ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٣٧٧-٣٧٨) في عود الضمير من قوله: ﴿مما في بطونه﴾ عدة أقوال، فقال: ""وقوله: ﴿مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾ الضمير عائد على الجنس، وعلى المذكور، كما قال الشاعر:مثل الفراخ نتفت حواصلهوهذا كثير، لقوله تعالى: ﴿إنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ [الإنسان:٢٩]، ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر:٥٥]. وقيل: إنما قال: ﴿مِمّا فِي بُطُونِهِ﴾ لأن الأنعام والنعم واحد فرد، والضمير على معنى: النعم. وقالت فرقة: الضمير عائد على البعض، إذ الذكور لا ألبان لها، فكأن العبرة إنما هي في بعض الأنعام"". وذكر ابنُ كثير (٨‏/‏٣٢٣) في عود الضمير قولين، وعلّق عليهما، فقال: «وأفرد هاهنا الضمير عودًا على معنى: النعم، أو الضمير عائد على الحيوان؛ فإن الأنعام حيوانات، أي: نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان، وفي الآية الأخرى: ﴿مما في بطونها﴾ [المؤمنون:٢١]، ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى: ﴿كلا إنه تذكرة فمن شاء ذكره﴾ [المدثر:٥٤-٥٥]، وفي قوله تعالى: ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان﴾ [النمل:٣٥-٣٦] أي: المال»

سورة النساء — الآية ٢

عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- قال: إن رجلًا مِن غَطَفان كان معه مالٌ كثيرٌ لابن أخٍ له يتيم، فلما بلغ اليتيمُ طلب مالَه، فمنعه عمُّه، فخاصمه إلى النبي ﷺ؛ فنزلت: ﴿وآتوا اليتامى أموالهم﴾

سورة المائدة — الآية ٧١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يقول: تجاوز عنهم، فرفع عنهم البلاء، فلم يتوبوا بعد رفع البلاء، ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ من قتلهم الأنبياء، وتكذيبهم الرسل

سورة الحجرات — الآية ٧

عن أبي سعيد الخُدري -من طريق أبي نَضْرة- قال: لَمّا قُبِض رسولُ الله ﷺ أنكَرْنا أنفسَنا، وكيف لا نُنكِرُ أنفسَنا واللهُ يقول: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾؟!

