قال مقاتل بن سليمان: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ يعني: المنافقين، يقول: ألم يَحِن للذين أقرُّوا باللسان وأقرُّوا بالقرآن أن تخشع قلوبهم وترقّ ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن، يعني: إذا ذُكر الله، ﴿وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ يعني: القرآن، يعني: وعظهم فقال: ﴿ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ في القساوة ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل أن يُبعث النبي ﷺ، ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ يعني: طول الأجل، وخروج النبي ﷺ، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فلم تَلِن ﴿وكَثِيرٌ مِنهُمْ فاسِقُونَ﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدًا ﷺ ﴿بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ﴾ يعني: الإسلام؛ لأنّ كلّ دين باطل غير دين الإسلام، يعني: دين محمد ﷺ؛ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يعني: الأديان كلّها. ففعل الله تعالى ذلك، وأظهر دين محمد ﷺ على أهل كلّ دين، حين قتلهم وأذلّهم، فأدَّوا إليه الجِزية. مثل قوله: ﴿فَأَيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصَّف:١٤]. ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ من العرب، يعني: كفار قريش
عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا معاذ، إنّ المؤمن لدى الحقّ أسير. يا معاذ، إنّ المؤمن لا يَسكن رَوْعه ولا يأمن اضطرابه حتى يُخَلّف جسر جهنم خلف ظهره. يا معاذ، إنّ المؤمن قيَّده القرآن عن كثير من شهواته، وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله عز وجل، فالقرآن دليله، والخوف محجّته، والشوق مطِيّته، والصلاة كهفه، والصوم جُنّته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربّه عز وجل مِن وراء ذلك كلّه بالمرصاد»
عن شدّاد بن أوس، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «أيها الناس، إنّ الدنيا عَرَض حاضر، يأكل منه البَرّ والفاجر، وإنّ الآخرة وعد صادق، يحكم فيها مَلِك قادر، يُحقّ فيها الحق، ويُبطل الباطل. أيها الناس، كونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنّ كل أُمٍّ يتبعها ولدها، اعملوا وأنتم مِن الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم، وأنكم ملاقوا الله لا بُدّ منه، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾»
بيَّن ابن جرير (١٠/٦٧) أنّ قول ابن عباس غير بعيد من الحق، غير أنه انتَقَده مستندًا إلى مخالفته السنة بأنّ «الصحيح من الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد إلا سيُكَلِّمه ربُّه يوم القيامة، ليس بينه وبينه تُرْجُمان، فيقول له: أتَذْكُر يوم فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا؟ حتى يُذَكِّرَه ما فعل في الدنيا». والتسليم لخبر رسول الله ﷺ أوْلى من التسليم لغيره». ووجَّه ابن عطية (٣/٥١٤) قول ابن عباس، فقال: «يُشبِه أن يكون الكلام هنا استعارةً؛ إذ كل شيء فيه مُقَيَّد»
اختُلف في السبيل الذي يسّره الله لها على قولين: الأول: أنها خروجه من بطن أمه. الثاني: أنها طريق الحق والباطل. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤/١١٣) -مستندًا إلى السياق- القول الأول، وعلل ذلك بقوله: «وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أنّ الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته؛ خَلْقه، وتدبيره جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده». ورجّح ابنُ كثير (١٤/٢٥٠) القول الثاني بقوله: «وهذا هو الأرجح». ولم يذكر مستندًا
