قال ابنُ عطية (٦‏/‏٣٥٥): «إنّ حسان ومِسطحًا وحَمنة حُدُّوا، ذكر ذلك ابن إسحاق، وذكره الترمذي. وفي تفسير ابن عباس رضي الله عنهما أنّ ابن أُبَيٍّ حُدَّ، وهذا عندي لا يصحّ عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأنه لم يُحْفَظ عن عبد الله الرَّمْي». وقال أيضًا (٦‏/‏٣٥٧): «لم يُرْوَ في شهير الدواوين أنّ عبد الله بن أُبَيٍّ حُدَّ، ويشبه أنّ ذلك لم يكن؛ لأنه لم تقم عليه بالمقالة بيّنة لنفاقه وتستره، وإنما كان يخوض فيه مع مَن يذيعه ولا يسأل عن شهادته، كما قال عروة في البخاري: أخبرت أنه كان يُقِرّه ويَسْتَوشِيه... ولكن النبي ﷺ استعذر منه على المنبر، ووَقَذَه بالقول، ووقع في أمره بين الأوس والخزرج ما هو مطوّل في مسلم في جملة حديث الإفك»

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿أولي الأيدي والأبصار﴾ على أقوال: الأول: أن الأيدي القوة في الطاعة، والأبصار: أنهم أهل بصائر في الدين والعلم. الثاني: أن الأيدي: النعمة. وقد بيّن ابنُ جرير (٢٠‏/‏١١٤) أن المعنى: أنهم أهل قوة في الطاعة وأهل بصائر القلوب، فقال: «وقوله: ﴿أولي الأيدي والأبصار﴾ ويعني بالأيدي: القوة، يقول: أهل القوة على عبادة الله وطاعته، ويعني بالأبصار: أنهم أهل إبصار القلوب، يعني به: أولي العقول للحق. وقد اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضُهم في ذلك نحوًا مما قلنا فيه». ثم ذكر آثار السلف على هذا. وقال ابنُ عطية (٧‏/‏٣٥٥): «وقوله تعالى: ﴿والأَبْصارِ﴾ عبارة عن البصائر، أي: يبصرون الحقائق وينظرون بنور الله تعالى، وبنحو هذا فسَّر الجميعُ»

سورة الفاتحة — الآية ٢

عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل بن سليمان، عن الضحاك- عن النبي - ﷺ -، قال: «إنّ الله أنزل عَلَيَّ سورةً لم يُنزلها على أحد من الأنبياء والرسل من قبلي». قال النبي - ﷺ -: «قال الله تعالى: قسمت هذه السورة بيني وبين عبادي؛ فاتحة الكتاب، جعلت نصفها لي ونصفها لهم، وآية بيني وبينهم، فإذا قال العبد: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قال الله: عبدي دعاني باسمين رقيقين، أحدهما أرق من الآخر، فالرحيم أرق من الرحمن، وكلاهما رقيقان. فإذا قال: ﴿الحمد لله﴾ قال الله: شكرني عبدني وحمدني. فإذا قال: ﴿رب العالمين﴾ قال الله: شهد عبدي أني رب العالمين». يعني بـ ﴿رب العالمين﴾: رب الإنس والجن والملائكة والشياطين وسائر الخلق، ورب كل شيء، وخالق كل شيء. «فإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ يقول: مَجَّدني عبدي. وإذا قال: ﴿ملك يوم الدين﴾». يعني: بـ ﴿يوم الدين﴾: يوم الحساب. «قال الله تعالى: شهد عبدي أنه لا مالك ليوم الحساب أحد غيري. وإذا قال: ﴿ملك يوم الدين﴾ فقد أثنى علي عبدي. ﴿إياك نعبد﴾». يعني: الله أعبد وأُوَحِّد. «﴿وإياك نستعين﴾ قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، إياي يعبد، فهذه لي، وإياي يستعين، فهذه له، ولعبدي بعد ما سأل [بقية [هذه] السورة]. ﴿اهدنا﴾: أرشدنا، ﴿الصراط المستقيم﴾ يعني: دين الإسلام؛ لأن كل دين غير الإسلام فليس بمستقيم، الذي ليس فيه التوحيد، ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ يعني به: النبيين والمؤمنين الذين أنعم الله عليهم بالإسلام والنبوة، ﴿غير المغضوب عليهم﴾ يقول: أرشدنا غير دين هؤلاء الذين غضبت عليهم، وهم اليهود، ﴿ولا الضالين﴾ وهم النصارى؛ أضلهم الله بعد الهدى، فبمعصيتهم غضب الله عليهم فجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. ﴿أولئك شر مكانا﴾ في الدنيا والآخرة، يعني: شر منزلًا من النار، ﴿وأضل عن سواء السبيل﴾ [المائدة: ٦٠] من المؤمنين. يعني: أضل عن قصد السبيل المَهْدِيِّ من المسلمين، قال النبي - ﷺ -: «فإذا قال الإمام: ﴿ولا الضالين﴾. فقولوا: آمين. يجبكم الله». قال النبي - ﷺ -: «قال لي: يا محمد، هذه نجاتك، ونجاة أمتك، ومن اتبعك على دينك من النار»