اختُلف في معنى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ على أقوال: الأول: حضَّ الله نبيَّه على الصلاة المكتوبة، وعلى الحفاظ عليها في أوقاتها بقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾. الثاني: عُنِيَ بقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ المكتوبة، وبقوله: ﴿وانْحَرْ﴾ أن يرفع يديه إلى النَّحر عند افتتاح الصلاة والدخول فيها. الثالث: ضع يدك اليمين على الشمال، ثم ضعهما على صدرك في الصلاة. الرابع: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ المكتوبة، ﴿وانْحَر﴾ نَحْر البدن. الخامس: صلِّ يوم النَّحر صلاة العيد، وانحر نُسكك. السادس: قيل ذلك للنبي لأنّ قومًا كانوا يُصلُّون لغير الله، ويَنحَرون لغيره، فقيل له: اجعل صلاتك ونَحْرك لله، إذ كان من يكفر بالله يجعله لغيره. السابع: أُنزِلَتْ هذه الآية يوم الحُدَيْبِية، حين حُصِر النبي وأصحابه وصُدُّوا عن البيت، فأمره الله أن يُصلّي، ويَنحَر البُدْن، ويَنصَرِف، ففعَل. الثامن: استقبل القِبلة بنَحْرك. التاسع: فصلِّ وادعُ ربَّكَ وسَلْهُ. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٧٠٠) القول الثالث بقوله: «فالنَّحر -على هذا- ليس بمصدر نَحَرَ، بل هو الصدر». وعلَّق عليه ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٨١) بقوله: «يُروى هذا عن علي، ولا يصح». وعلَّق ابنُ عطية على القول السابع بقوله: «وعلى هذا تكون الآية من المدني». ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٦٩٦) -مستندًا إلى السياق والدلالة العقلية- القول السادس وهو قول محمد بن كعب القُرَظيّ، فذكر أنّ الصواب: «فاجعل صلاتك كلَّها لربِّك خالصًا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نَحْرُك، اجْعَلْه له دون الأوثان، شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كُفْءَ له، وخصَّك به، من إعطائه إيّاك الكوثر». وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ثناؤه- أخبر نبيّه بما أكرمه به مِن عطيَّتِه وكرامتِه وإنعامه عليه بالكوثر، ثم أتبع ذلك قولَه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَر﴾، فكان معلومًا بذلك أنه خصَّه بالصلاة له، والنَّحر على الشكر له، على ما أعْلَمه من النعمة التي أنعمها عليه، بإعطائه إيّاه الكوثر، فلم يكن لخصوص بعض الصلاة بذلك دون بعضٍ، وبعض النحر دون بعضٍ وجْهٌ، إذ كان حثًّا على الشكر على النعم». وعلَّق ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٨٢) على ترجيح ابن جرير بقوله: «وهذا الذي قاله في غاية الحُسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى: محمد بن كعب القُرَظيّ، وعطاء». وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٩٩) أنّ النَّحر: «نَحْر الهدي والنُّسك في الضحايا في قول جمهور الناس». ثم وجَّهه بقوله: «فكأنه تعالى قال: ليكن شغلك هذين، ولم يكن في ذلك الوقت جهاد». ورجَّح ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٨٢) «أنّ المراد بالنَّحر: ذبح المناسك؛ ولهذا كان رسول الله يُصلِّي العيد، ثم يَنحَر نُسكه، ويقول: «مَن صَلّى صلاتنا، ونَسك نُسكنا، فقد أصاب النُّسك، ومَن نَسك قبل الصلاة فلا نُسك له». فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، إني نَسكتُ شاتي قبل الصلاة، وعرفتُ أنّ اليوم يوم يُشتهى فيه اللحم. قال: «شاتك شاة لحم». قال: فإنّ عندي عَناقًا هي أحبّ إليّ من شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: «تجزئك، ولا تجزئ أحدًا بعدك»». وعلَّق ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٨٢) على القول الثاني والثالث والثامن قائلًا: «وكلّ هذه الأقوال غريبة جدًّا»

علَّقَ ابنُ جرير (٢‏/‏٤٦) على خبر ابن عباس بقوله: «وهذا الخبر يدلُّ على أنّ ابن عباس كان يرى أنّ الله -جل ثناؤه- كان قد وعد مَن عمل صالحًا من اليهود والنصارى والصابئين على عمله في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]». وعلَّقَ ابن كثير (١‏/‏٤٣١ بتصرف) بأنه لا منافاة بين ما رُوِي عن مجاهد، والسدي، وما روي عن ابن عباس، معللًا ذلك بقوله: «فإنّ الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملًا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه [الله] بما بعثه به، فأمّا قبل ذلك فكلُّ مَن اتبع الرسول في زمانه فهو على هدًى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى عليه السلام الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم... فلما بُعِث عيسى عليه السلام وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى... فلما بعث الله محمدًا ﷺ خاتمًا للنبيين، ورسولًا إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقُه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر، وهؤلاء هم المؤمنون حقًّا»

