سورة البقرة — الآية ١٧

قال مقاتل بن سليمان: ثم ضرب الله للمنافقين مَثَلًا، فقال - عز وجل -: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله﴾، طَفِئت ناره، يقول الله - عز وجل -: مَثَل المنافق إذا تَكَلَّم بالإيمان كان له نور بمنزلة المستوقِد نارًا يمشي بضوئها ما دامت ناره تَتَّقِد، فإذا ترك الإيمان كان في ظُلْمَة كظُلْمَة من طَفِئَت نارُه؛ فقام لا يهتدي ولا يُبْصِر، فذلك قوله سبحانه: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، يعني: بإيمانهم، نظيرها في سورة النور: ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾، يعني به: الإيمان، وقال سبحانه في الأنعام: ﴿وجعلنا له نورا يمشي به في الناس﴾، يعني: يهتدي به الذين تكلموا به

سورة المائدة — الآية ٨٢

عن سعيد بن جبير -من طريق سالم الأفطس- في قوله: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾، قال: هم رُسُلُ النجاشي الذين أرسَل بإسلامِه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلًا، اخْتارهم مِن قومِه، الخَيِّرَ فالخَيِّر، في الفقه والسِّنِّ -وفي لفظ: بعَث مِن خيار أصحابه إلى رسول الله ﷺ ثلاثين رجلًا- فلما أتَوا رسول الله ﷺ دخَلوا عليه، فقرَأ عليهم سورة يس، فبَكَوا حينَ سمِعوا القرآن، وعرَفوا أنه الحقُّ؛ فأنزَل الله فيهم: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا﴾ الآية. ونزَلت هذه الآية فيهم أيضًا: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ [القصص:٥٢-٥٤]

سورة النحل — الآية ١١٠

عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: في سورة النحل: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾، ثم نسخ، واستثنى من ذلك، فقال: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾، وهو عبد الله بن أبي سَرْح الذي كان يكتب لرسول الله - ﷺ -، فأزلَّه الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به النَّبِي - ﷺ - أن يُقتل يوم فتح مكة، فاستجار له أبو عمرو عثمان بن عفان، فأجاره النَّبِي - ﷺ -

سورة النحل — الآية ١١٠

عن زيد بن أسلم -من طريق القاسم بن عبد الله بن عمر- أنه قال: وقال في سورة النحل: ﴿من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾، فنسخ، واستثنى، فقال: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا، من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾، هو عبد الله بن سعد بن أبي سرْح الذي كان على مصر، كان يكتب لرسول الله ﷺ، فأزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به النبيُّ ﷺ أن يُقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره النبي عليه السلام

سورة يس — الآية ١٠

عن محمد بن شهاب الزهري، قال: دعا عمرُ بنُ عبد العزيز غيلانَ القدري، فقال: يا غيلان، بلغني أنّك تتكلم في القَدَر. فقال: يا أمير المؤمنين، إنهم يكذبون عَلَيّ. قال: يا غيلان، اقرأ أول سورة يس. فقرأ: ﴿يس * والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأَنْذَرْتَهُمْ أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾. فقال غيلان: يا أمير المؤمنين، واللهِ، كأنِّي لم أقرأها قطُّ قبل اليوم، أُشْهِدُك -يا أمير المؤمنين- أنِّي تائبٌ مِمّا كنتُ أقولُ في القدر. فقال عمر بن عبد العزيز: اللهم، إن كان صادقًا فتُب عليه وثبِّته، وإن كان كاذبًا فسلِّط عليه مَن لا يرحمه، واجعله آية للمؤمنين. قال: فأخذه هشام، فقطع يديه ورجليه

سورة غافر — الآية ٧٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق جويبر، ومقاتل عن الضحاك- قال: كانت فترتان؛ فترة بين إدريس ونوح، وفترة بين عيسى ومحمد، ... وكانت الأنبياء بين موسى وعيسى متواترة، وكذلك بين نوح إلى موسى متواترة، يقول الله تعالى في كتابه العزيز في سورة المؤمنون [٤٤-٤٥] من بعد قصة نوح: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترا﴾ بعضها على إثر بعض، ﴿كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضًا﴾ إلى قوله: ﴿ثم أرسلنا﴾ من بعدهم ﴿موسى وأخاه هارون﴾، فمن زعم أنه يعلم عُدّتهم وأسماءهم فقد كذب؛ لأن الله تعالى يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾

سورة الكوثر — الآية ١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ لأنه أكثر أنهار الجنة خيرًا، وذلك النهر عجّاج يطرد مثل السهم، طِينه المِسك الأذفر، ورَضْراضه الياقوت والزَّبَرْجَد واللؤلؤ، أشد بياضًا من الثلج، وأَلْين من الزُّبد، وأحلى من العسل، حافتاه قِباب الدُّرّ المُجوّف، كلّ قُبّة طولها فرسخ في فرسخ، وعرضها فرسخ في فرسخ، عليها أربعة آلاف مصراع من ذهب، في كلّ قُبّة زوجة من الحُور العين، لها سبعون خادمًا، فقال رسول الله ﷺ: «يا جبريل، ما هذه الخيام؟». قال جبريل عليه السلام: هذه مساكن أزواجك في الجنة، يتفجّر مِن الكوثر أربعة أنهار لأهل الجنان التي ذكر الله عز وجل في سورة محمد ﷺ: الماء، والخمر، واللبن، والعسل

علَّقَ ابن كثير (١/٤٩٤) على أثر ابن عباس هذا بقوله: «هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أيِّ الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة، وأبي العالية، والربيع بن أنس -رحمهم الله-. ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين* ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين* قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ [الجمعة: ٦-٨]»

أفادت الآثار اختلافَ أهل التأويل في معنى قوله: ﴿أو لامستم النساء﴾ على قولين: أحدهما: أن ذلك كناية عن الجماع. والآخر: أنّ المراد بذلك كل لمس؛ بيد كان أو بغيرها من أعضاء الإنسان. وذَهَبَ ابنُ جرير (٧‏/‏٧٣، ٨‏/‏٢١٣)، وابنُ عطية (٣‏/‏١١٨)، وابنُ تيمية (١‏/‏٤٢٢-٤٢٥) إلى الأول، استنادًا إلى السُّنَّة، قال ابنُ جرير: «أوْلى القولين في ذلك بالصواب: قولُ من قال: عَنى الله بقوله: ﴿أو لامستم النساء﴾ الجماع دون غيره من معاني اللمس؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبّل بعض نسائه ثم صلّى ولم يتوضأ». وقد سبق بيان ذلك عند الحديث عن الآية ٤٣ من سورة النساء

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٣٥٤): «قوله: ﴿يَحْذَرُ﴾ خبرٌ عن حال قلوبهم، وحِذْرهم إنما هو أن تتلى سورة، ومعتقدهم -هل تنزل أم لا- ليس بنصٍّ في الآية، لكنه ظاهر، فإن حُمِل على مقتضى نفاقهم واعتقادهم أنّ ذلك ليس من عند الله فوجهٌ بَيِّن، وإن قيل: إنهم يعتقدون نزول ذلك مِن عند الله وهم ينافقون مع ذلك فهذا كفر عناد. وقال الزجّاج وبعض من ذهب إلى التحرز من هذا الاحتمال: معنى ﴿يحذر﴾: الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر كأنه يقول: ليحذر». ثم ساق (٤‏/‏٣٥٥) ما جاء من قول المنافقين: لعل الله لا يفشي سرنا. وعلَّق عليه بقوله: «وهذا يقتضي كفر العناد الذي قلناه»