عن أنس أن أبا طلحة قال: غُشِّينا ونحنُ في مصافِّنا يومَ أحد. حدَّث أنّه كان مِمَّن غَشِيَه النعاسُ يومئذ، قال: فجعل سيفي يسقط مِن يدي وآخذُه، ويسقطُ وآخذُه. فذلك قوله: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم﴾، والطائفةُ الأخرى المنافقون ليس لهم همٌّ إلا أنفسهم؛ أجبنُ قوم، وأرعبُه، وأخذلُه للحق؛ ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾، كَذَّبَهم، إنّما هم أهل شك وريبة في الله[[أخرجه البخاري (٤٠٦٨، ٤٥٦٢)، والترمذي (٣٠٠٧، ٣٠٠٨)، والنسائي في الكبرى (١١٠٨٠، ١١١٩٨، ١١١٩٩)، وابن أبي شيبة ١٤/٣٩٩، ٤٠٦، ٤٠٧، وابن جرير ٦/١٦١، ١٦٢، وابن المنذر (١٠٨٦)، وابن أبي حاتم ٣/٧٩٣، وابن حبان (٧١٨٠)، والطبراني (٤٦٩٩، ٤٧٠٠، ٤٧٠٨)، وأبو نعيم في الدلائل (٤٢١)، والبيهقي في الدلائل ٣/٢٧٢-٢٧٤. وعزاه السيوطي إلى عَبد بن حُمَيد، وأبي الشيخ، وابن مردويه.]][[c=١٤٤٠]]
علَّقَ ابنُ كثير (١/١٦٨-١٦٩) على قول ابن عباس، ومَن تبعه كالحسن، ومسروق: إنّ الوصيّة منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث. بقوله: «على قول هؤلاء لا يُسَمّى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر؛ لأنّ آية المواريث إنما رَفَعَتْ حكمَ بعض أفراد ما دلَّ عليه عموم آية الوصاية؛ لأن الأقربين أعمّ مِمَّن يرث ولا يرث، فرُفِع حكمُ مَن يَرِثُ بما عُيِّنَ له، وبقي الآخرُ على ما دَلَّت عليه الآيةُ الأولى، وهذا إنّما يَتَأَتّى على قول بعضهم: إنّ الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت نَدْبًا حتى نُسِخَت. فأما من يقول: إنها كانت واجبة -وهو الظاهر من سياق الآية-؛ فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث، كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، فإنّ وجوب الوصيّة للوالدين والأقربين الوارثين منسوخ بالإجماع، بل منهيٌّ عنه للحديث المتقدم: «إن الله قد أعطى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه؛ فلا وصية لوارث». فآية الميراث حكم مستقل، ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، رفع بها حُكْمَ هذه بالكُلِّيَّة»
انتَقَدَ ابنُ جرير (٣/٤٨٧) مستندًا إلى الدلالة العقلية قولَ الربيع، فقال: «لا معنى لقول القائل في تأويل قوله: ﴿ولا جدال في الحج﴾ أنّ تأويله: لا تُمارِ صاحبك حتى تُغضِبه، إلا أحد معنيين: إمّا أن يكون أراد: لا تُماره بباطل حتى تغضبه. فذلك ما لا وجه له؛ لأن الله عز وجل قد نهى عن المراء بالباطل في كل حال، مُحْرِمًا كان المُمارِي أو مُحِلًّا، فلا وجه لخصوص حال الإحرام بالنهي عنه؛ لاستواء حال الإحرام والإحلال في نهي الله عنه، أو أن يكون أراد: لا تماره بالحق، وذلك أيضًا ما لا وجه له؛ لأن المحرم لو رأى رجلًا يَرُومُ فاحشةً كان الواجب عليه مراءَه في دفعه عنها، أو رآه يحاول ظلمه والذهاب منه بحق له قد غصبه عليه كان عليه مراؤه فيه وجداله حتى يتخلصه منه. والجدال والمراء لا يكون بين الناس إلا من أحد وجهين: إمّا من قِبَل ظلم، وإمّا من قِبَل حق، فإذا كان من أحد وجهيه غير جائز فعله بحال، ومن الوجه الآخر غير جائز تركه بحال، فأي وجوهه التي خص بالنهي عنه حال الإحرام؟!». وبنحوه قال ابنُ تيمية (١/٤٧٦)
