ذَكَر ابنُ عطية (٣‏/‏٤٣) أنّ قوله: ﴿أن تعدلوا﴾ يحتمل عدة احتمالات، فقال: «يحتمل أن يكون معناه: مخافة أن تعدلوا، ويكون العدل هنا بمعنى: العدول عن الحق. ويحتمل أن يكون معناه: محبة أن تعدلوا، ويكون العدل بمعنى: القسط، كأنه قال: انتهوا خوف أن تجوروا، أو محبة أن تقسطوا». وبنحوه قال ابنُ جرير (٧‏/‏٥٨٨-٥٨٩)، ثم قال: «فإن جعلت العامل ﴿تتبعوا﴾ فيحتمل أن يكون المعنى: محبة أن تجوروا»

علّق ابنُ كثير (٦‏/‏٣٣٠) على هذا الأثر عن علي بقوله: «وهذا فيه فائدة أنّ مساكنهم كانت باليمن، وأنّ هودًا عليه السلام دُفِن هناك، وقد كان من أشرف قومه نَسَبًا؛ لأنّ الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم، وكانوا مِن أشدِّ الأمم تكذيبًا للحق؛ ولهذا دعاهم هود عليه السلام إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى طاعته، وتقواه»

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٣٥٩): «فيحتمل أن يراد بـ﴿أُولئِكَ﴾: القوم الذين وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والاستمتاع بالخلاق، والمعنى: وأنتم أيضًا يعتريكم بإعراضكم عن الحق. ويحتمل أن يريد بـ﴿أُولئِكَ﴾: المنافقين المعاصرين لمحمد ﷺ، ويكون الخطاب لمحمد ﷺ، وفي ذلك خروجٌ مِن خطاب إلى خطاب غير الأول». ثم قال: «ويُقَوِّي أنّ الإشارة بـ﴿أُولئِكَ﴾ إلى المنافقين قوله في الآية المستقبلة: ﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾. فتأمَّلْه»

سورة هود — الآية ٣٧

عن عُبَيد بن عُمير الليثي -من طريق محمد بن إسحاق- أنّه كان يُحَدِّث، أنّه بَلَغَه: أنهم كانوا يبطشون به -يعني: قوم نوح-، فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللَّهُمَّ، اغفِر لقومي؛ فإنّهم لا يعلمون. حتى إذا تَمادَوْا في المعصية، وعَظمت في الأرض منهم الخطيئة، وتطاول عليه وعليهم الشأن، واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر النَّجْلَ بعد النَّجْلِ، فلا يأتي قرنٌ إلا كان أخبثَ مِن القرن الذي قبله، حتى إن كان الآخر منهم لَيقول: قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا هكذا مجنونًا. لا يَقْبَلون منه شيئًا، حتى شَكا ذلك مِن أمرهم نوحٌ إلى الله تعالى، كما قصَّ الله علينا في كتابه: ﴿رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا﴾ [نوح:٥-٦] إلى آخر القصة، حتى قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا﴾ إلى آخر القصة، فلَمّا شكا ذلك منهم نوحٌ إلى الله واستنصره عليهم أوحى الله إليه أن: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا﴾ أي: بعد اليوم؛ ﴿إنهم مغرقون﴾. فأقبل نوحٌ على عَمَلِ الفُلَك، ولَهِيَ عن قومه، وجعل يقطع الخشب، ويضرب الحديد، ويُهَيِّءُ عِدَّة الفلك مِن القارِ وغيره مِمّا لا يصلحه إلا هو، وجعل قومُه يَمُرُّون به وهو في ذلك مِن عمله، فيسخرون منه، ويستهزئون به، فيقول: ﴿إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم﴾. قال: ويقولون له فيما بلغني: يا نوحُ، قد صِرْتَ نَجّارًا بعد النُّبُوَّة؟! قال: وأَعْقَمَ اللهُ أرحامَ النساء، فلا يولد لهم ولد. قال: ويزعمُ أهل التوراة: أنّ الله أمره أن يصنع الفلك مِن خشب السّاج، وأن يصنعه أزْوَرَ، وأن يَطْلِيه بالقارِ مِن داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعًا، وأن يجعله ثلاثة أطباق؛ سفلًا ووسطًا وعلوًا، وأن يجعل فيه كِوًى. ففعل نوحٌ كما أمره الله، حتى إذا فرغ منه، وقد عهد الله إليه: إذا جاء أمرنا وفار التنور فاحمل فيها من كل زوجين اثنين، وأهلك إلا من سبق عليه القول، ومَن آمن، وما آمَن معه إلا قليل. وقد جعل التنور آيةً فيما بينه وبينه، فقال: ﴿حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين﴾ [المؤمنون:٢٧]، واركب. فلمّا فار التَّنُّورُ حمل نوح في الفلك مَن أمره الله، وكانوا قليلًا كما قال الله، وحمل فيها مِن كل زوجين اثنين مِمّا فيه الروح والشجر، ذكر وأنثى، فحمل فيه بَنِيه الثلاثةَ -سام، وحام، ويافث- ونساءَهم، وسِتَّةَ أُناسٍ مِمَّن كان آمن به، فكانوا عشرة نفر؛ نوح وبنوه وأزواجهم، ثم أدخل ما أمره به من الدواب، وتخلف عنه ابنُه يام، وكان كافرًا

