اختلف أهل التأويل في الحين الذي يقال لهم فيه ذلك، على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ ذلك يوم القيامة حين يُدعَون إلى السجود فلا يستطيعون. وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنّ ذلك في الدنيا. وهذا قول قتادة. والثالث: أنّ ذلك في الدنيا، وعُني بالركوع في هذا الموضع الصلاة. وهذا قول مجاهد. واختار ابنُ جرير (٢٣/٦١٤) العموم، وأنّ ذلك خبر من الله تعالى عن مخالفة هؤلاء المجرمين، فقال: «أولى الأقوال في ذلك أن يُقال: إنّ ذلك خبر من الله -تعالى ذِكْره- عن هؤلاء القوم المجرمين أنهم كانوا له مخالفين في أمره ونهيه، لا يأتمرون لأمره، ولا ينتهون عما نهاهم عنه». ونقل ابنُ عطية (٨/٥١١) عن بعض المتأولين أنه «عني بالركوع: التواضع»
اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: ﴿ومَن كفر فأمتعه قليلًا﴾ مَن قائله؟ وما وجه قراءته؟ على قولين: أحدهما: قائل هذا القول ربُّنا -تعالى ذِكْرُه-، وقرأ قائلو هذه المقالة ذلك: ﴿فَأُمَتِّعُه﴾ بتشديد التاء ورفع العين. والآخر: قائل ذلك إبراهيم عليه السلام على وجه الدعاء، وقرأ قائلو هذه المقالة ذلك: (فَأَمْتِعْهُ) بتخفيف التاء وسكون العين، على الدّعاء. ورجَّحَ ابنُ جرير (٢/٥٤٦) القولَ الأولَ، وهو قول أُبَيِّ بن كعب وقراءته، ومجاهد من طريق سفيان بن عيينة، ورجَّحَ قراءتَه لاستفاضة النقل بتصويب تلك القراءة. وانتَقَدَ القراءةَ الثانية لشذوذها، فقال: «والصواب من القراءة في ذلك عندنا والتأويل ما قاله أبي بن كعب وقراءته؛ لقيام الحجة بالنقل المستفيض وراثةً بتصويب ذلك، وشذوذ ما خالفه من القراءة. وغير جائز الاعتراض بمن كان جائزًا عليه في نقله الخطأ والسهو على مَن كان ذلك غير جائز عليه في نقْله. وإذ كان ذلك كذلك فتأويل الآية: قال الله: يا إبراهيم، قد أجبتُ دعوتك، ورزقتُ مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم متاعًا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطرّ كفارهم بعد ذلك إلى عذاب النار». وانتَقَدَها ابنُ كثير (٢/٧٦) أيضًا؛ لشذوذها، ومخالفتها السياق، فقال: «هي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة، وتركيب السياق يأبى معناها -والله أعلم-؛ فإن الضمير في ﴿قال﴾ راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في ﴿قال﴾ عائدًا على إبراهيم، وهذا خلاف نظم الكلام»
قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبر عن خوف الملائكة أنهم إذا سمعوا الوحي خرُّوا سجدًا من مخافة الساعة، فكيف يَعبدون مَن هذه منزلته؟! فهلّا يعبدون من تخافه الملائكة! ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ وذلك أن أهل السموات من الملائكة لم يكونوا سمعوا صوت الوحي ما بين زمن عيسى ومحمد ﷺ، وكان بينهما قريب مِن ستمائة عام، فلما نزل الوحي على محمد ﷺ سمعوا صوت الوحي كوقع الحديد على الصفا، فخرُّوا سجدًا مخافة القيامة، إذ هبط جبريل على أهل كل سماء فأخبرهم أنّه الوحي، ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ تجلى الفزع عن قلوبهم؛ قاموا من السجود، قالوا: فتسأل الملائكة بعضها بعضًا: ماذا قال جبريل عن ربكم؟ ﴿قالُوا الحَقَّ﴾ يعني: الوحي، ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ الرفيع، ﴿الكَبِيرُ﴾ العظيم، فلا أعظم منه
