عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- أنّه كان يقرؤها: (فَإن لَّمْ تَجِدُوا كِتابًا). وقال: الكُتّابُ كثيرٌ، لم يكن حِواءٌ من العرب إلا كان فيهم كاتب؛ ولكن كانوا لا يقدرون على القِرْطاس، والقلم، والدَّواة
عن الزهري، قال: كان أول آية نزلت في القتال كما أخبرني عروة، عن عائشة: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾ إلى قوله: ﴿إن الله لقوي عزيز﴾، ثم أذِن بالقتال في آيٍ كثيرٍ من القرآن
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهُمْ مَوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ على ذلك، ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر الذنوب الكثيرة، رحيم بعباده
عن عفيف بن سالم، قال: سألت عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن قراءة الفاتحة خلف الإمام. فقال: عن الكافية تسأل؟ قلت: وما الكافية؟ قال: الفاتحة، أما علمتَ أنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها؟
عن عُرْوَة أنّ علي بن أبي طالب دخل على مولًى لهم في الموت، وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم، فقال: ألا أُوصِي؟ قال: لا؛ إنّما قال الله: ﴿إن ترك خيرا﴾. وليس لك كثير مال، فَدَعْ مالَك لِوَرَثَتِك
عن الأوزاعي -من طريق محمد بن كثير- قال: مَن قال: أنا مؤمن. فحسن، ومَن قال: أنا مؤمن إن شاء الله. فحسن؛ لقول الله عز وجل:﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ﴾ وقد علم أنهم داخلون
ذكر ابنُ كثير (١٤/٤٠٩) هذا الأثر، ثم علّق عليه قائلًا: «وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأُمّة بليلة القدر، وقد نقله صاحب»العدة«أحد أئمة الشافعية عن جمهور العلماء، فالله أعلم. وحكى الخطابي عليه الإجماع». ثم رجّح -مستندًا إلى السنة- أنها كانت في الأمم الماضية، فقال: «والذي دلّ عليه الحديث أنها كانت في الأمم الماضين كما هي في أُمّتنا». وذكر الأثر الوارد عن أبي ذر في الآثار المتعلقة بالآية في قوله: ﴿إنا أنزلناه في لَيْلَة القدر﴾، ثم قال: «ففيه دلالة على ما ذكرناه». وكذا استدل به ابنُ كثير على أنّ ليلة القدر باقية إلى يوم القيامة، وأنها تُلتمس في رمضان دون غيره، فقال: «وفيه أنها تكون باقية إلى يوم القيامة في كلّ سنة بعد النبي ﷺ، لا كما زعمه بعض طوائف الشيعة مِن رفْعها بالكلّية، على ما فهموه من الحديث الذي سنورده بعد من قوله عليه السلام: «فرُفعتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم». لأنّ المراد رفع علم وقتها عينًا. وفيه دلالة على أن ليلة القدر يختص وقوعها بشهر رمضان من بين سائر الشهور، لا كما رُوي عن ابن مسعود ومن تابعه من علماء أهل الكوفة من أنها توجد في جميع السنة، وتُرجى في جميع الشهور على السواء». وذكر ابنُ عطية (٨/٦٥٩) أنه رُوي عن أبي حنيفة وقوم أنّ ليلة القدر رُفعتْ، وانتقده بقوله: ""وهذا قول مردود، وإنما رُفِع تعيينها""
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿وأنهم مفرطون﴾ على أقوال: الأول: أنهم متروكون في النار. الثاني: أنهم معجلون إلى النار مقدمون إليها. الثالث: أنهم مبعدون في النار. وعلّق ابنُ جرير (١٤/٢٦٥) على القول الثاني، فقال: ""وقال آخرون: معنى ذلك: معجلون إلى النار، مقدمون إليها. وذهبوا في ذلك إلى قول العرب: أفرطنا فلانًا في طلب الماء. إذا قدموه لإصلاح الدلاء والأرشية، وتسوية ما يحتاجون إليه عند ورودهم عليه، فهو مفرط، فأما المتقدم نفسه فهو فارط، يقال: قد فرط فلان أصحابه يفرطهم فرطًا وفروطًا: إذا تقدمهم، وجمع فارط فراط، ومنه قول القطامي:واستعجلونا وكانوا من صحابتنا... كما تعجل فراط لورادومنه قول النبي ﷺ: «أنا فرطكم على الحوض». أي: متقدمكم إليه، وسابقكم حتى تردوه"". وقد رجّح ابنُ جرير (١٤/٢٦٦) القول الأول، وانتقد القول الثاني مستندًا إلى دلالة العقل، واللغة، وعلل ذلك بقوله: «وذلك أن الإفراط الذي هو بمعنى التقديم إنما يقال فيمن قدم مقدمًا لإصلاح ما يقدم إليه إلى وقت ورود من قدمه عليه، وليس بمقدم من قدم إلى النار من أهلها لإصلاح شيء فيها لوارد يرد عليها فيها فيوافقه مصلحًا، وإنما تقدم من قدم إليها لعذاب يعجل له، فإذا كان معنى ذلك الإفراط الذي هو تأويل التعجيل ففسد أن يكون له وجه في الصحة؛ صح المعنى الآخر، وهو الإفراط الذي بمعنى التخليف والترك، وذلك أن يحكى عن العرب: ما أفرطت ورائي أحدًا، أي: ما خلفته، وما فرطته، أي: لم أخلفه». وذكر ابنُ كثير (٨/٣٢٢) الأول والثاني، وعلّق عليهما بقوله: «ولا منافاة؛ لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار، وينسون فيها، أي: يخلدون»