أفادت الآثارُ الاختلافَ في المخاطب بهذه الآية على أربعة أقوال: أولها: أنّه خطاب لورثة الأزواج ألّا يمنعوهن من التزويج. وهذا قول ابن عباس، والحسن، وعكرمة. وثانيها: خطاب للأزواج ألّا يعضلوا نساءهم بعد الطلاق، كما كانت قريش تفعل في الجاهلية. وهو قول ابن زيد. وثالثها: أنه خطاب للأزواج ألّا يحبسوا النساء كرهًا؛ ليفتدين نفوسهن، أو يَمُتْنَ فيرثهن الزوج. وهذا قول قتادة، والشعبي، والسدي، والضحاك، وغيرهم. ورابعها: أنّه خطاب للأولياء. وهذا قول مجاهد. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٣٠-٥٣١) القولَ الثالثَ استنادًا إلى الدلالة العقلية، وقال: «إنّما قلنا ذلك أولى بالصِّحَّة لأنّه لا سبيلَ لأحدٍ إلى عضل امرأة إلّا لأحد رجلين: إمّا لزوجها بالتضييق عليها وحبسها على نفسه وهو لها كارِهٌ، مضارّة منه لها بذلك؛ ليأخذ منها ما آتاها بافتدائها منه نفسها بذلك. أو لوليِّها الذي إليه إنكاحُها. وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحدٍ غيرهما، وكان الوليُّ معلومًا أنّه ليس مِمَّن أتاها شيئًا فيُقال -إنْ عضلها عن النكاح-: عَضَلها ليذهب ببعض ما آتاها. كان معلومًا أنّ الذي عنى اللهُ -تبارك وتعالى- بنهيِه عن عضلها هو زوجُها الذي له السبيلُ إلى عضلها ضِرارًا لتفتدي منه». ثُمَّ قال مُنتَقِدًا الأقوال الأخرى: «وإذا صحَّ ذلك، وكان معلومًا أنّ الله -تعالى ذِكْرُه- لم يجعل لأحدٍ السبيلَ على زوجته بعد فراقه إياها وبينونتها منه فيكون له إلى عضلِها سبيلٌ لتفتدي منه مِن عَضْله إياها، أتت بفاحشة أم لم تأت بها، وكان الله -جل ثناؤه- قد أباح للأزواج عضلَهُنَّ إذا أتين بفاحشة مبيِّنة حتى يَفْتَدِينَ منه، كان بيِّنًا بذلك خطأُ التأويل الذي تأوّله ابن زيد، وتأويلِ من قال: عنى بالنهي عن العضل في هذه الآية أولياءَ الأيامى، وصحةُ ما قلنا فيه». وبنحوه قال ابنُ عطية (٢‏/‏٥٠٠)

