عن محمد بن كعب القُرَظيّ -من طريق أبي مَعْشر المدني- قال: كانت خَوْلة ابنة ثَعْلَبة تحت أوْس بن الصّامت، وكان رجلًا به لِمَمٌ، فقال في بعض هِجراته: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي، ثم ندم على ما قال، فقال لها: ما أظنّك إلا قد حَرُمتِ عَلَيَّ. قالت: لا تَقُل ذلك، فواللهِ، ما أحبَّ اللهُ طلاقًا. قالت: ائت رسولَ الله ﷺ، فسَلْه. فقال: إنّي أجدني أستحي منه أنْ أسأله عن هذا. فقالت: فَدَعْني أنْ أسأله. فقال لها: سَلِيه. فجاءتْ إلى رسول الله ﷺ، فقالتْ: يا نبي الله، إنّ أوْس بن الصّامت أبو ولدي، وأَحبّ الناس إلَيَّ، قد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب، ما ذكر طلاقًا؛ قال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. فقال النبيُّ ﷺ: «ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عليه». قالت: لا تَقُل ذلك، يا نبي الله، واللهِ، ما ذكر طلاقًا. فرادّت النبي ﷺ مرارًا، ثم قالت: اللهم، إني أشكو اليوم شدّة حالي ووِحْدتي، وما يشقّ عليّ مِن فِراقه، اللهم، فأنزِل على لسان نبيّك. فلم تَرِمْ مكانها حتى أنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما﴾ إلى أن ذكر الكفارات، فدعاه النبي ﷺ، فقال: «أعتِق رقبة». فقال: لا أجد. فقال: «صُم شهرين متتابعين». قال: لا أستطيع، إني لَأصوم اليوم الواحد، فيشُقّ عليّ. قال: «أطْعِم ستين مسكينًا؟». قال: أمّا هذا فنعم
أفادت الآثارُ اختلافَ السلف في المراد بالجار الجنب على ثلاثة أقوال: الأول: أنّ المراد به البعيد الذي لا قرابة بينك وبينه. الثاني: أن المراد به الكافر أو المشرك. الثالث: أنّ المراد به الزوجة. وقد رَجَّح ابنُ جرير (٧/١٠-١١بتصرف) مستندًا إلى دلالة العقل، واللغة القولَ الأول منها، كما في قول ابن زيد ومن وافقه، أنّ المراد به مَن لا قرابة بينك وبينه، سواءٌ كان مسلمًا أو مشركًا، وعلَّل ذلك بأنّ ""الجار ذي القربى: هو الجار ذو القرابة والرَّحِم، والواجب أن يكون الجار ذو الجنابة: الجار البعيد؛ ليكون ذلك وصيةً بجميع أصناف الجيران، قريبهم وبعيدهم. وبعد فإن الجنب في كلام العرب البعيد، كما قال أعشى بني قيس:أتيت حريثًا زائرًا عن جنابة فكان حريثٌ في عطائي جامدًايعني بقوله: عن جنابة: عن بعد وغربة. ومنه قيل: اجتَنَب فلان فلانًا: إذا بَعُد منه"". وزاد ابنُ عطية (٢/٥٤٦) قولًا آخر، فقال: «وقالت فِرْقةٌ: الجار ذو القربى: هو الجار القريب المسكن منك. والجار الجنب: هو البعيد المسكن منك». ثم علَّق عليه قائلًا: «وكأنّ هذا القولَ مُنتزَعٌ من الحديث، قالت عائشة: يا رسول الله، إنّ لي جارين، فإلى أيهما أُهدِي؟ قال: «إلى أقربهما منكِ بابًا»». وحكى كذلك عن ابن زيد أنّه قال في الجار الجنب: «هو الرجل يعتريك ويُلِمُّ بك لتنفعه»
