أفادت الآثارُ الاختلاف في الحزبين؛ فقال قوم: كان الحزبان كافرين. وقال غيرهم: بل كان أحدهما مسلمًا والآخر كافرًا. ورجَّح ابنُ عطية (٥/٥٧٣) القول الثاني مستندًا إلى ظاهر الآية، فقال: «والظاهر من الآية: أن الحزب الواحد هم الفتية، إذ ظنوا لبثهم قليلًا، والحزب الثاني هم أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية، وهذا قول الجمهور من المفسرين». ثم ذكر قولًا آخر أنهما حزبان من المؤمنين. وانتقده لبعده عن الظاهر بقوله: «وهذا لا يرتبط مِن ألفاظ الآية»
اختُلف في المخاطب بهذه الآيات على أقوال: الأول: أنه النبي. الثاني: أنه الكافر. الثالث: البر والفاجر. ورجَّح ابنُ جرير (٢١/٤٣٣) -مستندًا إلى السياق- القول الأخير الذي قاله الحسين بن عبد الله، فقال: «لأنّ الله أتبع هذه الآيات قوله: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾، والإنسان في هذا الموضع بمعنى: الناس كلهم، غير مخصوص منهم بعض دون بعض. فمعلوم إذا كان ذلك كذلك أنّ معنى قوله: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق﴾: وجاءتك -أيها الإنسان- سكرة الموت بالحق، ﴿ذلك ما كنت منه تحيد﴾». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٣/١٨٨)
عن أبي هريرة، قال: حُرِّمت الخمرُ ثلاثَ مراتٍ؛ قَدِم رسول الله ﷺ وهم يشربون الخمرَ ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما؛ فأنزل الله: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية [البقرة:٢١٩]. فقال الناس: ما حُرِّم علينا، إنما قال: ﴿إثم كبير﴾. وكانوا يشربون الخمر، حتى كان يومٌ من الأيام صلّى رجلٌ مِن المهاجرين، أمَّ أصحابَه في المغرب، خلَط في قراءتِه؛ فأنزل الله أغلظَ منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء:٤٣]. وكان الناس يشربون حتى يأتيَ أحدُهم الصلاةَ وهو مُفيق، ثم نزَلتْ آيةٌ أغلظُ من ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾. قالوا: انتهينا، ربَّنا. فقال الناس: يا رسول الله، ناسٌ قُتِلوا في سبيل الله وماتوا على فُرُشِهم؛ كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رِجْسًا من عمل الشيطان. فأنزَل الله: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح﴾ إلى آخر الآية. وقال النبي ﷺ: «لو حُرِّم عليهم لترَكوه كما ترَكْتم»
أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في حَدِّ الكسوة على أقوال: الأول: كسوة ثوب واحد. الثاني: الكسوة ثوبين ثوبين. الثالث: ثوبٌ جامعٌ، كالمِلْحَفة والكِساء والشيء الذي يَصْلُحُ للُّبْسِ والنوم. الرابع: كسوة إزارٍ ورداءٍ، أو قميصٍ. الخامس: كلُّ ما كسا فَيُجْزِئ، والآية على عمومها. وقد رجَّح ابنُ جرير (٨/٦٤٥) مستندًا إلى ظاهر القرآن، والإجماعِ أنّ المراد: ما وقع عليه اسمُ كسوة مما يكون ثوبًا فصاعدًا، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك عندنا بالصحة وأشبهها بتأويل القرآن قولُ من قال: عنى بقوله: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾: ما وقع عليه اسم كسوة مِمّا يكون ثوبًا فصاعدًا؛ لأنّ ما دون الثوب لا خلاف بيْن جميع الحجة أنه ليس مما دخل في حكم الآية، فكان ما دون قَدْرِ ذلك خارجًا من أن يكون الله -تعالى ذِكْره- عناه بالنَّقل المستفيض، والثوب وما فوقه داخلٌ في حكم الآية إذ لم يأت من الله تعالى وحيٌ، ولا من رسوله ﷺ خبرٌ، ولم يكن من الأمة إجماعٌ بأنه غير داخلٍ في حكمها، وغير جائزٍ إخراج ما كان ظاهر الآية مُحْتَمِلَه من حكم الآية، إلا بحجةٍ يجب التسليم لها، ولا حجة بذلك»