سورة الصف — الآية ٦

عن محمد بن إسحاق، قال: وكانت الأحبار والرُّهبان -أهل الكتابيْن- هم أعلم برسول الله ﷺ قبل مَبعثه وزمانه الذي يُترقّب فيه من العرب؛ لِما يجدون في كتبهم من صفاته، وما أُثبت فيها عندهم من اسمه، وبما أُخذ عليهم من الميثاق له في عهد أنبيائهم وكتبهم في اتّباعه، فيَستفْتحون به على أهل الأوثان من أهل الشّرك، ويخبرونهم أنّ نبيًا مبعوثًا بدين إبراهيم اسمه أحمد، كذلك يجدونه في كتبهم وعهد أنبيائهم، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿الذي يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم﴾ إلى قوله: ﴿أولئك هم المفلحون﴾ [الأعراف:١٥٧]، وقال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وإذ قال عيسى بن مريم يا بني اسرائيل﴾ الآية كلّها، وقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه﴾ الآية كلّها [الفتح:٢٩]، وقوله: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾ إلى قوله: ﴿فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين﴾ [البقرة:٨٩-٩٠]

سورة الزلزلة — الآية ٧

قال معمر بن راشد: بلغني أنّ عمر بن الخطاب مَرّ به رَكبٌ، فأرسل إليهم يسألهم: مَن هم؟ فقالوا: جِئنا مِن الفجِّ العميق. فقال: أين تريدون؟ قالوا: نؤمّ البيت العتيق. قال: فرجع إليه الرسول، فأخبره، فقال عمر: إنّ لهؤلاء لَنبأ. ثم أرسل إليهم: أي آية في كتاب الله أحكم؟ قالوا: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. قال: فأي آية أعدل؟ قالوا: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾ [النحل:٩٠]. قال: فأي آية أعظم؟ فقالوا: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]. قال: فأي آية أرجى؟ قالوا: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]. قال: فأي آية أخوف؟ قالوا: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣]. قال: سلهم: أفيهم ابن أُمّ عبد؟ قالوا: نعم

عَلَّقَ ابنُ تيمية (٢‏/‏٢١٩) على قول أبي العالية هذا بقوله: «ويدلُّ على ما قال أنّ المنافقَ إذا أُخِذ ليُقْتَل ورأى السيفَ فقد حضره الموت، بدليل دخول مثل هذا في عموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [البقرة:١٨٠]، وقوله تعالى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْت﴾ [المائدة:١٠٦]، وقد قال حين حضره الموت: ﴿إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ فليست له توبة كما ذكره الله سبحانه. نعم، إن تاب توبةً صحيحة فيما بينه وبين الله لم يكن مِمَّن قال: ﴿إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، بل يكون مِمَّن تاب مِن قريب؛ لأنّ الله سبحانه إنّما نفى التوبةَ عَمَّن حضره الموتُ وتاب بلسانه فقط، ولهذا قال في الأول: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾ وقال هنا: ﴿إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، فمن قال: إنِّي تُبْتُ. قبل حضور الموت، أو تاب توبة صحيحة بعد حضور أسباب الموت؛ صحَّت توبتُه»

