اختُلِف هل كان كلْب أصحاب الكهف كلب من كلابهم كان معهم، أم كان لغيرهم وتبعهم؟ ورجَّح ابنُ كثير (٩/١١٦) القول الأول، وهو أنّ الكلب كان كلب صيد لأحدهم. فقال: «وهو الأشبه». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ عطية (٥/٥٨١) أنّ أكثر المفسرين على القول الأول، ثم ذكر قولًا بأنه كان أحدهم، وكان قعد عند باب الغار طليعة لهم. ووجَّهه بقوله: «فسُمِّي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس، كما سُمِّي النجم التابع للجوزاء: كلبًا؛ لأنه منها كالكلب من الإنسان، ويقال له: كلب الجبّار». وانتقده مستندًا لدلالة العقل، فقال: «أما إن هذا القول يضعفه بسط الذراعين؛ فإنهما في العرف في صفة الكلب حقيقة، ومنه قول النبي ﷺ: «ولا يبسط أحدكم ذراعيه في السجود انبساط الكلب»». ثم قال: «وقد حكى أبو عمر المطرز في كتاب اليواقيت أنه قُرئ: (وكالِبُهُم باسِطٌ ذِراعَيْهِ) فيحتمل أن يريد بـ»الكالب«هذا الرجل على ما روي؛ إذْ بسْط الذراعين واللصوق بالأرض مع رفع الوجه للتطلع هي هيئة الربيئة المستخفي بنفسه، ويحتمل أن يريد بالكالب: الكلب»
عن أُبَيّ بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «أول مَن يدعى يوم القيامة أنا، فأقوم فأُلبّي، ثم يُؤذن لي في السجود، فأسجد له سجدةً يرضى بها عني، ثم يأذن لي، فأرفع رأسي، فأدعو بدعاء يرضى به عني». فقلنا: يا رسول الله، كيف تعرف أُمّتك يوم القيامة؟ قال: «يقومون غُرًّا مُحجّلين مِن أثر الطهور، فيَرِدون عليَّ الحوض، ما بين عَدَن إلى عمان ببُصرى، أشدّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحًا مِن المسك، فيه مِن الآنية عدد نجوم السماء، مَن ورَده فشرب منه لم يظمأ بعده أبدًا، ومَن صُرف عنه لم يُرو بعده أبدًا، ثم يُعرض الناس على الصّراط، فيمرّ أوائلهم كالبرْق، ثم يمُرّون كالريح، ثم يمُرّون كالطَّرْف، ثم يمُرّون كأجاويد الخيل والرّكاب، وعلى كلّ حال، وهي الأعمال، والملائكة جانبي الصراط، يقولون: ربّ، سلِّم سلِّم. فسالمٌ ناجٍ، ومخدوشٌ ناجٍ، ومُرْتَبِكٌ في النار، وجهنم تقول: هل من مزيد. حتى يضع فيها ربّ العالمين ما شاء أن يضع، فتَنزوي وتنقبض، وتُغَرغِر كما تُغَرغِر المزادة الجديدة إذا مُلئتْ، وتقول: قَطْ قَطْ»
رجَّح ابن جرير (١/٥٣٤) ما أفاده أثرُ ابن عباس هذا، وما ماثله، من أنّ المكتوم: ما أسره إبليس في نفسه من الكِبْر، مُسْتَدِلًّا بما أخبرَ الله في كتابِه من حالِ إبليس، فقال: «والذي قاله ابن عباس يدلّ على صحته خبرُ الله -جل ثناؤه- عن إبليس وعصيانه إياه، إذْ دعاه إلى السجود لآدم فأبى واستكبر، وإظهارُه لسائر الملائكة من معصيته وكِبْره، ما كان له كاتمًا قبل ذلك». ثم وجَّهَ (١/٥٣٤ بتصرف) خروجَ الخبر عن إبليس مخرج الخبر عن الجميع بقوله: «وذلك أنّ من شأن العرب إذا أخبرتْ خبرًا عن بعض جماعة بغير تسمية شخص بعينه؛ أن تُخْرِج الخبرَ عنه مَخْرَج الخبر عن جميعهم، وذلك كقولهم: قُتِل الجيش وهُزموا. وإنّما قُتِل الواحد أو البعض منهم، وهُزِم الواحد أو البعض... كما قال -جَلَّ ثناؤه-: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤]، ذُكِر أن الذي نادى رسولَ الله ﷺ... كان رجلًا من جماعة بني تميم، ... فكذلك قوله: ﴿وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾ أخرج الخبر مخرج الخبر عن الجميع، والمراد به الواحد منهم». وبنحو توجيهه قال ابنُ عطية (١/١٧٦)
