أفادت الآثارُ الاختلافَ في المراد بالميثاق المذكور في الآية على ثلاثة أقوال: أولها: أنّه إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وهذا قول الضحاك، والسدي، والحسن، وابن سيرين، وقتادة. وثانيها: أنّه عقد النكاح الذي استحل به الفرج. وهذا قول مجاهد، وابن زيد. وثالثها: أنّه قول النبي ﷺ: «أخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله واسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهُنَّ بكلمة الله». وهذا قول عكرمة، والربيع. وزاد ابن عطية (٢/٥٠٥) قولًا رابعًا: أنّ الميثاق الغليظ: الولد. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦/٥٤٦) القولَ الأولَ مستندًا إلى ظاهر الكتاب، فقال: «أوْلى هذه الأقوال بتأويل ذلك قولُ من قال: الميثاق الذي عُني به في هذه الآية: هو ما أُخِذَ للمرأة على زوجها عند عقْدِ النكاح مِن عهدٍ على إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان، فأقرَّ به الرجل. لأنّ الله -جل ثناؤه- بذلك أوصى الرجالَ في نسائهم»
أفادت الآثار اختلافًا في مبلغ أسنان الدية الواجبة من الإبل على أقوال: الأول: هي أرباع: خمس وعشرون منها حِقَّة، وخمس وعشرون جَذَعَة، وخمس وعشرون بنات مخاض، وخمس وعشرون بنات لبون. الثاني: هي أرباع، غير أنها ثلاثون حِقَّة، وثلاثون بنات لبون، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنو لبون ذكور. الثالث: هي أخماس: عشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعَة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنات مخاض. وبعد حكاية ابن جرير (٧/٣٢٧) الإجماع على أنها مائة من الإبل، والإجماع على أنها لا تقل ولا تزيد عن السن المقدر لها شرعًا، رجَّح مستندًا إلى الإطلاق وعدم التحديد أنّ المُجْزِئ في دية قتل الخطأ أيُّ سنٍّ من هذه الأسنان، وعلل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جلَّ ذِكْره- لم يَحُدَّ ذلك بحدٍّ لا يجاوزه ولا يُقَصِّر عنه، ولا رسوله ﷺ، إلا ما ذَكَرْتُ من إجماعهم فيما أجمعوا عليه؛ لأنه ليس للإمام مجاوزة ذلك في الحكم بتقصير ولا زيادة، وله التَّخَيُّر فيما بين ذلك بما رأى الصلاح فيه للفريقَيْن». وقد ذكر ابنُ جرير قول مكحول بأنّ عاقلة القاتل إن كانت من أهل الذهب فالواجب أن يقوَّم في كل زمان قيمة مائة من الإبل، وذكر قول علماء الأمصار واختاره بأنّ عاقلة القاتل إن كانت من أهل الذهب فإن لورثة القتيل عليهم ألف دينار في كلّ زمان، وبيَّن ابنُ جرير وجهة هذا القول مستندًا إلى الإجماع، والدلالة العقلية، فقال: «وأما الذين أوجبوها في كل زمان على أهل الذهب ذهبًا ألف دينار، فقالوا: ذلك فريضة فرضها الله على لسان نبيه محمد ﷺ، كما فرض الإبل على أهل الإبل. قالوا: وفي إجماع علماء الأمصار في كل عصر وزمان، إلا من شَذَّ عنهم، على أنها لا تُزاد على ألف دينار، ولا تنقص عنها؛ أوضحُ الدليل على أنها الواجبة على أهل الذهب، وجوبَ الإبل على أهل الإبل؛ لأنها لو كانت قيمة المائة من الإبل لاختلف ذلك بالزيادة والنقصان لتَغَيُّر أسعار الإبل»
