قال ابنُ عطية (٨‏/‏٥٠١): «هي مكية في قول جمهور المفسرين، وحكى النّقاش أنه قيل: إنّ فيها مِن المدني قوله: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ [المرسلات:٤٨] على قول مَن قال: إنها حكاية عن حال المنافقين في القيامة، وإنها بمعنى قوله تعالى: ﴿يدعون إلى السجود فلا يستطيعون﴾ [القلم:٤٢]». وقد نُصَّ على مكيّة سورة المرسلات في تفسير ابن كثير (١٤‏/‏٢١٩)

اختُلف في معنى التسبيح الذي أمر الله نبيّه أن يسبّحه أدبار السجود على أقوال: الأول: أنه التسبيح في أدبار الصلوات. الثاني: أنها النوافل بعد المفروضات. الثالث: أنها ركعتان بعد المغرب. ورجَّح ابن جرير (٢١‏/‏٤٧٤) -مستندًا إلى الإجماع- القول الأخير الذي قاله علي، وابن عباس، والشعبي، ومجاهد، والحسن بن علي، والحسن البصري، وغيرهم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قولُ مَن قال: هما الركعتان بعد المغرب؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك». ثم قال: «ولولا ما ذكرتُ من إجماعها عليه لرأيتُ أن القول في ذلك ما قاله ابن زيد [يعني: القول الثاني]؛ لأنّ الله -جل ثناؤه- لم يخصص بذلك صلاة دون صلاة، بل عمّ أدبار الصلوات كلها، فقال: ﴿وأدبار السجود﴾، ولم تقم بأنه معني به: دُبر صلاة دون صلاة، حجة يجب التسليم لها من خبر ولا عقل». وعلَّق ابنُ عطية (٨‏/‏٥٧) على القول الأول بقوله: «كأنه رُوعي إدبار صلاة النهار كما روعي أدبار النجوم في صلاة الليل، فقيل: هي الركعتان مع الفجر»

سورة القلم — الآية ٤٣

عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهُمْ سالِمُونَ﴾، قال: هم الكفار، يُدعَون في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يُدعَون وهم خائفون، ثم أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، فأمّا في الدنيا فإنه قال: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ وهي طاعته، ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠]. وأمّا الآخرة فإنه قال: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾

سورة الإسراء — الآية ٧٣

قال عبد الله بن عباس: قدِم وفدُ ثقيف على النبي ﷺ، فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال. قال: «وما هُنَّ؟» قالوا: أن لا ننحني -أي: في الصلاة-، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها. فقال النبي ﷺ: «لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود، وأما أن تكسروا أصنامكم بأيديكم فذاك لكم، وأما الطاغية -يعني: اللات والعزى- فإني غير مُمَتِّعكم بها». فقالوا: يا رسول الله، إنّا نُحِبُّ أن تسمع العربُ أنك أعطيتنا ما لم تعطِ غيرنا، فإن خشيت أن تقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا. فقل: اللهُ أمرني بذلك. فسكت رسولُ الله ﷺ، فطمِع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية

ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٢١٧) أنه اختُلف هل هذا التسبيح حقيقة أو مجاز على معنى أن أثر الصنعة فيها تنبه الرائي على التسبيح؟ ونقل عن الزّجّاج وغيره أنهم قالوا: إن القول بالحقيقة أحسن. ثم علَّق بقوله: «وهذا كله في الجمادات، وأما ما يمكن التسبيح منه فقول واحد: إنّ تسبيحهم حقيقة». ونقل عن قوم من المفسرين أنّ التسبيح في هذه السورة: الصلاة. وانتقده بقوله: «وهذا قول متكلّف». ثم وجَّهه (٨‏/‏٢١٧-٢١٨) بقوله: ""فأما فيمن يمكن منه ذلك فسائغ، وعلى أنّ سجود ظلال الكفار هي صلاتهم، وأما في الجمادات فيقلق، وذلك أنّ خضوعها وخشوع هيئاتها قد يُسمّى في اللغة: سجودًا؛ تجوزًا واستعارة، كما قال الشاعر:ترى الأَكم فيها سُجّدًا للحوافرويبعد أن تُسمّى تلك صلاة إلا على تحامل""

سورة الفتح — الآية ٢٩

عن موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، في قوله: ﴿محمد رسول الله﴾ قال: ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ أبو بكر الصديق، ﴿أشداء على الكفار﴾ عمر بن الخطاب، ﴿رحماء بينهم﴾ عثمان بن عفان، ﴿تراهم ركعًا سجدًا﴾ علي بن أبي طالب، ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾ إلى آخر السورة

اختُلف هل هذه الآية من الصفات أم لا؟ ورجَّح ابنُ تيمية (٦‏/‏٣٨٢) -مستندًا إلى اللغة- أنها ليست من آيات الصفات، فقال: «لا ريب أنّ ظاهر القرآن لا يدلّ على أنّ هذه من الصفات؛ فإنه قال: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ نكرة في الإثبات، لم يُضفها إلى الله، ولم يَقلْ: عن ساقه فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل». وذكر (٦‏/‏٣٨٣) «أنّ أصل الخلاف راجع لعدم الإضافة، وأنّ مَن يجعلها من الصفات يقول فيها كقوله: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص:٧٥] ونحو ذلك، فإنه مع الصفات تُثبتُ، ويجب تنزيه الرّبّ تعالى عن التمثيل». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٣٧٨) أنّ ما جاء من أمر الكشف عن الساق في الآية فإنما هو عبارة عن شِدّة الهول، ثم علَّق بقوله (٨‏/‏٣٧٨-٣٧٩): ""ومن هذا المعنى قول الشاعر في صفة الحرب:كَشَفَتْ لهم عن ساقها وبَدا عن الشّرّ البراحوأصل ذلك: أنه مّن أراد الجدّ في أمر يحاوله فإنه يَكشف عن ساقه تشميرًا وجِدًّا، وقد مدح الشعراء بهذا المعنى فمنه قول دريد:كَمِيشُ الإزار خارج نصف ساقه صبور على الضراء طلاّع أنجُدوعلى هذا من إرادة الجِدّ والتشمير في طاعة الله تعالى، قال ﷺ: «إزْرَةُ المؤمن إلى أنصاف ساقيه»"". وبيّن أنّ قوله تعالى: ﴿ويُدعون﴾ ظاهره أنّ ثمّ دعاء إلى السجود، وانتقده بقوله: «وهذا يَردّه ما قد تقرّر في الشرع من أنّ الآخرة ليست بدار عمل، وأنها لا تكليف فيها». ثم علَّق بقوله: «فإذا كان هذا فإنما الداعي ما يَرونه من سجود المؤمنين فيريدون أن يسجدوا عند ذلك فلا يستطيعون». وذكر أنّ البعض ذهب إلى أنهم يُدعَون إلى السجود على جهة التوبيخ، وأنّ البعض خرج من قوله: ﴿فلا يستطيعون﴾ أنهم كانوا يستطيعونه قبل ذلك، وعلَّق عليه بقوله: «وذلك غير لازم»

سورة البقرة — الآية ٤٣

عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ وإقامة الصلاة: تمام الركوع والسجود والتلاوة، والخشوع، والإقبال عليها فيها، ﴿وآتوا الزكاة﴾ قال: إيتاء الزكاة: ما كان الله فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، وهي سُنَّة كانت لهم غير سُنَّة محمد ﷺ، كانت زكاة أموالهم قربانًا تَهْبِط إليه نار فتحملها، فكان ذلك تقبُّلَه، ومن لم تفعل النار به ذلك كان غير متقبل، وكان الذي قُرِّب من مكسب لا يحل مِن ظلم أو غَشْم، أو أخْذٍ بغير ما أمره الله به وبينه له

سورة يونس — الآية ٩١

عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: «قال لي جبريلُ: ما أبْغَضتُ شيئًا مِن خلْق الله ما أبْغَضتُ إبليسَ يومَ أُمِر بالسجود فأَبى أن يَسْجُد، وما أبغضتُ شيئًا أشدَّ بُغضًا مِن فرعون، فلمّا كان يوم الغرق خِفتُ أن يعتَصِمَ بكلمةِ الإخلاص فينجُوَ، فأخذتُ قبضةً مِن حَمْأةٍ، فضربتُ بها في فِيه، فوجدتُ اللهَ عليه أشدَّ غضبًا مِنِّي، فأمر ميكائيل فأتاه، فقال: ﴿آلآن وقدْ عصيت قبلُ وكنتَ من المفسدين﴾»

سورة السجدة — الآية ١٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا﴾ يعني: لأعطينا ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾ فاجرة ﴿هُداها﴾ يعني: بيانها، ﴿ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ يعني: وجب العذاب مِنِّي ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ يعني: مِن كفار الإنس والجن جميعًا، والقول الذي وجب مِن الله عز وجل لقوله لإبليس يوم عصاه في السجود لآدم عليه السلام: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُمْ أجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٥]