اختُلف في المراد بقوله: ﴿وإدبار النجوم﴾ على قولين: الأول: أنهما ركعتا الفجر. الثاني: صلاة الصبح الفريضة. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٦٠٩-٦١٠ بتصرف) -مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية- القول الثاني الذي قاله الضَّحّاك، وزيد، وعبد الرحمن بن زيد، فقال: «وذلك أنّ الله أمر، فقال: ﴿ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾، والركعتان قبل الفريضة غير واجبتين، ولم تقم حجة يجب التسليم لها أنّ قوله: ﴿فسبحه﴾ على الندب، وقد دلّلنا على أن أمر الله على الفرض حتى تقوم حجة بأنه مراد به الندب، أو غير الفرض». وذكر ابنُ تيمية (٦/١٢٥-١٢٦) أنه رُوي عن طائفة من السلف أنّ ﴿وأدبار السجود﴾ [ق:٤٠]: الركعتان بعد المغرب، ﴿وإدبار النجوم﴾ [الطور:٤٩]: ركعتا الفجر. ثم علق بقوله: «فإحداهما تشتبه بالأخرى، فقوله: ﴿ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم﴾ إذا فُسّر هذا بالتسبيح دُبُر الصلاة كان اللفظ دالًّا على هذا، والسلف الذين فسّروها بهذا كأنهم -والله أعلم- أرادوا: أنّ أول ما يُكتب في صحيفة النهار ركعتا الفجر، وآخر ما يُرفع ركعتا المغرب، فقد رُوي أنهما ترفعان مع عمل النهار»
قال مقاتل بن سليمان: وذلك أنّ ثقيفًا أتوا النبي ﷺ، فقالوا: نحن إخوانك، وأصهارك، وجيرانك، ونحن خير أهل نجد لك سلمًا، وأضره عليك حربًا، فإن نُسْلِم تُسْلِم نجد كلها، وإن نحاربك يحاربك مَن وراءنا؛ فأعطنا الذي نريد. فقال النبي ﷺ: «وما تريدون؟». قالوا: نُسْلِم على ألا نجش، ولا نعش، ولا نحني -يقولون: على ألا نصلي-، ولا نكسر أصنامًا بأيدينا، وكلُّ رِبًا لنا على الناس فهو لنا، وكل رِبًا للناس فهو عنا موضوع، ومن وجدناه في وادي وج يقطع شجرها انتزعنا عنه ثيابه، وضربنا ظهره وبطنه، وحرمته كحرمة مكة وصيده وطيره وشجره، وتستعمل على بني مالك رجلًا، وعلى الأحلاف رجلًا، وأن تُمَتِّعنا باللات والعزى سنة، ولا نكسرها بأيدينا، من غير أن نعبدها؛ ليعرف الناس كرامتنا عليك، وفضلنا عليهم. فقال لهم رسول الله ﷺ: «أما قولكم: لا نجشي، ولا نعشي، والربا؛ فلَكُم. وأما قولكم: لا نحني؛ فإنه لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود». قالوا: نفعل ذلك، وإن كان علينا فيه دناءة، «وأما قولكم: لا نكسر أصنامنا بأيدينا. فإنا سنأمر من يكسرها غيركم». ثم سكت النبي ﷺ، فقالوا: تُمَتِّعنا باللات سنة. فأعرض عنهم، وجعل يكره أن يقول: لا. فيأبون الإسلام، فقالت ثقيف للنبي ﷺ: إن كان بك ملامة العرب في كسر أصنامهم وترك أصنامنا، فقل لهم: إنّ ربي أمرني أن أُقِرَّ اللات بأرضهم سنة. فقال عمر بن الخطاب عند ذلك: أحرقتم قلب النبي ﷺ بذكر اللات أحرق الله أكبادكم، لا، ولا نعمة، غير أنّ الله عز وجل لا يدع الشرك في أرض يعبد الله تعالى فيها، فإما أن تسلموا كما يسلم الناس، وإما أن تلحقوا بأرضكم. فأنزل الله عز وجل: ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾
اختُلِف في المراد بقوله: ﴿فإذا اطمأننتم... ﴾؛ فقال قوم: معنى ذلك: فإذا استقررتم في أوطانكم فأتموا الصلاة. وقال آخرون معنى ذلك: فإذا أمنتم بعد خوفكم فأقيموا الصلاة، أي: فأتموا حدودها بركوعها وسجودها. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٤٤٨ بتصرف) مستندًا إلى ظاهر اللفظ، ودلالة العقل القول الثاني الذي قاله السدي، وابن زيد، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- عرَّف عباده المؤمنين الواجب عليهم مِن فرْض صلاتهم بهاتين الآيتين في حالين: إحداهما: حال شدة خوف، أذن لهم فيها بقصر الصلاة. والأخرى: حال غير شدة الخوف أمرهم فيها بإقامة حدودها، وإتمامها على ما وصفه لهم -جل ثناؤه- من معاقبة بعضهم بعضًا في الصلاة خلف أئمتهم، وحراسة بعضهم بعضًا من عدوهم، وهي حالة لا قصر فيها؛ لأنّه يقول -جلَّ ثناؤه- لنبيه ﷺ في هذه الحال: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾ فمعلوم بذلك أنّ قوله: ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ إنما هو: فإذا اطمأننتم من الحال التي لم تكونوا مقيمين فيها صلاتكم فأقيموها. وتلك حالة شدة الخوف؛ لأنه قد أمرهم بإقامتها في غير حال شدة الخوف بقوله: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة﴾»
اختلفت القرأة في قراءة قوله تعالى: ﴿مِنَ الذِينَ يَخافُونَ﴾ على قراءتين: الأولى: ﴿يَخافون﴾ بفتح الياء. الثانية: (يُخافون) بضم الياء. ووجَّه ابنُ جرير (٨/٢٩٧-٢٩٨) القراءة الثانية -وهي قراءة سعيد بن جبير- بقوله: «وكأنّ سعيدًا ذهب في قراءته هذه إلى أن الرجلين اللذين أخبر الله عنهما أنهما قالا لبني إسرائيل: ﴿ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾، كانا من رهط الجبابرة، وكانا أسلما واتَّبعا موسى، فهما من أولاد الجبابرة الذين يخافهم بنو إسرائيل، وإن كان لهم في الدين مخالفين». ثم علَّق (٨/٢٩٩) عليها بقوله: «فعلى هذه القراءة وهذا التأويل لم يكتم من الاثنَي عشر نقيبًا أحدٌ ما أمرهم موسى بكتمانه بني إسرائيل، مِمّا رأَوا وعاينوا من عِظَم أجسام الجبابرة، وشدة بطشهم، وعجيب أمورهم، بل أفشَوا ذلك كله. وإنما القائل للقوم ولموسى: ﴿ادخلوا عليهم الباب﴾ رجلان من أولاد الذين كان بنو إسرائيل يخافونهم، ويرهبون الدخول عليهم من الجبابرة، كان أسلما واتَّبَعا نبيَّ الله ﷺ». وذكر ابنُ عطية (٣/١٣٩) للقراءة الثانية ثلاثةَ معانٍ: الأول: «ما روي من أن الرجلين كانا من الجبارين، آمَنا بموسى واتَّبعاه، فكانا من القوم الذين يخافون، لكن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بالإيمان بموسى، فقالا: نحن أعلم بقومنا». الثاني: «أنهما يوشع وكالوت، لكنهما من الذين يُوقرون ويُسمع كلامهم ويُهابون لتقواهم وفضلهم». ثم وجَّهه بقوله: «فهم يُخافون بهذا الوجه». الثالث: «أن يكون الفعل من أخاف». ثم وجَّهه بقوله: «والمعنى: من الذين يُخافون بأوامر الله ونواهيه ووعيده وزجره، فيكون ذلك مدحًا لهم، على نحو المدح في قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات:٣]». ورجَّح ابنُ جرير (٨/٢٩٩) القراءة الأولى مستندًا إلى إجماع قرأة الأمصار، وإلى أقوال السلف، وعلَّل ذلك بقوله: «لإجماع قرأة الأمصار عليها، وأنّ ما استفاضت به القراءة عنهم فحجةٌ لا يجوز خلافها، وما انفرد به الواحد فجائزٌ فيه الخطأ والسهو. ثم في إجماع الحجة في تأويلها على أنهما رجلان من أصحاب موسى من بني إسرائيل، وأنهما يوشع وكالب؛ ما أغنى عن الاستشهاد على صحة القراءة بفتح الياء في ذلك، وفساد غيره، وهو التأويل الصحيح عندنا لما ذكرنا من إجماعها عليه»
عن عبد الله بن عباس: أنّ اليهود أتت النبيَّ ﷺ، فسألَتْه عن خلْق السماوات والأرض، فقال: «خلَق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلَق الجبال وما فيهن مِن منافع يوم الثلاثاء، وخلَق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة، فقال تعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾. وخلَق يوم الخميس السماء، وخلَق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بَقِين منه؛ فخلَق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حين يموت من مات، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة خلَق آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة». قالت اليهود: ثم ماذا، يا محمد؟ قال: «ثم استوى على العرش». قالوا: قد أصبتَ لو أتممتَ. قالوا: ثم استراح. فغضب النبيُّ ﷺ غضبًا شديدًا؛ فنزل: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق:٣٨-٣٩]
عن أبي هريرة، قال: قال الناس: يا رسول الله، هل نَرى ربَّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟». قالوا: لا، يا رسول الله. قال: «فإنكم ترَونه يوم القيامة كذلك، يَجمع الله الناس فيقول: مَن كان يعبد شيئًا فليَتْبعه. فيتْبَع مَن كان يَعبد الشمس الشمس، ويَتبع مَن كان يَعبد القمر القمر، ويَتبع مَن كان يَعبد الطواغيت الطواغيت، وتَبقى هذه الأُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يَعرفون، فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتيَنا ربُّنا، فإذا أتانا ربُّنا عَرفناه. فيأتيهم الله في الصورة التي يَعرفون، فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: أنت ربُّنا. فيَتبعونه، ويُضرب جسر جهنم». قال رسول الله ﷺ: «فأكون أول مَن يُجيز، ودعاء الرُّسُل يومئذ: اللهم، سَلِّم سَلِّم. وفيه كلاليب مثل شَوك السَّعْدان، غير أنه لا يَعلم قدْر عِظَمها إلا الله، فتَخطف الناس بأعمالهم، منهم المُوبَق بعمله، ومنهم المُخَردَل ثم ينجو، حتى إذا فَرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يُخرِج من النار مَن أراد أن يُخرِجه ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمَر الملائكة أن يُخرجوهم، فيَعرفونهم بآثار السّجود، وحَرّم الله على النار أن