بيَّن ابنُ كثير (٣/٤٤١ بتصرف) القولَ في حكم الأَمَة إذا زنت، فقال: «ملخص الآية: أنها إذا زنت أقوال: أحدها: أنها تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده، وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال: أولها: أنها تنفى عنه. وثانيها: لا تنفى عنه مطلقًا. وثالثها: أنها تنفى نصف سنة، وهو نصف نفي الحرة. وهذا الخلاف في مذهب الشافعي. وأما أبو حنيفة فعنده أنّ النفي تعزيرٌ ليس من تمام الحد، وإنما هو رأي الإمام؛ إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء. وعند مالك أنّ النفي إنما هو على الرجال، وأما النساء فلا؛ لأن ذلك مضاد لصيانتهن. والله أعلم. والثاني: أنّ الأَمَة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان، وتضرب قبله تأديبًا غير محدود بعدد محصور، وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير: أنها لا تضرب قبل الإحصان. وإن أراد نفيَه فيكون مذهبًا بالتأويل، وإلا فهو كالقول الثاني. والثالث: أنها تجلد قبل الإحصان مائة وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود، وهو أضعف الأقوال. والرابع: أنها تجلد قبل الإحصان خمسين وترجم بعده، وهو قول أبي ثور، وهو ضعيف أيضًا». وذَهَبَ ابنُ جرير (٦/٦١٢-٦١٣) استنادًا إلى ظاهر الآية، وأقوال السلف إلى أنّ على الأمة إذا زنت نصف المائة، ونصف المدة، فقال في تأويل قوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾: «يقول: فعليهن نصف ما على الحرائر من الحدِّ إذا هُنَّ زَنين قبل الإحصان بالأزواج. والعذاب الذي ذكره الله -تبارك وتعالى- في هذا الموضع هو الحدُّ، وذلك النصف الذي جعله الله عذابًا لمن أتى بالفاحشة من الإماء إذا هُنَّ أحصن: خمسون جلدة، ونَفي ستة أشهر، وذلك نصف عام؛ لأنّ الواجب على الحرة إذا هي أتت بفاحشة قبل الإحصان بالزوج جلد مائة، ونفي حَوْلٍ؛ فالنصف من ذلك خمسون جلدة، ونفي نصف سنة، وذلك الذي جعله الله عذابًا للإماء المحصنات إذا هن أتين بفاحشة»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ وذلك أنّ الرجل مِن أهل الجنة له قصر، في ذلك القصر سبعون قصرًا، في كلّ قصر سبعون بيتًا، كلّ بيت مِن لؤلؤة مُجوّفة طولها في السماء فرسخٌ، وعَرضها فرسخٌ، عليها أربعة ألف مِصراع من ذهب، في ذلك البيت سرير منسوج بقُضبان الدُّرّ والياقوت، عن يمين السرير وعن يساره أربعون ألف كرسي مِن ذهب، قوائمها ياقوت أحمر، على ذلك السرير سبعون فراشًا، كلّ فراش على لون، وهو جالس فوقها، وهو متكئ على يساره، عليه سبعون حُلّة من دِيباج، الذي يلي جسده حريرة بيضاء، وعلى جبهته إكليلٌ مُكلّل بالزَّبَرْجَد والياقوت وألوان الجواهر، كلّ جوهرة على لون، وعلى رأسه تاج من ذهب، فيه سبعون ذُؤابة، في كلّ ذُؤابة دُرّة تساوي مال المشرق والمغرب، وفي يديه ثلاث أسورة، سوار من ذهب، وسوار من فِضّة، وسوار من لؤلؤ، وفي أصابع يديه ورِجليه خواتيم مِن ذهب وفِضّة فيه ألوان الفصوص، وبين يديه عشرة آلاف غلام لا يَكبرون ولا يَشِيبون أبدًا، ويوضع بين يديه مائدة من ياقوتة حمراء، طولها ميل في ميل، ويوضع على المائدة سبعون ألف إناء من ذهب وفِضّة، في كلّ إناء سبعون لونًا من الطعام، يأخذ اللقمة بيديه، فما يَخطر على باله حتى تتحوّل اللقمة عن حالها إلى الحال التي يشتهيها، وبين يديه غلمان بأيديهم أكواب من ذهب، وإناء من فِضّة معهم الخمر والماء، فيأكل على قدر أربعين رجلًا من الألوان كلّها، كلّما شبع من لون من الطعام سَقوه شربة مما يشتهي من الأشربة فَيَتَجَشَّأُ، فيَفتح الله تعالى عليه ألف باب مِن الشهوة مِن الشراب، فيدخل عليه الطير من الأبواب كأمثال النَّجائب، فيَقومون بين يديه صفًّا، فيَنعتُ كلٌّ نفسَه بصوتٍ مُطْرِبٍ لذيذ ألذّ مِن كلّ غناء في الدنيا، يقول: يا وليّ الله، كُلني؛ إنى كنتُ أرعى في روضة كذا وكذا من رياض الجنة. فيحلون عليه أصواتها، فيرفع بصره، فينظر إليهم، فينظر إلى أزهاها صوتًا، وأجودها