عن عبد الملك ابن جريج -من طريق حجاج-: أنّ الأشعث بن قيس اختصم هو ورجل إلى رسول الله ﷺ في أرض كانت في يده لذلك الرجل أخذها في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: «أقِم بَيِّنَتَك». قال الرجل: ليس يشهد لي أحد على الأشعث. قال: «فَلَكَ يمينه». فقال الأشعث: نحلف. فأنزل الله: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله﴾ الآية، فنَكَل الأشعث، وقال: إنِّي أشهد الله وأشهدكم أنّ خصمي صادق. فرد إليه أرضه، وزاده من أرض نفسه زيادة كثيرة
عَلَّق ابنُ كثير (٤/٦٥) على قول يزيد بن أبي حبيب بقوله: «ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب ما ثبت في صحيح البخاري: أنّ رسول الله ﷺ قال: «سُدُّوا كُلَّ خَوْخَةٍ في المسجد إلا خَوْخَةَ أبي بكر». وهذا قاله في آخر حياته ﷺ، علمًا منه أنّ أبا بكر رضي الله عنهما سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرًا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه رضي الله عنه»
قال ابنُ كثير (٨/٤٣١): «مِن الناس مَن يزعم أنه أمَّهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مرَّ بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولًا مطلوبًا إلى الجناب العلوي؛ ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لَمّا فرغ مِن الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفَه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له في ذلك»
ذكر ابنُ عطية (٥/٦١٩) في قوله تعالى: ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ عدة احتمالات، ووجَّهها، فقال: «يحتمل أن يريد: خرج عن أمر ربه إيّاه، أي: فارقه، كما يفعل الخارج عن طريق واحد، أي: منه. ويحتمل أن يريد: فخرج عن الطاعة بعد أمر ربه بها، و»عَن«قد تجيء بمعنى»بَعْد«في مواضع كثيرة، كقولك: أطعمته عن جوع، ونحوه، فكأن المعنى: فسق بسبب أمر ربه بأن يطيع. ويحتمل أن يريد: فخرج بأمر ربه، أي: مشيئته ذلك له، ويعبر عن المشيئة بالأمر إذ هي أحد الأمور، وهذا كما تقول: فعلت ذلك عن أمرك. أي: بجدك، وبحسب مرادك»
ذكر ابنُ كثير (٩/٤٢٢) هذا الأثر، ثم أردف مُعَلِّقًا: «قلتُ: أمّا الأنبياء عليهم السلام فكلهم معصومون مُؤَيَّدُون من الله عز وجل، وهذا مِمّا لا خلاف فيه بين العلماء المحققين مِن السلف والخلف، وأمّا مِن سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». فهذا الحديثُ يرد نَصًّا ما توهمه إياسٌ مِن أنّ القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار»
بيّن ابنُ جرير (٢٤/٢٤٥ بتصرف) -مستندًا إلى اللغة، والسنة، وأقوال السلف- أنّ قوله: ﴿وسق﴾ معناه: جمع، فقال: «وقوله: ﴿والليل وما وسق﴾ يقول: والليل وما جمع مما سكن وهدأ فيه مِن ذي روح كان يطير، أو يدبّ نهارًا، يقال منه: وسقته أسقه وسقًا، ومنه: طعام موسوق، وهو المجموع في غرائر أو وعاء، ومنه: الوسق، وهو الطعام المجتمع الكثير، وبه جاء الخبر عن رسول الله ﷺ، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». وذكر الآثار على ذلك، ثم ذكر قول مَن قال معناه: ساق. ولم يعلّق عليه
ذكر ابن القيم (٣/٢٩٦) أن «قوله تعالى: ﴿والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر هل في ذلك قسم لذي حجر﴾؛ قيل جوابه:﴿إن ربك لبالمرصاد﴾». ثم انتقد هذا القول -مستندًا إلى الدلالة العقلية والسياق- فقال: «وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: طول الكلام والفصل بين القسم وجوابه بجمل كثيرة، والثاني: قوله: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ ذُكِرَ تقريرًا لعقوبة الله الأمم المذكورة، وهي عاد وثمود وفرعون، فذكر عقوبتهم ثم قال مقرِّرًا ومحذِّرًا: ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾، أفلا ترى تعلقه بذلك دون القسم؟!»
اختُلف فيما عنى الله بالروح في هذه الآية على أقوال: الأول: مَلَكٌ مِن أعظم الملائكة. الثاني: جبريل. الثالث: خَلْقٌ يُشبه بني آدم. الرابع: بنو آدم. الخامس: أرواح بني آدم. السادس: القرآن. السابع: أنهم حفظة على الملائكة. وعلّق ابنُ كثير (١٤/٢٣٦) على القول الثاني بقوله: «ويُستشهد لهذا القول بقوله: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤]». وعلّق ابنُ عطية (٨/٥٢٣-٥٢٤) على القول الخامس، فقال: «وقال ابن عباس، والحسن، وقتادة: الرُّوحُ هنا اسم جنس، يراد به: أرواح بني آدم، والمعنى: يوم تقوم الأرواح في أجسادها إثر البعث والنشأة الآخرة، ويكون الجمع من الإنس والملائكة صَفًّا، ولا يَتكلّم أحد هيبة وفزعًا، ﴿إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ مِن مَلَك أو نبيٍّ، وكان أهلًا أن يقول صَوابًا في ذلك الموطن». وعلّق على القول السادس، فقال: «وقال ابن زيد: كان أبي يقول: هو القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى:٥٢] أي: من أمرنا. فالقيام فيه مُستعار يُراد به بيانه وظهوره وشدة آثاره، والأشياء الكائنة عن تصديقه أو تكذيبه». ثم انتقده بقوله: «ومع هذا ففي القول قلق». وجوّز ابنُ جرير (٢٤/٥٠) هذه الأقوال، ولم يقطع بقولٍ منها؛ لصحتها، وعدم الدليل على التعيين، فقال: «والصواب من القول أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أخبر أنّ خَلْقه لا يملكون منه خطابًا يوم يقوم الروح، والروح: خَلْقٌ من خَلْقه. وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم أيَّ ذلك هو؟ ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعني به دون غيره يجب التسليم له، ولا حُجّة تدل عليه، وغير ضائر الجهل به». ورجّح ابنُ كثير (٨/٣١٠) القول الرابع، فقال: «والأشبه -والله أعلم- أنهم بنو آدم». ولم يذكر مستندًا
عن عبد الله بن واقد أبي رجاء الهَرَوي -من طريق محمد بن كثير- قال: لا تجده سيِّءَ الملَكَة إلا وجدته مختالًا فخورًا. وتلا: ﴿وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا﴾. ولا عاقًّا إلا وجدته جبّارًا شقِيًّا. وتلا: ﴿وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا﴾ [مريم:٣٢]
عن أُبَيِّ بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «كان آدمُ كأنّه نخلة سَحُوقٌ، كثير شَعَر الرأس، فلمّا وقع بالخطيئة بَدَتْ له عورتُه، وكان لا يراها، فانطلق فارًّا، فعَرَضَتْ له شجرةٌ، فحَبَسَتْه بشعره، فقال لها: أرْسِلِيني. فقالت: لستُ بِمُرْسِلَتِك. فناداه ربُّه: يا آدم، أمِنِّي تَفِرُّ؟ قال: لا، ولكني أستحييك»