رجَّحَ ابنُ جرير (٢/٥٣٦) قولَ عطاء بأنّ المراد بالعاكف في هذه الآية: المقيم في البيت على سبيل الجوار فيه بغير طواف ولا صلاة، مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية، فقال: «وأَوْلى هذه التأويلات بالصواب ما قاله عطاء، وهو أنّ العاكف في هذا الموضع: المقيم في البيت مجاورًا فيه بغير طواف ولا صلاة؛ لأن صفة العكوف ما وصفنا من الإقامة بالمكان، والمقيم بالمكان قد يكون مقيمًا به وهو جالس ومُصَلٍّ وطائف وقائم، وعلى غير ذلك من الأحوال، فلَمّا كان -تعالى ذكره- قد ذكر في قوله: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ المصلين والطائفين عُلِم بذلك أنّ الحال التي عنى الله -تعالى ذكره- من العاكف غيرُ حال المُصَلِّي والطائف، وأنّ التي عَنى من أحواله هو العكوف بالبيت على سبيل الجوار فيه، وإن لم يكن مُصَلِّيًا فيه ولا راكعًا ولا ساجدًا»
عن مجاهد بن جبر، قال: كان رسول الله ﷺ بعُسْفان، والمشركون بضَجَنان، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر، ورآه المشركون يركع ويسجد؛ ائتمروا أن يُغِيرُوا عليه، فلمّا حضرت العصر صفَّ الناسُ خلفه صفَّين، فكبَّر، وكبَّروا جميعًا، وركع، وركعوا جميعًا، وسجد، وسجد الصفُّ الذين يلونه، وقام الصف الثاني الذين بسلاحهم مُقْبِلين على العدوِّ بوجوههم، فلما رفع النبي ﷺ رأسَه سجد الصفُّ الثاني، فلما رفعوا رؤوسهم ركع، وركعوا جميعًا، وسجد، وسجد الصف الذين يلونه، وقام الصف الثاني بسلاحهم مقبلين على العدو بوجوههم، فلمّا رفع النبي ﷺ رأسَه سجد الصفُّ الثاني. قال مجاهد: فكان تكبيرهم وركوعهم وتسليمه عليهم سواء، وتناصفوا في السجود. قال مجاهد: فلم يُصَلِّ رسول الله ﷺ صلاة الخوف قبل يومه ولا بعده
اختُلف في هذين المثَلَين على قولين: الأول: أنّ مثلهم في التوراة بأن سيماهم في وجوههم، ومثَلُهم في الإنجيل كَزَرْعٍ أخرج شَطْأَه. الثاني: هذان المثلان في التوراة والإنجيل واحد. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٣٢٩) -مستندًا إلى أقوال السلف، وإلى اللغة- القول الأول، وهو قول الضَّحّاك، وقتادة، ومقاتل، وابن زيد. وانتقد القول الثاني، فقال: إن «القول لو كان كما قال مجاهد مِن أنّ مثَلَهم في التوراة والإنجيل واحد لكان التنزيل: ومثلهم في الإنجيل وكزَرْعٍ أخرج شَطْأَه، فكان تمثيلهم بالزرع معطوفًا على قوله: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ حتى يكون ذلك خبرًا عن أنّ ذلك مَثلهم في التوراة والإنجيل، وفي مجيء الكلام بغير واوٍ في قوله: ﴿كَزَرْعٍ﴾ دليلٌ بيِّنٌ على صحة ما قلنا، وأن قوله: ﴿ومَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ﴾ خبرٌ مبتدأٌ عن صفتهم التي هي في الإنجيل دون ما في التوراة منها»
رَجَّحَ ابن جرير (١/٤٩٨-٥٠١) بدلالة ظاهر الآية، ونظائرها أن الله عز وجل أخبر الملائكة بأن ذرية خليفته في الأرض يفسدون فيها، ويسفكون فيها الدماء. وأنّ قول الملائكة له: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ استخبارٌ منها لربها، لا إنكار منها لما أعلمها ربها أنه فاعل. وقال (١/٥٠٠-٥٠١): «فإن قال قائل: فإن كان أوْلى التأويلات بالآية هو ما ذكرت، من أنّ الله أخبر الملائكة بأن ذرية آدم خليفته في الأرض يفسدون فيها، ويسفكون فيها الدماء، فمن أجل ذلك قالت الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، فأين ذكر إخبار الله إياهم في كتابه بذلك؟ قيل له: اكتفى بدلالة ما قد ظهر من الكلام عليه عنه، فقوله: ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها﴾؛ لِما كان فيه دلالة على ما تُرِك ذِكْرُه بعد قوله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ من الخبر عَمّا يكون من إفساد ذريته في الأرض، اكتفى بدلالته، وحذف وترك ذِكْرَه، ونظائر ذلك في القرآن، وأشعار العرب، وكلامها أكثر من أن يحصى». وانتقد ابن جرير (١/٥٠٠) ما سوى ذلك بقوله: «وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس، ووافقه عليه الربيع بن أنس، وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك؛ لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطع مجيئه العذر، ويلزم سامعه به الحجة، والخبر عما مضى وما قد سلف، لا يدرك علم صحته إلا بمجيئه مجيئًا يمتنع معه التَّشاغُب والتَّواطُؤ، ويستحيل معه الكذبُ والخطأُ والسَّهْوُ، وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس، ووافقه عليه الربيع، ولا فيما قاله ابن زيد»
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي عن أبي صالح- قال: إذا كان يوم القيامة رُفِع لكل قوم ما كانوا يعبدون، فيسعى كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، وهو قوله تعالى: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء:١١٥]، فإذا انتهوا إليه حزنوا، فتسودّ وجوههم من الحزن، ويبقى أهل القبلة واليهود والنصارى لم يعرفوا شيئًا مما رفع لهم فيها، فيأتيهم الله عز وجل، فيسجد له مَن كان يسجد له في دار الدنيا مطيعًا مؤمنًا، ويبقى أهل الكتاب والمنافقون كما هم لا يستطيعون السجود، ثم يُؤذَن لهم فيرفعون رؤوسهم، ووجوه المؤمنين مثل الثلج بياضًا، والمنافقون وأهل الكتاب قيام كأن في ظهورهم السَّفافِيد، فإذا نظروا إلى وجوه المؤمنين وبياضها حزنوا حزنًا شديدًا، فاسودّت وجوههم، فيقولون: ربَّنا، سوَّدت وجوه مَن كان يعبد غيرك، فما لنا سوّدت وجوهنا، فواللهِ ربّنا، ما كنا مشركين؟ فيقول الله للملائكة: انظروا كيف كذبوا على أنفسهم
عن مكحولٍ الشامي: أنّ النبيَّ ﷺ كان يتهجَّدُ بمكةَ ذاتَ ليلةٍ، يقولُ في سجوده: «يا رحمنُ، يا رحيمُ». فسَمِعه رجلٌ مِن المشركين، فلما أصبح قال لأصحابه: انظروا ما قال ابن أبي كبشة! يدعو الليلة الرحمنَ الذي باليمامةِ. وكان باليمامةِ رجلٌ يقالُ له: رحمنُ. فنزلت: ﴿قُلِ ادعُوا الله أو ادعُوا الرَّحمنَ﴾ الآية. (٩/٤٦١)٤٤٢٠١/ب قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾، وذلك أن رجلًا من المسلمين دعا الله عز وجل، ودعا الرحمن في صلاته، فقال أبو جهل بن هشام: أليس يزعم محمدٌ وأصحابه أنهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟! أوَلستم تعلمون أن الله اسم، والرحمن اسم؟ قالوا: بلى. فأنزل الله -تبارك وتعالى-: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾. فدعا النبي ﷺ الرجل، فقال: يا فلان، ادع الله، أو ادع الرحمن، ورغم لآناف المشركين
عن مقاتل بن حيان، في قوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، يقول: لم يُضَيِّق الدين عليكم، ولكن جعله واسعًا لِمَن دخله، وذلك أنّه ليس مِمّا فرض عليهم فيه إلا ساق إليهم عند الاضطرار رخصة، والرُّخْصَة في الدين فيما وُسِّع عليهم رحمة منه؛ إذ فرض عليهم الصلاة في المُقام أربع ركعات، وجعلها في السفر ركعتين، وعند الخوف من العدو ركعة، ثم جعل في وجهه رخصة أن يومئ إيماء إن لم يستطع السجودَ في أيِّ نحو كان وجهُه؛ من تجاوز عن النسيان منه والخطأ، وجعل في الوضوء والغسل رخصة إذا لم يجد الماءَ أن يتيمَّموا الصعيد، وجعل الصيام على المقيم واجبًا، ورخَّص فيه للمريض والمسافر عِدَّةً مِن أيام أُخَر، فمَن لم يُطِق فإطعام مسكين مكان كل يوم، وجعل في الحج رُخْصَة إن لم يجد زادًا أو حُمْلانًا أو حُبِس دونه، وجعل في الجهاد رخصة إن لم يجد حملانًا أو نفقة، وجعل عند الجهد والاضطرار مِن الجوع أن رَخَّص في الميتة والدم ولحم الخنزير قَدْر ما يَرُدُّ نفسه؛ أن لا يموت جوعًا، في أشباه هذا في القرآن، وسعةُ الله على هذه الأمة رخصة منه ساقها إليهم