نعتًا، فيشتهيها، فيَعلم الله ما وراء شهوته في قلبه من حُبّه، فيجيء الطير، فيقع على المائدة؛ بعضه قَدِيد، وبعضه شواء، أشدّ بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل، فيأكل، حتى إذا شبع منها واكتفى طارت طيرًا كما كانت، فتَخرج من الباب الذي كانت دَخلتْ منه، فهو على الأرائك، وزوجته مُستقبلة، يبصر وجهه في وجهها من الصفاء والبياض، كلّما أراد أن يُجامعها ينظر إليها، فيستحي أن يَدعوها، فتَعلم ما يريد منها زوجها، فتدنو إليه، فتقول: بأبي وأمي، ارفع رأسك، فانظر إليّ، فإنك اليوم لي، وأنا لك. فيُجامعها على قوة مائة رجل من الأوّلين، وعلى شهوة أربعين رجلًا، كلّما أتاها وجدها عذراء، لا يَغفل عنها مقدار أربعين يومًا، فإذا فرَغ وجد ريح المِسك منها، فيزداد حُبًّا لها، فيها أربعة آلاف وثمانمائة زوجة مثلها، لكلّ زوجة سبعون خادمًا وجارية
اختلف السلف في المعني بالحفدة على أقوال: الأول: الأختان. الثاني: أعوان الرجل وخدمه. الثالث: ولد الرجل، وولد ولده. الرابع: بنو امرأة الرجل من غيره. ووجّه ابن عطية (٥/٣٨٣) القول الثالث، فقال: «وقالت فرقة: الحفدة: هم البنون. وهذا يستقيم على أن تكون الواو عاطفة صفة لهم، كما لو قال: جعلنا لهم بنين وأعوانًا، أي: وهم لهم أعوان، فكأنه قال: وهم حفدة». وقد رجّح ابنُ جرير (١٤/٣٠٣-٣٠٤ بتصرف) مستندًا إلى اللغة أن الحفدة: هم المسرعون في خدمة الرجل، وأن ذلك يعم جميع هذه الأقوال، فقال: «والحفدة في كلام العرب: جمع حافد، والحافد في كلامهم: هو المتخفف في الخدمة والعمل، والحفد: خفة العمل، يقال: مر البعير يحفد حفدانًا: إذا مر يسرع في سيره، ومنه قولهم: إليك نسعى ونحفد، أي: نسرع إلى العمل بطاعتك... وإذ كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم المسرعون في خدمة الرجل المتخففون فيها، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة منا ومن غيرنا، وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا من أزواجنا، وخدمنا من مماليكنا، إذا كانوا يحفدوننا فيستحقون اسم حفدة، ولم يكن الله تعالى دل بظاهر تنزيله ولا على لسان رسوله ﷺ ولا بحجة عقل على أنه عنى بذلك نوعًا من الحفدة دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكل ذلك علينا؛ لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاص من الحفدة دون عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم، وإذا كان ذلك كذلك فلكل الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرنا وجه في الصحة، ومخرج في التأويل، وإن كان أولى بالصواب من القول ما اخترنا لما بينا من الدليل». وذكر ابنُ عطية (٥/٣٨٣-٣٨٤) هذه الأقوال، ثم علَّق قائلًا: «ولا خلاف أن معنى الحفد: الخدمة، والبر، والمشي مسرعًا في الطاعة، ومنه في القنوت: «وإليك نسعى ونحفد»... وهذه الفرق التي ذكرت أقوالها إنما بَنَتْ على أنّ كل أحد جعل له من زوجه بنون وحفدة، وهذا إنما هو في الغالب وعظم الناس». ثم ذكر احتمالًا آخر، فقال: «ويحتمل عندي أن قوله: ﴿من أزواجكم﴾ إنما هو على العموم والاشتراك، أي: من أزواج البشر جعل الله لهم البنين، ومنهم جعل الخدمة فمن لم تكن له قط زوجة فقد جعل الله له حفدة، وحصل تحت النعمة، وأولئك الحفدة هم من الأزواج، وهكذا تترتب النعمة التي تشمل جميع العالم، وتستقيم لفظة»الحفدة«على مجراها في اللغة، إذ البشر بجملتهم لا يستغني أحد منهم عن حفدة». وعلَّق ابنُ كثير (٨/٣٣٢-٣٣٣) عليها قائلًا: «فمن جعل ﴿وحفدة﴾ متعلقًا بـ﴿أزواجكم﴾ فلا بد أن يكون المراد: الأولاد، وأولاد الأولاد، والأصهار؛ لأنهم أزواج البنات، وأولاد الزوجة. وكما قال الشعبي والضحاك، فإنهم غالبًا يكونون تحت كنف الرجل، وفي حجره، وفي خدمته. وقد يكون هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بصرة بن أكثم: «والولد عبد لك». رواه أبو داود. وأما من جعل الحفدة: هم الخدم؛ فعنده أنه معطوف على قوله: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا﴾، أي: وجعل لكم الأزواج والأولاد، [وجعل لكم خدامًا]»
عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: سألتُ عمر بن الخطاب: لأيِّ شيء سُمِّيتَ: الفاروق؟ قال: أسلم حمزةُ قبلي بثلاثة أيام، وخرجت بعده بثلاثة أيام، فإذا فلان بن فلان المخزومي، قلت له: أرَغِبْتَ عن دين آبائِك، واتَّبَعْتَ دينَ محمد؟ قال: إن فعلتُ فقد فَعَلَه مَن هو أعظمُ حَقًّا مِنِّي عليك. قلتُ: مَن هو؟ قال: خَتَنُك وأختك. قال: فانطلقتُ، فوجدتُ الباب مغلقًا، وسمعت هَمْهَمَةً، قال: ففُتِح لي الباب، فدخلتُ، فقلتُ: ما هذا الذي أسمع عندكم؟ قالوا: ما سمعتَ شيئًا. فما زال الكلامُ بيني وبينهم حتى أخذتُ رأسَ خَتَني، فضربتُه ضربةً، فأَدْمَيْتُه، فقامتْ أُختي، فأخذت برأسي، فقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك. قال: فاسْتَحْيَيْتُ حينَ رأيتُ الدِّماء، فجلستُ، وقلتُ: أرُوني هذا الكتابَ. فقالت أختي: إنّه لا يمسه إلا المطهرون، فإن كُنت صادقًا فقُم فاغتسل. قال: فقُمْتُ واغتسلتُ، وجئتُ فجلستُ، فأخرجا إلَيَّ الصحيفةَ فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. قلتُ: أمّا ظاهره طَيِّب. ﴿طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿له الأسماء الحسنى﴾ [طه:١-٨] وما بعدها، فتعظمت في صدري، وقُلْتُ: مِن هذا فَرَّتْ قريش؟! ثم شرح الله صدري للإسلام، فقلتُ: ﴿لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾. قال: فما في الأرض نسمَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِن رسول الله ﷺ. قلتُ: أين رسول الله ﷺ؟ قالت: عليك عهدُ اللهِ وميثاقُه أن لا تجبهه بشيءٍ يكرهُه؟ قلت: نعم. قالت: فإنّه في دار أرقم بن أبي أرقم. في دارٍ عند الصفا، فأتيتُ الدارَ وحمزة في أصحابه جلوسٌ في الدار، ورسولُ الله ﷺ في البيت، فضربتُ الباب، فاستجمع القومُ، فقال لهم حمزةُ: ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب. قال: افتحوا له البابَ، فإن قَبِلَ قَبِلْنا منه، وإن أدبر قتلناه. فسمع ذلك رسولُ الله ﷺ، فقال: «ما لكم؟». فقالوا: عمر بن الخطاب. قال: فخرج رسول الله ﷺ، فأخذ بمجامع ثيابه، ثم نَتَرَهُ نترةً، فما تمالَك أن وقَع على رُكبتيه على الأرض، قال: «ما أنت بمنتهٍ، يا عُمر؟». قال: قلتُ: أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله. قال: فكبَّر أهلُ الدار تكبيرةً سمِعها أهلُ المسجد، قلت: يا رسول الله، ألَسْنا على الحقِّ إن مِتْنا وإن حَيِينا؟ قال: «بلى -والذي نفسي بيده- إنّكم لَعلى الحق إن مِتُّم وإن حَيِيتُم». قال: فقلتُ: ففيم الاختفاءُ؟! والذي بعثكَ بالحق لتخرجنَّ. فأخرجناه في صفَّين؛ حمزةُ في أحدهما، وأنا في الآخر، له كَدِيدٌ كَكَدِيدِ الطَّحين حتى دخلنا المسجد، قال: فنَظَرَتْ إلَيَّ قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبةٌ لم يُصِبْهُم مثلُها، فسَّماني رسول الله ﷺ: الفاروق، وفرَّق الله بين الحق والباطل
عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عبد الله». قلتُ: لبّيك، يا رسول الله. ثلاث مرات، قال: «هل تدري أيَّ عُرى الإيمان أوثق؟». قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: «أوثق عرى الإيمان: الولاية في الله؛ بالحُبّ فيه، والبُغض فيه». قال: «هل تدري أيّ الناس أفضل؟». قلتُ: الله ورسوله أعلم؟ قال: «أفضل الناس أفضلهم عملًا إذا فَقُهوا في دينهم. يا عبد الله، هل تدري أيّ الناس أعلم؟». قلتُ: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّ أعلم الناس أبصرهم بالحقّ إذا اختلف الناس، وإن كان مُقصِّرًا بالعمل، وإن كان يزحف على اسْتِه، واختلف مَن كان قبلنا على ثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث، وهلك سائرها؛ فرقةٌ وازتِ الملوك، وقاتلَتْهم على دين الله وعيسى ابن مريم حتى قُتلوا، وفرقةٌ لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك، ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال، وترهّبوا فيها، وهم الذين قال الله: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ أجْرَهُمْ﴾ هم الذين آمنوا بي وصدّقوني، ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ فاسِقُونَ﴾ الذين جحدوني وكفروا بي»
اختُلِف في المراد بالفرقان؛ فقال قوم: هو التوراة التي فرق فيها بين الحق والباطل. وقال ابن زيد: هو البرهان الذي فرَّق بين حق موسى وباطل فرعون. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٢٨٨) القول الثاني مستندًا إلى الأغلب في اللغة، وانتقد الأول، فقال: «وذلك لدخول الواو في الضياء، ولو كان الفرقان هو التوراة -كما قال مَن قال ذلك- لكان التنزيل: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء. لأن الضياء الذي آتى الله موسى وهارون هو التوراة التي أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم -فبصرهم الحلال والحرام، ولم يقصد بذلك في هذا الموضع ضياء الإبصار. وفي دخول الواو في ذلك دليل على أنّ الفرقان غير التوراة التي هي ضياء. فإن قال قائل: وما ينكر أن يكون الضياء مِن نعت الفرقان، وإن كانت فيه واوٌ، فيكون معناه: وضياء آتيناه ذلك، كما قال: ﴿... بزينة الكواكب وحفظا﴾ [الصافات:٦-٧]؟ قيل له: إنّ ذلك وإن كان الكلام يحتمله، فإن الأغلب من معانيه ما قلنا، والواجب أن يُوَجَّه معاني كلام الله إلى الأغلب الأشهر مِن وجوهها المعروفة عند العرب، ما لم يكن بخلاف ذلك ما يجب التسليم له مِن حُجَّة خبر، أو عقل». وذكر ابنُ عطية (٦/١٧٤) أنّ قراءة ابن عباس ﴿ضياء﴾ بغير واو تؤيد القول الأول
عن محمد بن جعفر، قال رسول الله ﷺ: «نعم، ائْتُونِي العَشِيَّة أبعث معكم القويَّ الأمين». قال: فكان عمر بن الخطاب يقول: ما أحببتُ الإمارةَ قطُّ حُبِّي إيّاها يومئذ؛ رجاء أن أكون صاحبَها، فرحت إلى الظهر، فلمّا صلى رسول الله ﷺ الظهر سلَّم، ثم نظر عن يمينه ويساره، فجعلت أتَطاوَل له لِيَراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: «اخرج معهم، فاقضِ بينهم بالحقِّ فيما اختلفوا فيه». قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام﴾، وكان يُقال: مَن مشى مع خصمه وهو له ظالم؛ فهو آثِمٌ حتى يرجع إلى الحق. واعلم -يا ابن آدم- أنّ قَضاء القاضي لا يُحلُّ لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى ويشهدُ به الشهود، والقاضي بَشر يُخْطِئُ ويُصِيب. واعلموا أنّه من قد قُضي له بالباطل فإنّ خصومته لم تنقضِ حتّى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبُطل للمُحِقِّ بأجود مما قُضي به للمبطل على المحقّ في الدنيا