه ابنُ عطية (٥‏/‏١٨٥)، فقال: «وهذه الآيةُ وإن كانت ألفاظُها تنطبق على معنى القِصَّة فيُضعِف القولَ أن النبي ﷺ لم يتقدم له ذِكْر فيعود الضمير في ﴿لَهُ﴾ عليه»

سورة المائدة — الآية ٩٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: إنّما نزَل تحريمُ الخمر في قبيلَتين من قبائل الأنصار، وشَرِبوا، فلمّا أن ثَمِل القومُ عَبِث بعضُهم ببعض، فلما أن صَحَوا جعَل يَرى الرجلُ منهم الأثرَ بوجهه وبرأسه ولحيته، فيقول: صنَع بي هذا أخي فلان -وكانوا إخوةً ليس في قلوبهم ضغائن-، واللهِ، لو كان بي رَءوفًا رحيمًا ما صنَع بي هذا. حتى وقَعتِ الضغائنُ في قلوبهم؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾. فقال ناسٌ مِن المُتَكَلِّفين: هي رِجسٌ، وهي في بطنِ فلانٍ قُتِل يومَ بدر، وفلان قُتِل يوم أُحُد! فأنزَل الله هذه الآية: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية

سورة هود — الآية ٦٥

عن أبي الطُّفَيْل، قال: لَمّا غزا رسولُ الله - ﷺ - غزوة تبوك نزل الحِجْر، فقال: «يا أيها الناس، لا تسألوا نبيَّكم الآياتِ، هؤلاء قومُ صالح سألوا نبيَّهم أن يبعث لهم آيةً، فبعث الله لهم الناقة آيةً، فكانت تَلِجُ عليهم يوم وُرُودِهم الذي كانوا يَتَرَوَّوْنَ منه، ثم يحلبونها مثل ما كانوا يَتَرَوَّوْن مِن مائهم قبل ذلك لَبَنًا، ثم تخرج مِن ذلك الفَجِّ، فعَتَوْا عن أمر ربِّهم وعقروها، فوعدهم اللهُ العذابَ بعد ثلاثة أيام، وكان وعدًا مِن الله غير مكذوب، فأهلك اللهُ مَن كان منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله، فمنعه حرمُ الله مِن عذاب الله». قالوا: ومن ذلك الرجل، يا رسول الله؟ قال: «أبو رغال». (٦/ ٤٦١)

سورة الأعراف — الآية ١٩٩

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿خذ العفو﴾، قال: أمره، فأعرض عنهم عشر سنين بمكة. قال: ثم أمره بالغلظة عليهم، وأن يقعد لهم كل مرصد، وأن يحصرهم، ثم قال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة﴾ الآية كلها [التوبة:٥]. وقرأ: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ [التوبة:٧٣]. قال: وأمر المؤمنين بالغلظة عليهم، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة﴾ [التوبة:١٢٣]، بعدما كان أمرهم بالعفو. وقرأ قول الله: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾ [الجاثية:١٤]، ثُمَّ لم يقبل منهم بعد ذلك إلا الإسلامَ أو القتل. فنسخت هذه الآيةُ العفوَ

سورة النجم — الآية ٣٧

عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾، قال: وفّى سهام الإسلام كلّها، ولم يُوفِّها أحَدٌ غيره، وهي ثلاثون سهمًا؛ منها عشرة في براءة: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١] الآيات كلّها، وعشرة في الأحزاب [٣٥]: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيات كلّها، وستة في: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ من أوّلها الآياتِ كلّها، وأربع في ﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾ [٢٦-٢٧]: ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ والَّذِينَ هُمْ مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ الآيات كلّها؛ فذلك ثلاثون سهمًا، فمَن وافى الله بسهمٍ منها فقد وافاه بسهمٍ مِن سهام الإسلام، ولم يُوافِه بسهام الإسلام كلّها إلا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، قال الله: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾

سورة الحشر — الآية ٨

عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: قرأ عمر بن الخطاب: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ حتى بلغ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠]. ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال:٤١]، ثم قال: هذه لهؤلاء. ثم قرأ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ حتى بلغ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: هذه للمهاجرين. ثم تلا: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هذه للأنصار. ثم قرأ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: استوعبتْ هذه المسلمين عامّةً، وليس أحدٌ إلا له في هذا المال حقٌّ إلا ما تملكون من وُصُفِكُم. ثم قال: لَئِن عشتُ ليَأتينّ الراعي وهو بسَرْو حِمْيَر نصيبه منها، لم يَعرَق فيه جبينه

اختلف أهل التأويل في معنى الآية، والمخاطب بها، على قولين: أحدهما: المسلمون، والمعنى: ليس البرَّ كله في الصلاة، ولكن البر ما في هذه الآية. والثاني: أهل الكتابَيْن، والمعنى: ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب وصلاة النصارى إلى المشرق، ولكن البر ما في هذه الآية. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏٧٦) القولَ الثاني، وهو قول قتادة، والربيع بدلالة السياق، فقال: «الآيات قبلها مَضَتْ بتوبيخهم ولَومهم، والخبر عنهم وعما أُعِدَّ لهم من أليم العذاب، وهذا في سياق ما قبلها». وذَهَبَ ابنُ كثير (٢‏/‏١٥٥) أنّها نزلت في «طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، شَقَّ عليهم التحول إلى الكعبة؛ فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أنّ المراد إنما هو طاعة الله عز وجل»

اختُلِف في تفسير هذه الآية؛ فقال بعضهم: هو دلالة على عدد الطلاق الذي يكون للرجل فيه الرجعة على زوجته، والعدد الذي تَبِينُ به زوجته منه. وقال آخرون: إنما أُنزِلت هذه الآية على النبي ﷺ تعريفًا من الله عبادَه سُنَّةَ طلاقهم نساءَهم، لا دلالة على العدد الذي تَبِينُ به المرأة من زوجها. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏١٢٩) القولَ الأولَ الذي قال به عروة، وقتادة، وابن زيد، والسُّدِّيُّ، وعكرمة مُسْتَنِدًا إلى القرآن، فقال: «وذلك أنّ الله -تعالى ذكره- قال في الآية التي تتلوها: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾، فعَرَّف عبادَه القَدْرَ الذي به تَحْرُمُ المرأةُ على زوجها إلا بعد زوج، ولم يُبَيِّن فيها الوقتَ الذي يجوز الطلاق فيه والوقت الذي لا يجوز ذلك فيه». وعَلَّق ابنُ عطية (١‏/‏٥٦١) بعد ذكره لكلا القولين، فقال: «والآيةُ تتضمنُ هذين المعنيين»

اختلف المفسرون في ماهية الموعود به في الآية، فقال بعضهم: المعنى: آتنا ما وعدتنا من النصر والظفر على ألسنة الرسل، وأسند ابن جرير معناه عن ابن جريج، وقد رجَّحه ابن جرير (٦‏/‏٣١٨) مستندًا إلى دلالة السياق في الآية التالية، فقال: «يدل على صحة ذلك آخر الآية الأخرى، وهو قوله: ﴿فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا﴾ الآيات بعدها». وقال آخرون: المعنى: آتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من دخول الجنة، ورجَّحه ابن القيم (١‏/‏٢٦١) مستندًا إلى كونه أعم وأكمل من الذي رجحه ابن جرير. واستظهر ابن كثير (٣‏/‏٢٩٨) أن المراد: على ألسنةِ رسلك