وجَّه ابنُ جرير (١٠/٣٠) قراءة عليٍّ بقوله: «وكأنّ عليًا ذهب بقوله: ‹فارَقُواْ دِينَهُمْ›: خرجوا فارتدوا عنه، من المفارقة». ثم وجَّه قراءة ابن مسعود (١٠/٣٠) بقوله: «وكأنّ عبد الله تأول بقراءته ذلك كذلك أن دين الله واحد، وهو دين إبراهيم الحنيفية المسلمة، ففرَّق ذلك اليهود والنصارى، فتَهَوَّد قوم، وتنَصَّر آخرون، فجعلوه شِيَعًا متفرقة». ثم علَّق على القراءتين فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنهما قراءتان معروفتان، قد قرأَتْ بكل واحدةٍ منهما أئمةٌ من القُرّاء، وهما متفقتا المعنى غير مختَلِفَتَيْه. وذلك أن كل ضالٍّ فَلِدِينه مُفارق، وقد فرَّق الأحزابُ دينَ الله الذي ارتضاه لعباده، فتَهَوَّد بعضٌ، وتنَصَّر آخرون، وتَمَجَّس بعضٌ، وذلك هو التفريق بعَيْنِهن ومصير أهله شِيَعًا متفرقين غير مجتمعين، فَهُم لدين الله الحق مُفارقون وله مُفَرِّقون، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فهو للحق مُصيب، غير أني أختارُ القراءة بالذي عليه عُظْمُ القُرّاء، وذلك تشديد الراء من ﴿فرَّقوا﴾»
علَّق ابن جرير (٢٢/١٤٥-١٤٦) على ما قاله ابن عباس من طريق العَوفيّ، وقابوس، بقوله: «ولا بيان عندنا في هذا الخبر عن ابن عباس كيف كانت قراءته ذلك، إلا أنّا وجّهنا معنى قوله هذا على النحو الذي جاءنا من تأويله قوله: ﴿كهشيم المحتظر﴾ إلى أنه كان يقرأ ذلك كنحو قراءة الأمصار، وقد يحتمل تأويله ذلك كذلك أن يكون قراءته كانت بفتح الظاء من ﴿المحتظر﴾، على أن ﴿المحتظر﴾ نعت للهشيم، أُضيف إلى نعته، كما قيل: ﴿إن هذا لهو حق اليقين﴾ [الواقعة:٩٥]، وكما قيل: ﴿ولدار الآخرة﴾ [يوسف:١٠٩]، والمعنى: وللدار الآخرة، ولهو حقّ اليقين، وقد ذُكر عن الحسن وقتادة أنهما كانا يقرآن ذلك كذلك، ويتأولانه هذا التأويل الذي ذكرناه عن ابن عباس». وذكر أنّ من قالوا بهذا القول كأنهم وجّهوا معناه إلى أنه مثّل هؤلاء القوم بعد هلاكهم وبلائهم بالشيء الذي أحرقه مُحرِق في حظيرته. وذكر ابنُ عطية (٨/١٥١) أنّ قول ابن عباس وقتادة على قراءة كسر الظاء، وانتقده بقوله: «وفي هذا التأويل بعض البُعد»
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قوله: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾، قال: فكان الرجل إذا مات وترك امرأتَه اعْتَدَّتْ سنةً في بيته، يُنفَقُ عليها مِن ماله، ثُمَّ أنزل الله -تعالى ذكره- بعدُ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]. فهذه عِدَّةُ المُتَوَفّى عنها زوجُها، إلا أن تكون حامِلًا، فعِدَّتُها أن تَضَع ما في بطنها. وقال في ميراثها: ﴿ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ ولَدٌ فَإنْ كانَ لَكُمْ ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء:١٢]. فبيَّن اللهُ ميراثَ المرأة، وتركَ الوصيةَ والنفقةَ
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أدنى أهل الجنة منزلة لَمَن له سبع درجات، هو على السادسة وفوقه السابعة، وإنّ له لثلاثمائة خادم، ويُغدى ويُراح عليه كلّ يوم ثلاثمائة صحيفة -ولا أعلمه إلا قال:- من ذهب، في كلّ صحيفة لونٌ ليس في الأخرى، وإنه ليلذّ أوله كما يلذّ آخره، ومِن الأشربة ثلاثمائة إناء، في كلّ إناء لون ليس في الأخرى، وإنه ليلذّ أوله كما يلذّ آخره، وإنه ليقول: يا ربّ، لو أذنتني لأطعمتُ أهل الجنة وسقيتهم، لا ينقص مما عندي شيء. إنّ له مِن الحُور العِين لاثنين وسبعين زوجة، سوى زوجته في الدنيا، وإنّ الواحدة منهن ليأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ لأنه أكثر أنهار الجنة خيرًا، وذلك النهر عجّاج يطرد مثل السهم، طِينه المِسك الأذفر، ورَضْراضه الياقوت والزَّبَرْجَد واللؤلؤ، أشد بياضًا من الثلج، وأَلْين من الزُّبد، وأحلى من العسل، حافتاه قِباب الدُّرّ المُجوّف، كلّ قُبّة طولها فرسخ في فرسخ، وعرضها فرسخ في فرسخ، عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب، في كلّ قُبّة زوجة من الحُور العين، لها سبعون خادمًا، فقال رسول الله ﷺ: «يا جبريل، ما هذه الخيام؟». قال جبريل عليه السلام: هذه مساكن أزواجك في الجنة، يتفجّر مِن الكوثر أربعة أنهار لأهل الجنان التي ذكر الله عز وجل في سورة محمد ﷺ: الماء، والخمر، واللبن، والعسل
علَّقَ ابنُ كثير (٦/٤٨٢) على آثار الحسن هذه -ما عدا الثاني منها- بقوله: «هذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنهما أنّه فسَّر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأَوْلى ما حُمِلَت عليه الآية». وبيَّنَ ابنُ جرير (١٠/٦٢٨) المعنى على قول الحسن -ومَن قال بقوله-، فقال: «قالوا: معنى الكلام: هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها -أيها الرجل الكافر- حملت حملًا خفيفًا، فلما أثقلَتْ دعوتما الله ربكما. قالوا: وهذا مِمّا ابتُدِئ به الكلامُ على وجْه الخطاب، ثم رُدَّ إلى الخبر عن الغائب، كما قيل: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس:٢٢]»
انتقد ابنُ القيم (٢/١٨٢) مستندًا إلى ظاهر القرآن والدلالة العقلية قول الكلبي وما في معناه، فقال: «أرباب هذا القول هضموا الآية معناها؛ فإن معناها أجلُّ وأعظم مما ذكروه، وقوله: ﴿أعطى كل شيء﴾ يأبى هذا التفسير؛ فإن حمل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصَّة ممتنعٌ لا وجه له، وكيف يخرج مِن هذا اللفظ الملائكة والجن ومَن لم يتزوج مِن بني آدم ومَن لم يُسافِد من الحيوان؟ وكيف يُسَمّى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقًا له؟ وأين نظير هذا في القرآن؟ وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه ذكره بأدلِّ عبارة عليه وأوضحها، فقال: ﴿وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾، فَحمْلُ قوله: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ على هذا المعنى غير صحيح. فتأمَّلْه»