انتقد ابنُ عطية (٣/٤٥٢) قول ابن عباس مستندًا لمخالفته الواقع، فقال: «وهذا ضعيف؛ لأنّ اليهود لا تأكل الميتة». ثم وجَّهه بقوله: «أما أن ذلك يتجه منهم على جهة المغالطة كأنهم يحتجون عن العرب». وانتقده ابنُ كثير (٦/١٥٦-١٥٨) مستندًا لمخالفته الواقع، وأحوال النزول، والتعليل المرويّ في السنّة، فقال: «وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة: أحدها: أنّ اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا. الثاني: أنّ الآية من الأنعام، وهي مكية. الثالث: أنّ هذا الحديث رواه الترمذي، عن محمد بن موسى الحرشي، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه الترمذي بلفظ: أتى ناس النبي ﷺ...». ثم ذكر أنّ الصحيح المحفوظ هو روايته عن ابن عباس دون ذكر لليهود، واستدل على ذلك بعدد من الطرق والروايات
اختُلِف في معنى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِي أفْواهِهِمْ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنهم عضُّوا أصابعهم غيظًا. الثاني: أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا منه، ووضعوا أيديهم على أفواههم. الثالث: أنهم كذبوهم بأفواههم، وردُّوا عليهم قولهم. الرابع: أنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل؛ ردًّا لقولهم. ووجَّه ابنُ جرير (١٣/٦٠٨) القول الثالث، وهو قول مجاهد، وقتادة بقوله: «وكأنّ مجاهدًا وجَّه قوله: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِي أفْواهِهِمْ﴾ إلى معنى: ردُّوا أياديَ الله التي لو قبلوها كانت أياديَ ونعمًا له عندهم، فلم يقبلوها، ووجَّه قوله: ﴿فِي أفْواهِهِمْ﴾ إلى معنى: بأفواههم، يعني: بألسنتهم التي في أفواههم». وعلَّق عليه ابنُ كثير (٨/١٨٢) بقوله: «ويؤيد قول مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام ﴿وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فكأنّ هذا -والله أعلم- تفسير لمعنى ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِي أفْواهِهِمْ﴾». ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٦٠٩) القول الأول مستندًا إلى النظائر، ولغة العرب، وهو قول ابن مسعود، وابن زيد، فقال: «وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود، أنهم ردُّوا أيديهم في أفواههم، فعضُّوا عليها غيظًا على الرسل، كما وصف الله عز وجل به إخوانهم من المنافقين، فقال: ﴿وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران:١١٩]، فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم من ردِّ اليد إلى الفم». وحكى ابنُ عطية (٥/٢٢٨) عن المهدوي قولًا وصفه بالضعف، «وهو أنّ المعنى: أخذوا أيدي الرسل فجعلوها في أفواه الرسل». وانتقده قائلًا: «وهذا عندي لا وجْه له». وذكر أنّ «الأيدي» في هذه الآية قد تتأول بمعنى: الجوارح، وقد تتأول بمعنى: أيدي النعم، ثم قال: «ومما ذكر على أن الأيدي: أيدي النعم، ما ذكره الزجاج، وذلك أنّهم ردُّوا آلاء الرسل في الإنذار والتبليغ بأفواههم، أي: بأقوالهم، -فوصل الفعل بـ»فِي«عوض وصوله بـ»الباء«- وروي نحوه عن مجاهد وقتادة». ثم بيَّن أن المشهور في جمع «يد» النعمة: أياد، وأنها لا يجمع على «أيد»، ثم قال: «إلا أنّ جمعه على أيدٍ لا يكسر بابًا ولا ينقض أصلًا، وبحسبنا أن الزجاج قدَّره وتأول عليه». وذكر أن اللفظ يحتمل -على هذا- معنًى ثانيًا، وهو أن يكون المقصد: رَدُّوا إنعام الرسل في أفواه الرسل، أي: لم يقبلوه، كما تقول لمن لا يعجبك قوله: أمسك يا فلان كلامك في فمك. ثم علَّق بقوله: «ومن حيث كانت أيدي الرسل أقوالًا ساغ هذا فيها، كما تقول: كسرتُ كلام فلان في فمه، أي: رددتُه عليه، وقطعته بقِلَّة القبول والردِّ». ونقل أنّ المهدوي حكى عن مجاهد أنّه قال: معناه: ردوا نِعم الرسل في أفواه أنفسهم بالتكذيب والنَّجْه