اختُلِف في معنى قوله: ﴿الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات والخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات﴾؛ فقال قوم: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول، والطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. وقال آخرون: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء. ورجَّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٢٣٨) مستندًا إلى السياق القولَ الأول دون الثاني الذي قاله ابن زيد، فقال: «لأنّ الآيات قبل ذلك إنما جاءت بتوبيخ الله للقائلين في عائشة الإفك، والرامين المحصنات الغافلات المؤمنات، وإخبارهم ما خصَّهم به على إفكهم، فكان خَتْمُ الخبر عن أولى الفريقين بالإفك من الرامي والمرمي به أشبه مِن الخبر عن غيرهم». وعلَّق ابنُ عطية (٦‏/‏٣٦٦) على القول الثاني بقوله: «فمعنى هذه: التفريق بين حُكْمِ عبد الله بن أُبَيٍّ وأشباهه وبين حُكْمِ النبي ﷺ وفضلاء صحابته -رضوان الله عليهم- وأمته، أي: النبي ﷺ طَيِّب فلم يجعل الله له إلا كل طيبة، وأولئك خبيثون فهم أهل النساء الخبائث». وذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٢٠٢-٢٠٣) أنّ القول الثاني راجع إلى الأول باللازم، فقال: «وهذا أيضًا يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم، أي: ما كان اللهُ ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب مِن كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثةً لما صلحت له لا شرعًا ولا قدرًا؛ ولهذا قال: ﴿أولئك مبرؤون مما يقولون﴾ أي: هم بُعَداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان، ﴿لهم مغفرة﴾ أي: بسبب ما قيل فيهم مِن الكذب، ﴿ورزق كريم﴾ أي: عند الله في جنات النعيم. وفيه وعد بأن تكون زوجة النبي ﷺ في الجنة»

سورة النساء — الآية ٦٠

عن قتادة بن دِعامة -من طريق شَيْبان- قال: ذُكِر لنا: أنّ هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار ورجل من اليهود في مُدارَأَةٍ كانت بينهما، في حَقٍّ تَدارَءا فيه، فتحاكما إلى كاهن كان بالمدينة، وتركا رسول الله ﷺ، فعاب اللهُ ذلك عليهما. وقد حُدِّثنا: أنّ اليهوديَّ كان يدعوه إلى نبي الله ﷺ، وكان لا يعلم أنّه لا يجوز عليه، وكان يأبى عليه الأنصاريُّ الذي زعم أنه مسلم؛ فأنزل الله فيهما ما تسمعون، عاب ذلك على الذي زعم أنه مسلم، وعلى صاحب الكتاب

سورة البقرة — الآية ١٥٢

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: الشُّكرُ يأخذ بِجِرْمِ الحمد وأصله وفرعه، فلينظر في نِعَمٍ من الله في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك، ليس من هذا شيء إلا وفيه نعمة من الله، حَقٌّ على العبد أن يعمل بالنِّعَم اللاتي هي في يديه لله عز وجل في طاعته، ونِعْمٌ أخرى في الرزق، وحَقٌّ عليه أن يعمل لله فيما أنعم به عليه من الرزق في طاعته، فمَن عَمِل بهذا كان أخذ بِجِرْمِ الشكر وأصله وفرعه

سورة التوبة — الآية ٢٩

قال مالك بن أنس -من طريق ابن وهب- في قول الله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، قال مالك: فإنّما يُعْطِي أهلُ الكتاب الجزيةَ مِن ثمن الخمر والخنزير، فذلك حلالٌ للمسلمين أن يأخذوه مِن أهل الكتاب في الجزية، ولا يحل لهم أن يأخذوا في جزيتهم الخنزير ولا الخمر بعينها

سورة التوبة — الآية ١٠٤

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، ما مِن عبدٍ يَتَصَدَّق بصدقة طَيِّبة مِن كسب طيِّب -ولا يقبل الله إلا طيِّبًا، ولا يصعد إلى السماء إلا طيِّبٌ-، فيضعها في حقٍّ؛ إلا كانت كأنما يضعها في يد الرحمن، فيُربِّيها له كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّهُ أو فَصِيلَهُ، حتى إنّ اللُّقمة أو التمرة لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم». وتصديقُ ذلك في كتاب الله: ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