رجَّح ابن جرير (٥‏/‏٦٧٥) مستندًا إلى السنة، وابن عطية (٢‏/‏٣١٧) مستندًا إلى القرآن، والسنة، قول الحسن من طريق عباد، ومن طريق قتادة، بأن ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾: خطاب للأمة بأنهم خير أمة أخرجت للناس، فذكر ابن جرير بسنده: عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إنكم وفَّيتم سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله». وزاد عليه ابن عطية استدلاله بقوله تعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وبقوله ﷺ: «نحن الآخرون السابقون» الحديث. وكذا رجَّح ابن كثير (٣‏/‏١٤٢) مستندًا إلى دلالة العموم، والنظائر، بأن الآية عامة في جميع الأمة، فقال: ""والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وسَطًا﴾، أي: خيارًا، ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]». ووجَّه ابن عطية (٢‏/‏٣١٦) قول الحسن من طريق عباد، فقال: «فلفظ ﴿أمة﴾ على هذا التأويل اسم جنس، كأنه قيل لهم: كنتم خير الأمم»

انتَقَدَ ابنُ جرير (٣‏/‏١٩٩) قولَ مَن زعم أنّ معناه: فمن شهد أوَّلَه مقيمًا حاضرًا فعليه صوم جميعه، وبيَّنَ أنه قولٌ باطلٌ فاسدٌ؛ مستندًا إلى ما ورد في السُّنَّة في قوله: «لِتَظاهُرِ الأخبارِ عن رسول الله ﷺ أنّه خرج عام الفتح من المدينة في شهر رمضان بعد ما صام بعضه، وأفطرَ وأمر أصحابه بالإفطار». وإلى مثله استند ابنُ كثير (٢‏/‏١٨٢) في انتقاده، حيث قال: «هذا القول غريب، نقله أبو محمد ابن حزم في كتابه المُحَلّى عن جماعة من الصحابة والتابعين. وفيما حكاه عنهم نظر -والله أعلم-؛ فإنه قد ثبتت السُّنَّةُ عن رسول الله ﷺ أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، وأمر الناس بالفطر. أخرجه صاحبا الصحيح»

أفادت الآثارُ الاختلافَ في معنى قوله تعالى: ﴿من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ على قولين: أحدهما: أنّ معنى الدخول في هذا الموضع: الجماع. وهذا قول ابن عباس. والآخر: أنّ معنى الدخول في هذا الموضع: التجريد، وجميع أنواع التلذذ. وهذا قول عطاء. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٥٩-٥٦٠) القولَ الأولَ استنادًا إلى الدلالة العقلية، وإجماع الحجة، وقال: «لأنّ ذلك لا يخلو معناه من أحد أمرين: إما أن يكون على الظاهر المتعارَف من معاني الدخول في الناس، وهو الوصول إليها بالخلوة بها، أو يكون بمعنى الجماع. وفي إجماع الجميع على أنّ خلوة الرجل بامرأته لا يحرِّم عليه ابنتَها إذا طلَّقها قبل مَسِيسها ومُباشرتها، أو قبل النَّظر إلى فرجها بالشهوة، ما يدلُّ على أنّ معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع. وإذْ كان ذلك كذلك فمعلومٌ أنّ الصحيح من التأويل في ذلك ما قلناه». وهو ظاهر كلام ابن كثير (٣‏/‏٤١٤)

أفادت الآثار اختلاف المفسرين في دخول الصبي الصغير تحت وصف الرقبة المؤمنة في كفارة القتل الخطأ على قولين: الأول: لا يطلق وصف الإيمان على الصغير الذي لم يبلغ ولم يختر الإيمان. الثاني: يطلق وصف الإيمان على الطفل المولود بيْن أبوَيْن مسلمَيْن. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٣١٢) مستندًا إلى الدلالة العقلية أنّ وصف الإيمان لا يَصْدُق على الصبي غير البالغ، إلا أنه أدخل الطفل المولود بيْن أبوَيْن مسلمَيْن تحت حكم الآية قياسًا على الإجماع على إجراء أحكام أهل الإيمان عليه في الموارثة والمناكحة وغيرها. وقال ابنُ كثير (٤‏/‏١٩٤): «واختار ابن جرير: أنّه إن كان مولودًا بين أبوين مسلمين أجزأ، وإلا فلا. والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلمًا صحَّ عتقه عن الكفارة، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا»