سورة الليل — الآية ٥

عن عبد الله بن عباس، قال: نزلتْ هذه الآية في أبي بكر الصِّدِّيق: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ الآية [الأحقاف:١٥]، فاستجاب الله له، فأسلم والداه جميعًا وإخوانه وولده كلّهم، ونزلت فيه أيضًا: ﴿فَأَمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ إلى آخر السورة

ذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٥٧٤-٥٧٥) في الآية احتمالين: الأول: أن يكون قولُهم هذا وهم يرون أهل الجنة بإدراك يجعله الله لهم على بعد السفل من العلو. الثاني: أن يكون ذلك وبينهم السور والحجاب المتقدم الذكر. ثم قال مُعَلِّقًا: «والأشنع على الكافرين في هذه المقالة أن يكون بعضُهم يرى بعضًا؛ فإنّه أخزى وأنكى للنفس»

قال ابنُ عطية (٦‏/‏٥٦٨): «هذه السورة مكية، إلا قوله عز وجل: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ [٨٥]، نزلت هذه بالجحفة في وقت هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة. قاله ابن سلام وغيره. وقال مقاتل: فيها من المدني ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾ [٥٢-٥٥]»

اختُلف في المراد بالحق المعلوم على قولين: الأول: أنه الزَّكاة المفروضة. الثاني: أنه حقٌّ سوى الزَّكاة. ورجَّح ابنُ عطية (٨‏/‏٤٠٨) -مستندًا إلى أحوال النزول- القول الثاني الذي قاله ابن عمر، ومجاهد، والنَّخَعي، فقال: «هو الأصحُّ في هذه الآية؛ لأنّ السورة مكّيّة، وفرْض الزَّكاة وبيانها إنما كان بالمدينة»

سورة المائدة — الآية ٤

عن سعيد بن جبير: أنّ عَدِيَّ بن حاتم وزيد بن المُهَلْهَل الطّائِيَّيْن سألا رسول الله ﷺ، فقالا: يا رسول الله، إنّا قوم نصيد بالكلاب والبُزاة، وإنّ كلاب آل ذَرِيحٍ تصيد البقر والحمير والظِّباء، وقد حرَّم الله الميتة، فماذا يَحِلُّ لنا؟ فنزلت: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات﴾

سورة يونس — الآية ١٥

قال مقاتل، في قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا﴾: وهم خمسة نفر: عبد الله بن أبي أمية المخزومي، والوليد بن المغيرة، ومِكْرَزُ بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن عامر، قالوا للنبيِّ ﷺ: ائْتِ بقرآنٍ ليس فيه تَرْكُ عِبادةِ اللّاتِ والعُزّى

سورة النور — الآية ٣

قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾، وذلك أنّ النبيَّ قدم المدينة وبها نساءٌ مِن نساء أهل الكتاب، وإماء مشركات من إماء مشركي العرب، مجاهرات بالزِّنا، لهن رايات مثل رايات البياطرة. قال بعضهم: لا يحل مِن نساء أهل الكتاب إلا العفائف الحرائر، ولا نساء المشركين مِن غير أهل الكتاب، وإماء المشركين حرام على المؤمنين. وقال بعضهم في قوله: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾: يعني: مَن كان يزني بتلك المؤاجرات مِن نساء أهل الكتاب ومِن إماء المشركين، وإن كانت حرة من المشركات، لا ينكحها إلا زانٍ مِن أهل الكتاب أو مشرك من مشركي العرب. قال: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ تزويجهن. ثم حرَّم نساء المشركات من غير أهل الكتاب؛ زَوانِيَ كُنَّ أو عفائف، فقال: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ [البقرة:٢٢١]، ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة: ٢٢١]، قال: ولا بأس بتزويج الحُرَّة التي قد زَنَت، وإن أُقِيم عليها الحدُّ

أفادت الآثارُ أنّ معنى قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾: «أن أجور الصابرين توفّى بغير حصر ولا عدٍّ، بل جزافًا». ثم علَّق عليه ابنُ عطية (٧‏/‏٣٨١-٣٨٢) بقوله: «وهذه استعارة للكثرة التي لا تُحصى... وإلى هذا التأويل ذهب جمهور المفسرين، حتى قال قتادة: ما ثَمَّ -واللهِ- مكيال ولا ميزان، وفي بعض الحديث أنه لما نزلت: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] قال -عليه الصلاة والسلام-: «اللهم، زِدْ أُمَّتي». فنزلت: ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥]، فقال: «اللهم، زِدْ أُمَّتي». فنزلت هذه الآية، فقال: «رضيتُ، يا رب»». ثم ذكر (٧‏/‏٣٨١) احتمالًا آخر في معنى الآية: «أن الصابر يوفّى أجره، ثم لا يحاسب عن النعيم، ولا يُتابَع بذنوب». ثم وجَّهه بقوله: «فيقع ﴿الصّابِرُونَ﴾ في هذه الآية على الجماعة التي ذكرها النبي -عليه الصلاة والسلام- أنها تدخل الجنة بغير حساب، وفي قوله: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، الذين لا يتطيَّرون ولا يَكْتَوُون ولا يَسْتَرْقُون، وعلى ربهم يتوكلون، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر...» الحديثَ على اختلاف ترتيباته»

اخْتُلِف في تفسير قوله: ﴿غير باغ ولا عاد﴾؛ فقال قوم: ﴿غير باغ﴾ غير خارج على الأمة بسيفه. وقال آخرون: بل تأويل ذلك: فمن اضطر غير باغ في أكله شهوة، ولا عادٍ فوق ما لا بُدَّ له منه. وقال غيرهم: غير باغٍ الحرام في أكله، ولا مُعْتَدٍ الذي أبيح له منه. ورَجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٦٢-٦٣بتصرف) القولَ الأخير الذي قال به قتادة، والحسن، وعكرمة، ومجاهد من طريق جابر، والربيع، وابن زيد. وانتَقَدَ القولَ الأوَّلَ الذي قاله مجاهد، وسعيد، مُسْتَنِدًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «وذلك أنّ الله لم يُرَخِّص لأحد في قتل نفسه بحال، فالواجب على قُطّاع الطريق التَّوْبَةُ من معاصي الله، لا قتل أنفسهما بالمجاعة، فيزدادان إلى إثمهما إثمًا». وبيَّن ابنُ جرير (٣‏/‏٦٢) أنّ تفسير السدي -وهو القول الثاني- لقوله: ﴿غير باغ﴾ مُوافِقٌ لِما رَجَّح، وأمّا تفسيره ﴿عاد﴾ بالشَّبَع فقد بيّن أنه بعض معاني الاعتداء، ثم قال: «ولم يُخَصِّص اللهُ من معاني الاعتداء في أكله معنًى؛ فيُقال: عنى به بعض معانيه. فإذا كان ذلك كذلك فالصواب من القول ما قلنا مِن أنّه الاعتداء في كل معانيه المحرمة». ورَجَّح ابنُ تيمية (١‏/‏٤٠٤-٤٠٥) أيضًا القول الأخير، مُسْتَنِدًا إلى أحوال النُّزول، والدلالات العقلية، فقال: «لأنّ الله أنزل هذا في السور المكيّة -الأنعام، والنحل-، وفي المدنية؛ لِيُبَيِّن ما يَحِلُّ وما يَحْرُم من الأكل، والضرورة لا تختصّ بسفر، ولو كانت في سفر فليس السفر المحرّم مُخْتَصًّا بقطع الطريق والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبي ﷺ إمامٌ يُخْرَج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافرًا، والبُغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أولًا مسافرين؛ بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنِّعال والجريد، فكيف يجوز أن تُفَسَّر الآيةُ بما لا يَخْتَصَّ بالسفر، وليس فيها كلُّ سَفَرٍ محرم؟! فالمذكور في الآية لو كان كما قيل لم يكن مُطابِقًا للسفر المحرم، فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرم بدونه. وأيضًا فقوله: ﴿غير باغ﴾ حال من ﴿اضطر﴾، فيجب أن يكون حال اضطراره وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال: ﴿فلا إثم عليه﴾، ومعلوم أنّ الإثم إنما يُنفى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه؛ فمعنى الآية: فمن اضْطُرَّ فأكلَ غير باغ ولا عاد. وهذا يُبَيِّن أنّ المقصود أنّه لا يبغي في أكله، ولا يتَعَدّى»

سورة البقرة — الآية ١٦٤

عن ابن عباس، قال: ما هَبَّت ريحٌ قَطُّ إلّا جَثا النبي ﷺ على ركبتيه، وقال: «اللهم اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رِياحًا، ولا تجعلها ريحًا». قال ابن عباس: واللهِ، إنّ تفسير ذلك في كتاب الله: ﴿أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا﴾ [فصلت:١٦]، و﴿أرسلنا عليهم الريح العقيم﴾ [الذاريات:٢٨]. وقال: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ [الحجر:٢٢]، و﴿يرسل الرياح مبشرات﴾ [الروم:٤٦]