اختُلِف في المال الذي أُمِرَ أن يُعْطى منه الذي ذهبت زوجته إلى المشركين، على ثلاثة أقوال: الأول: يُعطى مِن صداق مَن أسلمن منهنّ عن زوج كافر. وهو قول الزُّهريّ. والثاني: يُعطى من أموال غنائمهم لاستحقاقها عليهم. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثالث: يُعطى مِن أي وجوه الفيء أمكن. وهو قول ثانٍ للزهري ذكره ابن عطية (٨/٢٨٥). وعلَّقَ ابن عطية (٨/٢٨٥) على القول الأول بقوله: «هذا قول صحيح، يقتضيه قوله تعالى: ﴿فعاقبتم﴾». وعلَّقَ على القول الثاني بقوله (٨/٢٨٥): «قال هؤلاء: المعاقبة: هي الغزو والمغنم. وتأوَّلوا اللفظة بهذا المعنى». وذهَبَ ابنُ جرير (٢٢/٥٩٣) إلى جواز كلِّ تلك الأقوال استنادًا إلى العموم، فقال: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: أمر الله عز وجل في هذه الآية المؤمنين أن يُعْطُوا مَن فرَّت زوجته من المؤمنين إلى أهل الكفر -إذا هم كانت لهم على أهل الكفر عقبى: إما بغنيمة يصيبونها منهم، أو بلحاق نساء بعضهم بهم- مثلَ الذي أنفقوا على الفارَّة منهم إليهم، ولم يَخْصُص إيتاءهم ذلك مِن مالٍ دون مالٍ، فعليهم أن يُعطوهم ذلك مِن كلِّ الأموال التي ذكرناها». وعَلق ابنُ كثير (١٣/٥٢٥) على القولين الأول والثاني، فقال: «هذا لا ينافي الأول؛ لأنه إنْ أمكن الأول فهو أولى، وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار، وهذا أوسع وهو اختيار ابن جرير»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- أنه حدّثهم، قال: بَينا أنا عند عمر بن الخطاب، وهو خليفة، وهو يعرض الناس على ديوانهم؛ إذ مرّ به شيخٌ كبير أعمى، يَجْبِذُه قائده جَبْذًا شديدًا، فقال عمر حين رآه: ما رأيتُ كاليوم منظرًا أسوأ. فقال رجل من القوم جالس عنده: وما تعرف هذا، يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: هذا ابن ضبعا السّلمي، ثم البهزي، الذي بَهَلَه بُرَيْقٌ، فقال عمر: قد عرفتُ أن بُرَيقًا لقب، فما اسم الرجل؟ قالوا: عِياض. قال: فدُعي له، فقال: أخبِرني خبرك وخبر بني ضبعا. قال: يا أمير المؤمنين، أمرٌ من أمر الجاهلية قد انقضى شأنه، وقد جاء الله عز وجل بالإسلام. فقال عمر: اللهم، غُفرًا، ما كنّا أحقّ بأن نتحدّث بأمر الجاهلية منذ أكرمنا الله بالإسلام، حدّثنا حديثك وحديثهم. قال: يا أمير المؤمنين، كانوا بني ضبعا عشرة، فكنت ابنَ عم لهم لم يبق من بني أبي غيري، وكنت لهم جارًا، وكانوا أقرب قومي لي نسبًا، وكانوا يضطهدونني ويظلمونني، ويأخذون مالي بغير حقّه، فذكّرتُهم الله والرَّحِم والجوار إلا ما كفّوا عني، فلم يمنعني ذلك منهم، فأمهلتُهم حتى إذا دخل الشهر الحرام رفعتُ يدي إلى السماء، ثم قلتُ: لاهمَّ أدعوك دعاء جاهدا اقتل بني الضبعاء إلا واحدا ثم اضرب الرجل فذره قاعدا أعمى إذا ما قيد عنى القائدا فتتابع منهم تسعة في عامهم موتًا، وبقي هذا معي، ورماه الله في رجليه بما ترى، فقائده يلقى منه ما رأيتَ، فقال عمر: سبحان الله، إنّ هذا للعجب. فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، فشأن أبي تَقاصُفٍ الهذلي ثم الخُناعِيُّ أعجب من هذا، قال: وكيف كان شأنه؟ قال: كان لأبي تَقاصُف تسعة هو عاشرهم، وكان لهم ابن عمٍّ هو منهم بمنزلة عياض من بني ضبعا، فكانوا يظلمونه ويضطهدونه، ويأخذون ماله بغير حقّ، فذكّرهم الله والرَّحِم إلا ما كفّوا عنه، فلم يمنعه ذلك منهم، فأمهلهم حتى إذا دخل الشهر الحرام رفع يديه إلى الله عز وجل، ثم قال: لاهمَّ ربّ كل امرئ آمن وخائف وسامع هتاف كل هاتف إنّ الخناعي أبا تقاصف لم يعطني الحق ولم يناصف فاجمع له الأحبة الألاطف بين كَرّانَ ثم والنواصف قال: فتدلّوا حيث وصف في قَليبٍ لهم يُصلحونه، فتهوّر عليهم جميعًا، فإنه لَقبر لهم جميعًا إلى يومهم هذا، فقال عمر: سبحان الله، إنّ هذا للعجب! فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين، فشأن بني المؤمّل مِن بني نصر أعجب من هذا كلّه. قال: وكيف كان شأن بني مؤمّل؟ قال: كان لهم ابن عمٍّ، وكان بنو أبيه قد هلكوا، فألجأ ماله إليهم ونفسه ليمنعوه، فكانوا يظلمونه ويضطهدونه، ويأخذون ماله بغير حقٍّ، فكلّمهم، فقال: يا بني مؤمّل، إني قد اخترتكم على مَن سواكم، وأضفتُ إليكم مالي ونفسي لتمنعوني، فظلمتموني، وقطعتم رحمي، وأكلتم مالي، وأسأتم جواري، فأذكركم الله والرَّحِم والجوار إلا ما كففتم عنِّي. فقام رجل يقال له: رباح، فقال: يا بني مؤمّل، قد صدق -واللهِ- ابنُ عمكم، فاتقوا الله فيه، فإنّ له رحِمًا وجوارًا، وإنّه قد اختاركم على غيركم من قومكم، فلم يمنعه ذلك منكم، فأمهلهم، حتى إذا دخل الشهر الحرام خرجوا أعمارًا، فرفع يديه إلى الله عز وجل في أدبارهم، وقال: لاهم زِلْهُمْ عن بني مؤمّل وارمِ على أقفائهم بمنكل بصخرة أو عرض جيش جَحْفل إلا رباحًا إنه لم يفعل فبينما هم نزولٌ إلى جبل في بعض طريقهم أرسل الله صخرةً مِن الجبل تجُرّ ما مرّت به من حجرٍ أو صخر، حتى دكّتهم دكّة واحدة، إلا رباحًا وأهل جنابه إنه لم يفعل، فقال عمر: سبحان الله، إنّ هذا للعجب! لم يَرَوْن أن هذا كان يكون؟ قالوا: أنت -يا أمير المؤمنين- أعلم. قال: أما إني قد علمتُ لِمَ كان ذلك، كان الناس أهل جاهلية، لا يَرجُون جنةً ولا يخافون نارًا، ولا يعرفون بعثًا ولا قيامة، فكان الله تعالى يستجيب للمظلوم منهم على الظالم ليدفع بذلك بعضهم عن بعض، فلمّا أعلم الله تعالى العباد معادهم، وعرفوا الجنة والنار والبعث والقيامة، قال: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ والسّاعَةُ أدْهى وأَمَرُّ﴾، فكانت النظرة والمدّة والتأخير إلى ذلك اليوم
عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أتيتُ أبا وائل في مسجدِ أهله أسألُه عن هؤلاء القومِ الذين قتلهم عليٌّ بالنَّهْرَوان؛ فيما استجابوا له، وفيما فارقوه، وفيما استحلَّ قتالَهم؟ قال: كُنّا بصِفِّين، فلمّا استحرَّ القتلُ بأهل الشّام اعْتَصَمُوا بتَلٍّ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرْسِلْ إلى عليٍّ بمصحف، وادْعُه إلى كتاب الله، فإنّه لن يأَبْى عليك. فجاء به رجلٌ، فقال: بيننا وبينكم كتابُ الله، ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله، ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم، وهم معرضون﴾. فقال عليٌّ: نعم، أنا أوْلى بذلك، بيننا وبينكم كتابُ الله. قال: فجاءته الخوارجُ -ونحن ندعوهم يومئذٍ: القُرّاء- وسيوفُهم على عَواتِقِهم. فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما ننتظرُ بهؤلاء القوم الذين على التَلِّ؟ ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم اللهُ بيننا وبينهم؟ فتكلَّم سهلُ بن حُنَيْف، فقال: يا أيها الناس، اتَّهِموا أنفسَكم، فلقد رأيتُنا يوم الحديبية -يعني: الصُّلْح الذي كان بين رسولِ الله ﷺ وبين المشركين- ولو نرى قتالًا لقاتَلْنا، فجاء عمرُ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، ألسنا على حقٍّ وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنَّة وقتلاهم في النار؟ قال: «بَلى». قال: ففِيمَ نُعْطي الدَّنِيَّة في ديننا، ونرجعُ ولَمّا يحكُمِ اللهُ بيننا وبينهم؟! فقال: «يا ابن الخطّاب، إنِّي رسول الله، ولن يُضَيِّعَني أبدًا». قال: فرَجَع وهو مُتَغَيِّظٌ، فلم يصبر حتى أتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، ألَسْنا على حقٍّ وهم على باطل؟ أليس قتلانا في الجنّة وقتلاهم في النّار؟ قال: بلى. قال: ففِيم نُعطي الدَّنِيَّة في ديننا، ونرجع ولَمّا يحكمِ اللهُ بيننا وبينهم؟! فقال: يا ابن الخطاب، إنّه رسول الله ﷺ، ولن يُضَيِّعه أبدًا. قال: فنزلت سورةُ الفتح. قال: فأرسلني رسولُ الله ﷺ إلى عمر، فأقرأها إيّاه. قال: يا رسول الله، وفتحٌ هو؟ قال: «نَعَم»
عن الحارث بن ضِرار الخُزاعيّ، قال: قدمتُ على رسول الله ﷺ، فدعاني إلى الإسلام، فدخلتُ فيه، وأقررتُ به، ودعاني إلى الزّكاة، فأقررتُ بها، وقلتُ: يا رسول الله، أرجع إلى قومي، فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزّكاة، فمَن استجاب لي جمعتُ زكاته، وترسل إليَّ -يا رسول الله- رسولًا لإبّان كذا وكذا؛ ليأتيك ما جمعتُ من الزّكاة. فلمّا جمع الحارث الزّكاة مِمَّن استجاب له، وبلغ الإبّان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يَبعثَ إليه؛ احتبس الرسولُ فلم يأتِ، فظنّ الحارث أنّه قد حدث فيه سَخْطةٌ مِن الله ورسوله، فدعا بِسَرَواتِ قومه، فقال لهم: إنّ رسول الله ﷺ كان وقَّت لي وقتًا يُرسِل إلَيَّ رسوله ليقْبِض ما كان عندي مِن الزّكاة، وليس مِن رسول الله ﷺ الخُلْف، ولا أرى حُبس رسوله إلا من سَخْطةٍ، فانطلِقوا، فنأتي رسول الله ﷺ. وبعث رسولُ الله ﷺ الوليدَ بن عُقبة إلى الحارث؛ ليقْبِض ما كان عنده مِمّا جَمع من الزّكاة، فلمّا أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرِق فرجع، فأتى رسول الله ﷺ، فقال: إنّ الحارث منعني الزّكاة، وأراد قتْلي. فضرب رسول الله ﷺ البَعْث إلى الحارث، فأقبل الحارثُ بأصحابه، حتى إذا استَقبل البَعْث وفصَل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث. فلمّا غَشِيهم قال لهم: إلى مَن بُعِثْتُم؟ قالوا: إليك. قال: ولِمَ؟ قالوا: إنّ رسول الله ﷺ بَعث إليك الوليدَ بن عُقبة، فزعم أنّك منعته الزّكاة، وأردتَ قتْله. قال: لا، والذي بَعث محمَّدًا بالحقّ، ما رأيتُه ولا أتاني. فلمّا دخل الحارثُ على رسول الله ﷺ قال: «منعتَ الزّكاة وأردتَ قتْل رسولي؟!». قال: لا، والذي بعثك بالحقّ، ما رأيتُه ولا رآني، وما أقبلتُ إلا حين احتبس عليَّ رسولُ رسولِ الله ﷺ، خشيتُ أن تكون كانت سَخْطةٌ من الله ورسوله. فنزل: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾
رَجَّح ابنُ جرير (٤/٥٥٣-٥٥٤) مستندًا إلى السّنَةِ، والدلالات العقلية قولَ قتادة من طريق مَعْمَر، والضحاك من طريق جويبر، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح؛ بأنّ الآية نزلت في خاصٍّ مِن الكفار، ولم يُنسخ منها شيء، وأنّ عدم الإكراه في الدين إنّما هو لأهل الكتاب والمجوس وكُلِّ مَن جاز إقرارُه على دينه المخالِفِ دينَ الحق، وأخذ الجزية منه، فقال مُعَلِّلًا ترجيحَه: «وإنّما قُلنا: هذا القولُ أولى الأقوال في ذلك بالصواب لِما قد دَلَّلنا عليه من أنّ الناسخ غيرُ كائن ناسخًا إلا ما نفى حُكْمَ المنسوخ، فلم يَجُزِ اجتماعُهما، فأمّا ما