عن محمد بن ثابت بن قيس بن شَمّاس، قال: لَمّا نَزَلتْ هذه الآية: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ قعد ثابتٌ في الطريق يبكي، فمرّ به عاصم بن عديّ بن العجلان، فقال: ما يبكيك، يا ثابت؟ قال: هذه الآية، أتخوّف أن تكون نَزَلتْ فِيّ، وأنا صَيِّتٌ رفيعُ الصوت. فمضى عاصم بن عديّ إلى رسول الله ﷺ، فأخبره خبره، فقال: «اذهب، فادعُه لي». فجاء، فقال: «ما يبكيك، يا ثابت؟». فقال: أنا صيِّت، وأتخوّف أن تكون هذه الآية نَزَلتْ فِيَّ. فقال له رسول الله ﷺ: «أما ترضى أنْ تعيش حميدًا، وتُقتل شهيدًا، وتدخل الجنّة؟». قال: رضيتُ ببشرى الله ورسوله، ولا أرفع صوتي أبدًا على صوت رسول الله ﷺ. قال: فأنزل الله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية
قال ابن جرير (٢/٣٠٤): «يعني -جل ثناؤه- بقوله: ﴿ولقد أنزلنا إليك آيات﴾، أي: أنزلنا إليك يا محمدُ علاماتٍ واضحاتٍ دالّاتٍ على نبوتك، وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله الذي أنزله إلى محمد ﷺ من خفايا علوم اليهود، ومكنون سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارُهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم، وبَدَّلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة. فأطلعها الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ، فكان في ذلك من أمره الآياتُ البيناتُ لِمَن أنصف نفسه، ولم يَدْعُهُ إلى إهلاكها الحسدُ والبغيُ؛ إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديقُ من أتى بمثل الذي أتى به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وصفت من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخذ شيء منه عن آدمي، وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس»
انتقد ابنُ كثير (١٠/٣٨٧) مستندًا إلى أحوال النزول، وعدم الدليل النقلي الثابت، بأن يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؛ فقال بعد أن ذكر رواية أبي الحسن، وعروة في نزول الآية، وحكى عن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم قولهم: إنّ هذا استثناء مما تقدم: «ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟! في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها». ولكنه رجَّح عموم معنى الاستثناء في الآية لهم ولغيرهم، فقال: «ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يدخل فيه مَن كان مُتَلَبِّسًا مِن شعراء الجاهلية بذمِّ الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب، ورجع وأقلع، وعمل صالحًا، وذكر الله كثيرًا في مقابلة ما تقدم من الكلام السَّيئ، فإنّ الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كذب بذمه»
ذكر ابنُ جرير (١٩/٤٣٤) أن معنى: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ أي: ننزِع عنه النهار. ثم ذكر قول قتادة، وانتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «وهذا الذي قاله قتادة في ذلك عندي مِن معنى سلخ النهار من الليل بعيد؛ وذلك أن إيلاج الليل في النهار إنما هو زيادة ما نقص من ساعات هذا في ساعات الآخر، وليس السلخ من ذلك في شيء؛ لأن النهار يسلخ من الليل كله، وكذلك الليل من النهار كله، وليس يولج كل الليل في كل النهار، ولا كل النهار في كل الليل». ووافقه ابنُ كثير (١١/٣٦٠). ورجّح ابنُ كثير مستندًا إلى ظاهر الآية أن المعنى: «﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ أي: نصرمه منه فيذهب، فيقبل الليل؛ ولهذا قال: ﴿فإذا هم مظلمون﴾ كما جاء في الحديث: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم». هذا هو الظاهر من الآية»
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر الرازي- قال: أربع آيات من فاتحة سورة البقرة في الذين آمنوا، وآيتان في قادة الأحزاب
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿يا أيها الناس﴾، قال: هي للفريقين جميعًا من الكُفّار والمنافقين