على هذا القول فالضمير في قوله: ﴿حبه﴾ عائد على الطعام، وهو ما ذكره ابنُ عطية (٨‏/‏٤٩٠)، ثم ذكر احتمالًا آخر بعوْده على الله تعالى، أي: لوجهه وابتغاء مرضاته، ونسبه لأبي سليمان الدّاراني. ثم علَّق بقوله: «والأول أمدح لهم؛ لأنّ فيه الإيثار على النفس، وعلى الاحتمال الثاني فقد يفعله الأغنياء أكثر». وذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٢٠٩ بتصرف) أنّ من قال بعوْد الضمير على الله تعالى فذلك لدلالة السياق عليه. ثم رجَّح -مستندًا إلى النظائر- عوْده على الطعام، فقال: «والأظهر أنّ الضمير عائد على الطعام، كقوله تعالى: ﴿وآتى المال على حبه﴾ [البقرة:١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران:٩٢]». وذكر ابنُ عطية أنّ الحسين بن الفضل قال بعوْد الضمير على الإطعام، وعلَّق عليه (٥‏/‏٤١٠ ط: دار الكتب العلمية) بقوله: «أي: مُحبّين في فعلهم ذلك، لا رياء فيه ولا تكلف»

سورة النساء — الآية ٩٦

عن ابن وهب، قال: سألت عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن قول الله تعالى: ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه﴾. قال: الدرجات هي السبع التي ذكرها في سورة براءة: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿أحسن ما كانوا يعملون﴾. قال: هذه السبع درجات. قال: كان أول شيء، فكانت درجة الجهاد مجملة، فكان الذي جاهد بماله له اسم في هذه، فلما جاءت هذه الدرجات بالتفضيل أخرج منها، ولم يكن له منها إلا النفقة. فقرأ: ﴿لا يصيبهم ظمأ ولا نصب﴾. وقال: ليس هذا لصاحب النفقة. ثم قرأ: ﴿ولا ينفقون نفقة﴾. قال: وهذه نفقة القاعد

سورة النور — الآية ٢٣

عن عبد الله بن عباس -من طريق العَوّام بن حَوْشَب، عن شيخ من بني أسد-: أنّه قرأ سورة النور، ففسَّرها، فلمّا أتى على هذه الآية: ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات﴾ قال: هذه في عائشةَ وأزواجِ النبيِّ ﷺ، ولم يجعل لِمَن فعل ذلك توبةً، وجعل لِمَن رمى امرأةً مِن المؤمنات مِن غير أزواج النبي ﷺ التوبة. ثم قرأ: ﴿إن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ إلى قوله: ﴿إلا الذين تابوا﴾. فجعل لِمَن قذف امرأةً مِن المؤمنين التوبة، ولم يجعل لِمَن قذف امرأةً مِن أزواج النبي ﷺ توبة. ثم تلا هذه الآية: ﴿لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾. فهَمَّ بعضُ القوم أن يقومَ إلى ابن عباس فيُقَبِّل رأسه؛ لِحُسْن ما فَسَّر

علَّق ابنُ جرير (٤‏/‏٣٨) على هذا القول الذي قال به إبراهيم من طريق منصور، وابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وعطاء من طريق عبد الملك، بقوله: «والواجب على هذا التأويل: أن يكون قوله -تعالى ذكره-: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ في الآخرة بما شاء من العقوبات، وأن تكون الكفارة إنما تلزم الحالف في الأيمان التي هي لغو... وإذ كان ذلك تأويل الآية عندهم فالواجب على مذهبهم أن يكون معنى الآية في سورة المائدة: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم واحفظوا أيمانكم»