كان ظاهره العموم من الأمر والنهي وباطنه الخصوص فهو من الناسخ والمنسوخ بمعزل، وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستحيل أن يُقال: لا إكراه لأحد ممن أخذت منه الجزية في الدين، ولم يكن في الآية دليلٌ على أن تأويلها بخلاف ذلك، وكان المسلمون جميعًا قد نقلوا عن نبيهم ﷺ أنّه أكره على الإسلام قومًا، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وأنّه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه، وإقراره على دينه الباطل». وانتَقَدَ (٤/٥٥٤) مَن قال بأنّ الآية منسوخة؛ بأنّه قولٌ لا معنى له. ثُمَّ بيَّن بأنّ قول ابن عباس من طريق ابن إسحاق وما في معناه: «غير مدفوعةٍ صحتُه، ولكنَّ الآية قد تنزل في خاصٍّ من الأمر ثم يكون حكمها عامًّا في كلِّ ما جانس المعنى الذي أنزلت فيه، فالذين أُنزِلَت فيهم هذه الآية على ما ذكر ابن عباس وغيرُه إنّما كانوا قومًا دانَوْا بدين أهل التوراة قبل ثبوت عَقْدِ أهل الإسلام لهم، فنهى الله -تعالى ذِكْرُه- عن إكراههم على الإسلام، وأنزل بالنهي عن ذلك آيةً يَعُمُّ حكمُها كلَّ مَن كان في مثل معناهم مِمَّن كان على دينٍ من الأديان التي يجوز أخذ الجزية من أهلها، وإقرارهم عليها». ورَجّح ابنُ القيم (١/١٩١) مستندًا إلى دلالة العموم بأنّ الآية في حق كل كافر، وقال: «وهذا ظاهرٌ على قول من يُجَوِّزُ أخْذَ الجِزْيَةِ من جميع الكفار»
انتقد ابنُ جرير (١٣/١٧١-١٧٢) قول قتادة مستندًا للدلالة العقلية، فقال: «وهذا الذي قاله قتادة مِن أنّ عبارة الرؤيا ظنٌّ فإنّ ذلك كذلك مِن غير الأنبياء. فأمّا الأنبياء فغير جائز منها أن تخبر بخبر عن أمر أنّه كائن ثم لا يكون، أو أنّه غير كائن ثم يكون مع شهادتها على حقيقة ما أخبرت عنه أنه كائن أو غير كائن؛ لأنّ ذلك لو جاز عليها في إخبارها لم يؤمن مثل ذلك في كل أخبارها، وإذا لم يؤمن ذلك في أخبارها سقطت حجَّتُها على مَن أرسلت إليه. فإذا كان ذلك كذلك كان غير جائز عليها أن تُخْبِر بخبر إلا وهو حقٌّ وصِدْقٌ. فمعلوم إذ كان الأمر على ما وصفت أنّ يوسف لم يقطع الشهادة على ما أخبر الفتيين اللذين استعبراه أنه كائن، فيقول لأحدهما: ﴿أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ ثم يؤكد ذلك بقوله: ﴿قضي الأمر الذي فيه تستفتيان﴾ عند قولهما: لم نر شيئًا، إلا وهو على يقين أن ما أخبرهما بحدوثه وكونه أنّه كائن لا محالة لا شك فيه، وليقينه بكون ذلك قال للناجي منهما: ﴿اذكرني عند ربك﴾. فبَيِّنٌ إذن بذلك فسادُ القول الذي قاله قتادة». وذكر ابنُ عطية (٥/٩١) أنّ الظنَّ هاهنا بمعنى اليقين؛ لأنّ ما تقدم من قوله: ﴿قضي الأمر﴾ يلزم ذلك، وهو يقين فيما لم يخرج بعد إلى الوجود. ثم قال: «وقول يوسف عليه السلام: ﴿قضي الأمر﴾ دالٌّ على وحيٍ». ووجّه قول قتادة، فقال: «ولا يَتَرَتَّب قولُ قتادة إلا بأن يكون معنى قوله: ﴿قضي الأمر﴾ أي: قُضِي كلامي وقُلْتُ ما عندي وتَمَّ، والله أعلم بما يكون بعد». ثم ساق احتمالًا آخر في تفسير الآية، فقال (٥/٩٢): «وفي الآية تأويل آخر، وهو: أن يكون ﴿ظن﴾ مسندًا إلى الذي قيل له: إنه يسقي ربه خمرًا. لأنّه دخلته أُبَّهة السرور بما بُشِّر به، وصار في رتبة مَن يؤمل حين ظنَّ وغلب على معتقده أنه ناج، وذلك بخلاف ما نزل بالآخر الـمُعَرَّف بالصلب». وبيّن أنّ قوله: ﴿اذكرني عند ربك﴾ يحتمل ثلاثة احتمالات: الأول: أن يذكره بعلمه ومكانته. الثاني: أن يذكره بمظلمته وما امتحن به بغير حق. الثالث: أن يذكره بهما
