سورة الجاثية — الآية ١٤

عن عبد الله بن عباس -من طريق ميمون بن مهران- قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥، الحديد:١١] قال يهوديٌّ بالمدينة -يُقال له: فنحاص-: احتاج ربُّ محمد. قال: فلما سمع عمرُ بذلك اشتَمل على سيفه، وخرج في طلبه، فجاء جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ، فقال: إنّ ربّك يقول لك: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾، واعْلم أنّ عمر قد اشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي. فبعث رسول الله ﷺ في طَلَبه، فلما جاء قال: «يا عمر، ضع سيفَك». قال: صدقتَ، يا رسول الله، أشهد أنك أُرسلت بالحق. قال: «فإنّ ربّك يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾». قال: لا جرم، والذي بعثك بالحق، لا يُرى الغضب في وجهي

سورة الإنسان — الآية ٣٠

عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لعَن الله القدرية، وقد فعل، لعَن الله القدرية، وقد فعل، لعَن الله القدرية، وقد فعل؛ ما قالوا كما قال الله، ولا قالوا كما قالت الملائكة، ولا قالوا كما قالت الأنبياء، ولا قالوا كما قال أهل الجنة، ولا قالوا كما قال أهل النار، ولا قالوا كما قال الشيطان. قال الله: ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ الله﴾، وقالت الملائكة: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا﴾ [البقرة:٣٢]، وقالت الأنبياء في قصة نوح: ﴿ولا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، وقال أهل الجنة: ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ [الأعراف:٤٣]، وقال أهل النار: ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ [المؤمنون:١٠٦]، وقال الشيطان: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩]»

سورة النبأ — الآية ٣٦

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قول الله: ﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا﴾، فقرأ: ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا حَدائِقَ وأَعْنابًا وكَواعِبَ أتْرابًا﴾ إلى: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾، قال: فهذه جزاء بأعمالهم عطاء الذي أعطاهم، عَملوا له واحدة فجزاهم عشرًا. وقرأ قول الله: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام:١٦٠]، وقرأ قول الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة:٢٦١]، قال: يزيد مَن يشاء، كان هذا كلّه عطاء، ولم يكن أعمالًا يَحسبه لهم، فجزاهم به حتى كأنهم عَملوا له. قال: ولم يَعملوا، إنما عَملوا عشرًا فأعطاهم مائة، وعَملوا مائة فأعطاهم ألفًا، هذا كلّه عطاء، والعمل الأول، ثم حَسب ذلك حتى كأنهم عَملوا، فجزاهم كما جزاهم بالذي عَملوا

ذَهَبَ ابنُ جرير (٤‏/‏٤٢٨-٤٢٩ بتصرف) إلى ما ذهب إليه عمر بن الخطاب، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم، من أنّ المراد بالقرض الحسن في الآية: الإنفاق في سبيل الله، فقال: «يعني -تعالى ذِكْرُه- بذلك: مَن هذا الذي ينفق في سبيل الله، فيُعِينُ مضعفًا، أو يُقَوِّي ذا فاقة أراد الجهاد في سبيل الله، ويعطي منهم مُقْتِرًا. وإنما جعله -تعالى ذكره- حسنًا لأنّ المعطي يعطي ذلك عن ندب الله إياه، وحثه له عليه احتسابًا منه، فهو لله طاعة، وللشياطين معصية. وهذه الآية نظيرة الآية التي قال فيها -تعالى ذكره-: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ [البقرة:٢٦١]». وبيّن ابنُ عطية (١‏/‏٣٢٩) أنّ التعبير بالقرض هنا إنما هو للتأنيس

اختُلِف في قراءة قوله: ﴿تنبت﴾؛ فقرأ قوم: ﴿تنبت﴾ بفتح التاء، وقرأ آخرون: ‹تُنبِتُ› بضم التاء. وذكر ابنُ جرير (١٧‏/‏٣١) أنّ الأولى بمعنى: تنبت هذه الشجرة بثمر الدهن، وأن الثانية بمعنى: تنبت الدهن: تخرجه. ثم قال (١٧‏/‏٣٢): «والقول عندي في ذلك أنهما لغتان: نبت، وأنبت». ثم رجَّح قراءة الفتح مستندًا إلى إجماع القراء، فقال: «غير أنّ ذلك وإن كان كذلك فإنّ القراءة التي لا أختار غيرها في ذلك قراءة من قرأ: ﴿تنبت﴾ بفتح التاء، لإجماع الحجة مِن القَرأَة عليها». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٢٨٧) أن القراءة الثانية لها تقديران: أحدهما: أنّ الباء زائدة. وذكر أنّ الفارسي مثَّل له بقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة:٩٥]، ثم علَّق بقوله: «وهذا المثال عندي معترض». والآخر: تنبت جناها ومعه الدهن، والمفعول محذوف

ذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٦٩) أنّ معنى: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ أي: «بأنه قدر قوسين أو أدنى من ذلك، وليس هذا على وجه الشكّ، بل تحقيقٌ لقدر المسافة، وأنها لا تزيد عن قوسين ألبتة، كما قال تعالى: ﴿وأَرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧]، تحقيق لهذا العدد، وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحدًا، ونظيره قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤]، أي: لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة، بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها». ثم ذهب إليه بقوله: «وهذا المعنى أحسن وألطف وأدقّ من قول مَن جعل ﴿أو﴾ في هذه المواضع بمعنى: بل، ومن قول مَن جعلها للشكّ بالنسبة إلى الرأي، وقول مَن جعلها بمعنى: الواو. فتأمله»

سورة البقرة — الآية ٢٣٨

عن أبي صخر، أنّ محمد بن كعب القرظي حدَّثه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ في الصلاة أجابه مَن وراءه، وإذا قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قالوا مثلَ ما يقول حتى يقضي فاتحة القرآن والسورة، فلبث ما شاء الله أن يلبث، ثم نزل: ﴿إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ [الأعراف:٢٠٤]، فقرأ ونَصَتُوا، ثم نزل: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾. قال القرظي: كلُّ شيء ذُكِر من القنوت في القرآن فهي الطاعة إلا واحدة، وهي تصير إلى الطاعة، قول الله: ﴿والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾، وهي -يا هذا-: ساكتين

سورة الأنفال — الآية ٦١

عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وإن جنحوا للسلم﴾ أي: للصُّلْح، ﴿فاجنح لها﴾. قال: كانت قبلَ براءة، وكان النبيّ ﷺ يُوادِعُ الناس إلى أجلٍ، فإمّا أن يُسلموا وإمّا أن يُقاتِلَهم، ثم نُسِخ ذلك في براءة، فقال: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]، وقال: ﴿وقاتلوا المشركين كافة﴾ [التوبة:٣٦]، نَبَذَ إلى كلِّ ذي عَهْدٍ بعهدِه، وأمَره أن يُقاتِلَهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله. ويُسْلِموا، وألّا يَقْبَلَ منهم إلا ذلك، وكلُّ عهدٍ كان في هذه السورة وغيرها، وكلُّ صُلْحٍ يصالِحُ به المسلمون المشركين يَتوادَعون به، فإن براءة جاءت بنسخ ذلك، فأُمِر بقتالِهم قبلَها على كلِّ حال حتى يقولوا: لا إله إلا الله

سورة العلق — الآية ٩

عن أبي هريرة -من طريق أبي حازم- قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمد وجهه إلا بين أظهركم؟ قالوا: نعم. فقال: واللّاتِ والعُزّى، لَئِن رأيتُه يُصلِّي كذلك لَأَطَأَنّ على رقبته، ولأُعفِّرنّ وجهه في التراب. فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يُصلّي ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم منه إلا وهو يَنكِص على عَقِبيه، ويتّقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ قال: إنّ بيني وبينه خندقًا مِن نار، وهَوْلًا، وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا». قال: وأنزل الله: ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ إلى آخر السورة

سورة الكوثر — الآية ٢

عن علي بن أبي طالب، قال: لَمّا نزلت هذه السورة على النبيِّ ﷺ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ قال رسول الله ﷺ لجبريل: «ما هذه النَّحِيرة التي أمرني بها ربي؟». قال: إنها ليست بنَحِيرة، ولكن يأمرك إذا تحرّمتَ للصلاة أن ترفع يديك إذا كبَّرتَ، وإذا ركعتَ، وإذا رفعتَ رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السماوات السبع، وإنّ لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفْع اليدين عند كلّ تكبيرة. قال النبيُّ ﷺ: «رفْع اليدين مِن الاستكانة التي قال الله: ﴿فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾» [المؤمنون:٧٦]