تَأكل من ابن آدم أثَر السّجود، فيُخرجونهم قد امتُحِشُوا، فيُصبّ عليهم ماء يقال له: ماء الحياة، فيَنبُتُون نبات الحبّة في حَمِيل السّيْل، ويبقى رجل مُقبِل بوجهه على النار، فيقول: يا ربّ، قد قَشَبني ريحها، وأَحرَقني ذَكاؤها، فاصرف وجهي عن النار. فلا يَزال يدعو الله، فيقول: لَعَلّي إنْ أعطيتُك ذلك تسألني غيره. فيقول: لا وعزّتك، لا أسألك غيره. فيَصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا ربّ، قَرِّبني إلى باب الجنة. فيقول: أليس قد زعمتَ أنك لا تسألني غيره؟ ويلك، يا ابن آدم، ما أغدرك! فلا يَزال يدعو، فيقول: لَعَلّي إنْ أعطيتُك ذلك تسألني غيره. فيقول: لا وعزّتك، لا أسألك غيره. فيُعطي الله مِن عهود ومواثيق ألا يَسأله غيره، فيُقرِّبه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكَتَ ما شاء الله أن يسكت، فيقول: ربِّ، أدخِلني الجنة. فيقول: أليس قد زعمتَ ألا تسألني غيره؟ ويلك، يا ابن آدم، ما أغدرك! فيقول: ربّ، لا تَجعلني أشقى خَلْقك. فلا يزال يدعو حتى يَضحك الله عز وجل، فإذا ضحك منه أذِن له بالدخول فيها، فإذا دَخل فيها قيل له: تَمَنَّ مِن كذا. فيتَمنّى، ثم يقال له: تمَنَّ مِن كذا. فيتَمنّى، حتى تَنقطع به الأماني، فيقول: هذا لك ومثله معه». قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة. قال: وأبو سعيد الخُدري جالس مع أبي هريرة لا يُغيّر عليه شيئًا من حديثه حتى انتهى إلى قوله: «هذا لك ومثله معه». قال أبو سعيد: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «هذا لك وعشرة أمثاله». قال أبو هريرة: حَفظتُ: «ومثله معه»
عن أنس بن مالك، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ داود حين نظر إلى المرأة قطع على بني إسرائيل بعْثًا، وأوصى صاحبَ الجيش، فقال: إذا حضر العدوُّ فقرِّب فلانًا بين يدي التابوت. وكان التابوتُ في ذلك الزمان يُسْتَنصَر به، مَن قُدِّم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يُقتل، أو ينهزم منه الجيش، فقُتل، وتزوَّج المرأة، ونزل الملَكان على داود يقصّان عليه قصته، ففطن داود، فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدًا، حتى نبت الزرع مِن دموعه على رأسه، وأكلتِ الأرضُ جبينه، وهو يقول في سجوده: ربِّ، زلَّ داودُ زَلَّةً أبعدَ مِمّا بين المشرق والمغرب، ربِّ، إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنوبه جعلتَ ذنبه حديثًا في الخُلُوف من بعده. فجاء جبريل مِن بعد أربعين ليلة، فقال: يا داود، إنّ الله قد غفر لك، وقد عرفتَ أنّ الله عدلٌ لا يميل. قال داود: فكيف بفلانٍ إذا جاء يوم القيامة، فقال: يا ربِّ، دمي الذي عند داود! قال جبريل: ما سألتُ ربَّك عن ذلك، فإن شئتَ لأفعلنَّ. فقال: نعم. ففرح جبريل، وسجد داود، فمكث ما شاء الله، ثم نزل، فقال: قد سألتُ اللهَ -يا داود- عن الذي أرسلتني فيه، فقال: قل لداود: إنّ الله يجمعكما يوم القيامة، فيقول: هبْ لي دمَك الذي عند داود. فيقول: هو لكَ، يا ربِّ. فيقول: فإن لك في الجنة ما شئتَ وما اشتهيت عِوَضًا»