اختُلِف في معنى قوله: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ على أقوال: الأول: ولولا دفع الله المشركين بالمسلمين. الثاني: ولولا الجهاد والقتال في سبيل الله. الثالث: ولولا دفع الله بأصحاب رسول الله ﷺ عن التابعين. الرابع: ولولا دفع الله بشهادة الشهود على الحقوق. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٥٧٩-٥٨٠) صحَّةَ جميع ذلك للعموم، فقال: ""وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله-تعالى ذِكْرُه- أخبر أنه لولا دفاعه الناس بعضهم ببعض لهُدّم ما ذكر، من دفْعه -تعالى ذكره- بعضهم ببعض، وكفه المشركين بالمسلمين عن ذلك، ومنه كفه ببعضهم التظالم، كالسلطان الذي كف به رعيته عن التظالم بينهم، ومنه كفه لمن أجاز شهادته بينهم ببعضهم عن الذهاب بحق من له قِبَله حق، ونحو ذلك، وكل ذلك دفع منه الناس بعضهم عن بعض، لولا ذلك لتظالموا، فهدم القاهرون صوامع المقهورين وبيعهم، وما سمى -جل ثناؤه-. ولم يضع الله تعالى دلالة في عقل على أنه عنى من ذلك بعضًا دون بعض، ولا جاء بأن ذلك كذلك خبر يجب التسليم له، فذلك على الظاهر والعموم على ما قد بينته قبل؛ لعموم ظاهر ذلك جميع ما ذكرنا"". وذكر ابنُ عطية (٦/٢٥٤) أنّ الآية تقوية للأمر بالقتال، وذكْر الحجة بالمصلحة فيه، وذكْر أنه متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبَّدات، فكأنه قال: أُذن في القتال فليقاتل المؤمنون، ولولا القتال والجهاد لتُغلِّب على الحق في كل أمة. ورجَّح مستندًا إلى السياق أنه القتال والجهاد، وهو القول الثاني الذي قاله ابن زيد، فقال: «هذا أصوب تأويلات الآية». وذكر أنه الأليق بمعنى الآية، ووجَّه الأقوال الأخرى بخروجها مخرج المثال، فقال: «ما قيل بعد من مُثُل الدفاع تبعٌ للجهاد». ونقل عن فرقة أن المعنى: ولولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء والأخيار ونحوه، وانتقده مستندًا لمخالفته لظاهر الآية، فقال: «وهذا وما شاكله مُفسِد لمعنى الآية، وذلك أنّ الآية تقتضي ولا بُدَّ مدفوعًا مِن الناس ومدفوعًا عنه. فتأمله»
عن الحسن البصري: أنّ رجلًا على عهد رسول الله ﷺ اخْتانَ درعًا من حديد، فلما خشي أن توجد عنده ألقاها في بيت جارٍ له من اليهود، وقال: تزعمون إني اخْتَنتُ الدِّرعَ؟! فواللهِ، لقد أُنبِئْتُ أنها عند اليهودي. فرفع ذلك إلى النبي ﷺ، وجاء أصحابه يَعْذِرُونَه، فكأنّ النبي ﷺ عذره حين لم يجد عليه بيِّنَةً، ووجدوا الدرع في بيت اليهودي، وأبى اللهُ إلا العدلَ؛ فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾ إلى قوله: ﴿أم من يكون عليهم وكيلا﴾، فعرَّض اللهُ بالتوبة لو قبِلها، إلى قوله: ﴿ثم يرم به بريئا﴾ اليهودي. ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته﴾ إلى قوله: ﴿وكان فضل الله عليك عظيما﴾. فأبرىء اليهودي، وأخبر بصاحب الدرع. قال: قد افتضحت الآن في المسلمين، وعلموا أني صاحب الدرع، ما لي إقامة ببلد. فتراغم، فلحق بالمشركين؛ فأنزل الله: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾ إلى قوله: ﴿ضلالا بعيدا﴾