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: إنّ رسول الله ﷺ جلس يومًا، فذكَّر الناس، ثم قام ولم يَزِدْهم على التخويف، فقال ناسٌ مِن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا عشرةً؛ منهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون: ما خِفْنا إن لم نُحْدِثْ عَمَلًا، فإنّ النصارى قد حرَّموا على أنفسهم، فنحن نُحَرِّم. فحرَّم بعضُهم أكلَ اللحم والوَدَك، وأن يأكُلَ بنهار، وحرَّم بعضُهم النوم، وحرم بعضُهم النساء، فكان عثمانُ بن مظعون ممن حرَّم النساء، وكان لا يدنو من أهله، ولا يدنون منه، فأتتِ امرأتُه عائشةَ، وكان يُقالُ لها: الحولاء. فقالت لها عائشةُ ومَن عندها مِن نساء النبي ﷺ: ما بالُكِ -يا حولاءُ- متغيرةَ اللون، لا تَمْتَشِطين، ولا تتطيَّبين؟ فقالت: وكيف أتطيَّبُ وأمْتَشِطُ وما وقَع عَلَيَّ زوجي ولا رفَع عَنِّي ثوبًا منذُ كذا وكذا؟! فجعَلن يَضْحَكْنَ مِن كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهُنَّ يَضْحَكْنَ، فقال: «ما يُضحِكُكُنَّ؟». قالتْ: يا رسول الله، الحولاءُ سألتُها عن أمرها، فقالتْ: ما رَفَعَ عنِّي زوجي ثوبًا منذُ كذا وكذا. فأرسَل إليه، فدعاه، فقال: «ما بالُك، يا عثمان؟». قال: إنِّي تركتُه لله؛ لكي أتخلّى للعبادة. وقصَّ عليه أمرَه، وكان عثمانُ قد أراد أن يَجُبَّ نفسَه، فقال رسول الله ﷺ: «أقسمتُ عليكَ إلا رجعتَ فواقَعتَ أهلك». فقال: يا رسول الله، إنِّي صائمٌ. قال: «أفطِرْ». قال: فأفطَر، وأتى أهلَه، فرَجَعَتِ الحولاءُ إلى عائشة قد اكْتَحَلَتْ، وامْتَشَطَتْ، وتَطَيَّبَتْ، فضحكت عائشةُ، فقالت: ما لَكِ، يا حولاءُ؟ فقالت: إنّه أتاها أمس. فقال رسول الله ﷺ: «ما بالُ أقوامٍ حرَّموا النساء، والطعام، والنوم؟! ألا إنِّي أنامُ وأقوم، وأُفطِر وأصوم، وأنكِح النساء، فمَن رَغِب عن سُنَّتي فليس مِنِّي». فنزَلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا﴾. يقولُ لعثمان: لا تَجُبَّ نفسك فإن هذا هو الاعتداء. وأمرهم أن يُكفِّروا أيمانهم، فقال: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ الآية
أفادت الآثارُ الاختلافَ في المراد بقوله تعالى: ﴿ألا تعولوا﴾، على قولين: أحدهما: أنّ المراد: ألّا تميلوا ولا تجوروا. وهذا قول الجمهور. والآخر: أنّ المراد: ألا تكثر عيالُكم فتفتَقِرُوا، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾، أي: فقرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾ [التوبة:٢٨]. وهذا قول زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وسفيان بن عيينة. ورَجَّحَ ابنُ كثير (٣/٣٤٧) القولَ الأولَ، وانتَقَدَ القولَ الثانيَ عقلًا، فقال: «في هذا التفسير ههنا نظر، فإنّه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى مِن تعداد السراري أيضًا. والصحيح قول الجمهور». وكذلك رجَّحَ ابنُ القيم (١/٢٦٥-٢٦٦) القولَ الأولَ، وأيَّدَه بأوجهٍ، منها: أنّه المعروف لغة، وقد روي عن النبي ﷺ، وروي عن عائشة، وابن عباس، ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين، إلى غير ذلك من الأوجه التي تعود إلى اللغة، والسنّة، وأقوال السلف، والسياق، ودلالة العقل. ويُفهَم الترجيح أيضًا من كلام ابن جرير (٦/٣٧٦)، وكلام ابن تيمية (٢/١٩٧) حيث لم يذكر ابنُ جرير في المسألة إلا القولَ الأولَ، وعرَّض من خلاله بالقول الثاني. وبيَّنَ ابنُ تيمِيَّة قَدْحَ أكثرِ العلماء وتغليطَهم القولَ الثاني، فقال: «ظنَّ طائفةٌ مِن العلماء أنّ المراد: أن لا تكثر عيالُكم. وقالوا: هذا يدلُّ على وجوب نفقة الزوجة. وغلَّط أكثرُ العلماء مَن قال ذلك لفظًا ومعنى. أمّا اللفظ فلأنّه يُقال: عال يعول إذا جار. وعال يعيل إذا افتقر. وأعال يعيل إذا كثر عياله. وهو سبحانه قال: ﴿تعولوا﴾، لم يقل: تعيلوا. وأما المعنى فإنّ كثرة النفقة والعيال يحصل بالتسرِّي كما يحصل بالزوجات». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٢/٤٦٨) هذا القدحَ مِن جهة الواقع، فقال: «هذا القدحُ غيرُ صحيحٍ؛ لأنّ السراري إنما هُنَّ مالٌ يتصرف فيه بالبيع، وإنّما العيال الفادح الحرائرُ ذوات الحقوق الواجبة»
اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ على أقوال: الأول: أنّ طمس الوجوه هو محو آثارها، حتى تصير كالأقفاء، ونجعل عيونها في أقفائها حتى تمشي القهقرى. الثاني: أنّ معناه: طمس أعينهم عن الحق، وردها إلى الكفر والضلال. الثالث: أنّ معناه: محو آثارهم من وجوههم ونواحيهم التي هم بها، وردهم إلى الشام كما كانوا. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٧/١١٥-١١٦) القول الأول مستندًا إلى السياق، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي وقتادة وعطية العوفي، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -جل ثناؤُه- خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة﴾، ثُمَّ حذَّرهم -جلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ الآية بأسَه، وسطوته، وتعجيلَ عقابه لهم إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولا شكَّ أنهم كانوا لَمّا أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا». ثُمَّ انتَقَدَ (٧/١١٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية قولَ مَن قال: إنّ معنى الآية: نُعميهم عن الحق فنردهم إلى الضلال والكفر. فقال: «وإذ كان ذلك كذلك فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: تأويلُ ذلك: أن نعميها عن الحق فنردها في الضلالة. فما وجه ردِّ مَن هو في الضلالة فيها؟! وإنما يُرَدُّ في الشيء مَن كان خارجًا منه، فأمّا مَن هو فيه فلا وجه لأن يُقال: يَرُدُّهُ فيه. وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا أنّ الله قد تهدد الذين ذكرهم في هذه الآية بردِّه وجوههم على أدبارهم؛ كان بيِّنًا فسادُ تأويل مَن قال: معنى ذلك: يهددهم بردهم في ضلالتهم». وذكر ابنُ عطية (٢/٥٧٤) قولًا آخر: أنّ ذلك معناه: «أن تعفى أثر الحواس فيها، وتزال الخلقة منه، فيرجع كسائر الأعضاء في الخلو من أعضاء الحواس». وعَلَّق عليه بقوله: «فيكون الرد على الأدبار في هذا الموضع بالمعنى، أي: خُلُوِّه من الحواسِّ دبرًا لكونه عامرًا بها»
عن ابن إسحاق -من طريق سَلَمة- قال: لَمّا فَرَغ اللهُ من مُعاتَبَة إبليس أقبل على آدم وقد عَلَّمه الأسماء كلها، فقال: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾ إلى قوله: ﴿إنك أنت العليم الحكيم﴾. قال: ثُمَّ ألقى السِّنَة على آدم -فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله ابن عباس وغيره- ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه مِن شِقِّه الأيسر، ولَأَم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يَهْبُبْ من نومته، حتى خلق الله من ضِلَعه تلك زوجته حواء، فسَوّاها امرأة ليسكن إليها. فلما كشف عنه السِّنَة وهَبَّ من نومته رآها إلى جنبه، فقال -فيما يزعمون والله أعلم-: لحمي، ودمي، وزوجتي. فسَكَن إليها، فلما زَوَّجه الله -تبارك وتعالى-، وجَعَل له سكنًا من نَفْسِه؛ قال له قُبُلًا: ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