جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يعني بقوله جلّ ثناؤه : جَزَاءً مِنْ رَبكَ عَطاءً أعطى الله هؤلاء المتقين ما وصف في هذه الآيات ثوابا من ربك بأعمالهم، على طاعتهم إياه في الدنيا.
وقوله : عَطاءً يقول : تفضلاً من الله عليهم بذلك الجزاء، وذلك أنه جزاهم بالواحد عشرا في بعض، وفي بعض بالواحد سبع مِئَة، فهذه الزيادة وإن كانت جزاء فعطاء من الله.
وقوله : حِسابا يقول : محاسبة لهم بأعمالهم لله في الدنيا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحرث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : جَزَاءً مِنْ رَبّكَ عَطاءً حسِابا قال : عطاء منه حسابا لما عملوا.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة جَزَاءً مِنْ رَبّكَ عَطاءً حِسابا : أي عطاء كثيرا، فجزاهم بالعمل اليسير، الخير الجسيم، الذي لا انقطاع له.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة، في قوله : عَطاءً حِسابا قال : عطاء كثيرا وقال مجاهد : عطاء من الله حسابا بأعمالهم.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : سمعت ابن زيد يقول في قول الله : جَزَاءً مِنْ رَبّكَ عَطاءً حسابا فقرأ : إنّ لِلْمُتّقِينَ مَفازا حَدَائِقَ وأعْنابا وكَوَاعِبَ أتْرَابا. . . إلى عَطاءً حسابا قال : فهذه جزاء بأعمالهم عطاء الذي أعطاهم، عملوا له واحدة، فجزاهم عشرا، وقرأ قول الله : مَنْ جاءَ بالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِهَا، وقرأ قول الله : مَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ قال : يزيد من يشاء، كان هذا كله عطاء، ولم يكن أعمالاً يحسبه لهم، فجزاهم به حتى كأنهم عملوا له، قال : ولم يعملوا إنما عملوا عشرا، فأعطاهم مئة، وعملوا مئة، فأعطاهم ألفا، هذا كله عطاء، والعمل الأوّل، ثم حَسَب ذلك حتى كأنهم عملوا، فجزاهم كما جزاهم بالذي عملوا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
حدثنا عمرو بن عبد الحميد، قال: ثنا جرير، عن حصين، عن عكرِمة، عن ابن عباس، في قوله: (وَكَأْسًا دِهَاقًا) قال: الملأى المتتابعة.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: (وَكَأْسًا دِهَاقًا) قال: المتتابعة.
وقوله: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا) يقول تعالى ذكره: لا يسمعون في الجنة لغوا، يعني باطلا من القول، ولا كذّابًا، يقول: ولا مكاذبة، أي لا يكذب بعضهم بعضا، وقرأت القرّاء في الأمصار بتشديد الذال على ما بيَّنت في قوله: (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا) سوى الكسائيّ فإنه خَفَّفها لما وصفت قبل، والتشديد أحبّ إليّ من التخفيف، وبالتشديد القراءة، ولا أرى قراءة ذلك بالتخفيف لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه، ومن التخفيف قول الأعشى:
| فَصَدَقْتُها وكَذبْتُها | والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُهُ (١) |
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (لَغْوًا وَلا كِذَّابًا) قال: باطلا وإثمًا.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا) قال: وهي كذلك ليس فيها لغوٌ ولا كذَّاب.
القول في تأويل قوله تعالى: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧)
وهذا الخبر -عن كعب- ذكره ابن كثير ١: ٤٣ دون إسناد ولا نسبة. وذكر السيوطي ١: ١١ ونسبه للطبري وابن أبي حاتم.