رجَّحَ ابنُ جرير (٨/٥٦) مستندًا إلى اللغة أنّ ﴿المنخنقة﴾ هي التي تختنق: إمّا في وثاقها -وهو قول الضحاك من طريق جويبر-، وإما بإدخال رأسها في الموضع الذي لا تقدر على التخلص منه فتختنق حتى تموت -وهو قول السديّ، وقتادة، والضحاك من طريق عبيد-. وعلَّلَ ذلك بقوله: «وإنّما قلنا ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره؛ لأن المنخنقة: هي الموصوفة بالانخناق دون خنق غيرها لها، ولو كان معنيًّا بذلك أنها مفعول بها لقيل: والمخنوقة، حتى يكون معنى الكلام ما قالوا». وذَهَبَ ابنُ عطية (٣/٩٦) مستندًا إلى الإجماع، وابنُ كثير (٣/١٧) إلى أنّها التي تموت بالخنق؛ إما قصدًا، وإما اتفاقًا. قال ابن عطية: «﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ معناه: التي تموت خنقًا، وهو حبس النَّفَس، سواء فعل بها ذلك آدمي، أو اتفق لها ذلك في حجر، أو شجرة، أو بحبل، أو نحوه، وهذا إجماع»
اختُلف في قوله: ﴿ذواتا أفنان﴾ على أقوال: الأول: ذواتا ألوان. الثاني: ذواتا أغصان. الثالث: ذواتا أطراف أغصان الشجر. الرابع: عنى بذلك: فضلهما وسعتهما على ما سواهما. وعلّق ابنُ عطية (٨/٢٣٣) على القول الأول، فقال: «ويحتمل أن يكون جمع فَن، وهو قول ابن عباس، فكأنه مدحها بكثرة أنواع فواكهها ونعيمها». وعلّق على القول الثاني، فقال: «والأفنان يحتمل أن يكون جمع فَنن، وهو فَنن الغصن، وهذا قول مجاهد، فكأنه مدحها بظلالها وتكاثف أغصانها». وقد بين ابنُ جرير أنّ ﴿ذواتا أفنان﴾ معناه: «ذواتا ألوان». ودلّل على ذلك بأقوال السلف، ثم ذكر بقية هذه الأقوال ولم يعلق عليها. وذكر ابنُ كثير (١٣/٣٣٢) عبارات السلف في هذا، ثم علّق قائلًا: «وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا منافاة بينها»
اختُلف في ﴿والمُغيرات صبحًا﴾ على أقوال: الأول: فالمغيرات صُبحًا على عدوّها. الثاني: عني بذلك: الإبل حين تدفع بركبانها مِن جمْع يوم النَّحر إلى مِنى. وعلّق ابنُ عطية (٥/٦٧٤) على القول الثاني، فقال: «وقوله تعالى: ﴿فالمغيرات صبحا﴾ قال علي وابن مسعود: هي الإبل من مُزدلفة إلى مِنى أو في بدر. والعرب تقول: أغار إذا عدا جريًا ونحوه». وعلّق على الأول، فقال: «وقال ابن عباس وجماعة كثيرة: هي الخيل، واللفظة من الغارة في سبيل الله وغير ذلك من سير الأمم». وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/٥٨٠) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله -جلّ ثناؤه- أقسم بالمُغيرات صُبحًا، ولم يخصص من ذلك مُغيرة دون مُغيرة، فكلّ مُغيرة صُبحًا فداخلة فيما أقسم به»
رَجَّحَ ابن جرير (١/٤٣٠ بتصرف) أن يكون معنى ﴿فما فوقها﴾ أي: فما هو أعظم منها؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة، مستندًا في ذلك إلى ما ورد عن قتادة وابنِ جريج من أنّ البعوضة أضعف ما خلق الله. وأيّدَه ابن كثير (١/٣٢٦) مُستندًا إلى السّنّة، فقال: «يؤيده ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها، أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها». فأخبر أنه لا يَسْتَصْغِر شيئًا يَضْرِب به مثلًا، ولو كان في الحقارة والصِّغَر كالبعوضة، كما لا يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها». وانتَقَد ابنُ جرير (١/٤٣١) قولَ من جعل معنى ﴿فما فوقها﴾ أي: في الصغر والقِلَّة والحقارة؛ لمخالفتِه تأويلَ أهلِ التأويل، فقال: «وهذا قولٌ خلافُ تأويل أهل العلم الذين تُرْتَضى معرفتُهم بتأويل القرآن». وعلَّقَ ابن عطية (١/١٥٧) على القولين قائلًا: «والكُلُّ مُحْتَمَل»
عن أنس بن مالك، قال: قال رجل: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: «ما أعددتَ لها؟». قال: قال: ما أعددتُ لها من كثيرِ صلاةٍ ولا صومٍ ولا صدقةٍ، ولكني أحبُّ اللهَ ورسوله. قال: «أنتَ مع من أحببتَ»
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: فجاء جالوتُ في عَدَدٍ كثيرٍ وعُدَّةٍ، ﴿ولَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
عن عبد الله بن عمر، قال: ما مِن رجلٍ يَرى مُبتلًى فيقولُ: الحمدُ لله ِالذي عافاني مما ابتلاك به، وفضَّلني عليك وعلى كثيرٍ مِن خلقِه تفضيلًا. إلا عافاه اللهُ مِن ذلك البلاءِ كائنًا ما كان
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، قال: كان كثيرَ الصلاة في الرخاء؛ فنجا، وكان يُقال في الحكمة: إنّ العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا ما صُرِعَ وجَد مُتَّكأً
عن أبي موسى، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يصيب عبدًا نكْبَةٌ فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر». وقرأ: ﴿وما أصابَكُمْ مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسبَتْ أيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، قال: بلغنا: أنّه ليس مِن أحد تُصيبه عثرةُ قدم، أو خدْش عود، أو كذا إلا بذنبٍ، وما يعفو الله عنه أكثر