رجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٢٤٤) قول مجاهد والسدي أن معنى: عزَّرتموهم: نصرتموهم. مستندًا إلى دلالة القرآن، وقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك: نصرتموهم. وذلك أنّ الله -جلَّ ثناؤه- قال في سورة الفتح: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾. فالتوقير: هو التعظيم. وإذا كان ذلك كذلك كان القول في ذلك إنما هو بعض ما ذَكَرْنا مِن الأقوال التي حكيناها عمَّن حكَيْنا عنه. وإذا فَسَد أن يكون معناه: التعظيم، وكان النصر قد يكون باليد واللسان؛ فأما باليد فالذَّبُّ بها عنه بالسيف وغيره، وأما باللسان فَحُسْن الثناء، والذَّبُّ عن العِرْض؛ صحَّ أنه النصر، إذ كان النصر يحوي معنى كلِّ قائلٍ قال فيه قولًا مما حكينا عنه»

انتقد ابنُ تيمية (٦‏/‏٤٣٩) القول بنزول الآية في علي وفاطمة وابنيهما مستندًا لأحوال النزول، والنظائر، والواقع، فقال: «أمّا نزول: ﴿هل أتى﴾ في عليٍّ فمما اتفق أهل العلم بالحديث على أنه كذبٌ موضوع، وإنما يذكره من المفسرين مَن جرتْ عادته بذكر أشياء من الموضوعات، والدليل الظاهر على أنه كذبٌ: أنّ سورة ﴿هل أتى﴾ مكّيّة باتفاق الناس، نزلت قبل الهجرة، وقبل أن يتزوج عليٌّ بفاطمة، ويُولد الحسن والحُسين، ... ولم يَنزل قطّ قرآنٌ في إنفاق علي بخصوصه؛ لأنه لم يكن له مال، بل كان قبل الهجرة في عيال النبي ﷺ، وبعد الهجرة كان أحيانًا يُؤجّر نفسه كلّ دلو بتمرة، ولما تزوّج بفاطمة لم يكن له مهر إلا دِرعه، وإنما أنفق على العُرس ما حصل له من غزوة بدر»

سورة البقرة — الآية ١٧٨

قال الشافعي: أخبرنا معاذ بن موسى، عن بُكَير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال مقاتل: أخذت هذا التفسيرَ عن نفرٍ، حَفِظَ معاذٌ منهم مجاهدًا، والحسنَ، والضحاكَ بن مزاحم، في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباعٌ بالمعروف﴾ الآية، قالوا: كان على أهل التوراة مَن قَتَل نفسًا بغير نفس أن يُقاد بها، ولا يُعفى عنه، ولا تقبل منه الدية. وفُرِض على أهل الإنجيل أن يُعفى عنه، ولا يُقْتَل. ورُخّص لأمة محمد - ﷺ - إن شاء قَتَل، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا. فذلك قوله تعالى: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ يقول: الدية تخفيف من الله تعالى؛ إذ جعل الدية ولا يقتل، ثم قال: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾

قال ابنُ عطية (٤‏/‏٥٦٩): «وقوله تعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الآية، قال الطبريُّ وغيرُه من المتأولين والمؤلفين في التفسير: إنّ هذه الآية اعترضت في قصة نوح عليه السلام، وهي شأن محمد ﷺ مع كفار قريش، وذلك أنهم قالوا: افترى القرآن، وافترى هذه القصة على نوح. فنَزلت الآية في ذلك. وهذا لو صَحَّ بسند وجب الوقوف عنده، وإلا فهو يحتمل أن يكون في شأن نوح عليه السلام، ويبقى اتِّساق الآيةِ مُطَّرِدًا، ويكون الضمير في قوله: ﴿افْتَراهُ﴾ عائدًا إلى العذاب الذي تَوَعَّدهم به، أو على جميع أخباره، وأوقع الافتراء على العذاب من حيث يقع على الإخبار به. والمعنى: أم يقول هؤلاء الكفرة: افترى نوحٌ هذا التَّوَعُّد بالعذاب، وأراد الإرهاب علينا بذلك. ثُمَّ يَطَّرِدُ باقي الآية على هذا»

انتقد ابنُ القيم (٢‏/‏١٨٢) مستندًا إلى ظاهر القرآن والدلالة العقلية قول الكلبي وما في معناه، فقال: «أرباب هذا القول هضموا الآية معناها؛ فإن معناها أجلُّ وأعظم مما ذكروه، وقوله: ﴿أعطى كل شيء﴾ يأبى هذا التفسير؛ فإن حمل كل شيء على ذكور الحيوان وإناثه خاصَّة ممتنعٌ لا وجه له، وكيف يخرج مِن هذا اللفظ الملائكة والجن ومَن لم يتزوج مِن بني آدم ومَن لم يُسافِد من الحيوان؟ وكيف يُسَمّى الحيوان الذي يأتيه الذكر خلقًا له؟ وأين نظير هذا في القرآن؟ وهو سبحانه لما أراد التعبير عن هذا المعنى الذي ذكروه ذكره بأدلِّ عبارة عليه وأوضحها، فقال: ﴿وأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾، فَحمْلُ قوله: ﴿أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ على هذا المعنى غير صحيح. فتأمَّلْه»

ذهب ابنُ عطية (٧‏/‏٢٣، ٢٤) في معنى «الفطرة» إلى أن «الذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها: الخِلْقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي مُعدَّة مُهَيَّأة لأن يُمَيِّز بها مصنوعات الله تعالى، ويَسْتَدل بها على ربه جَلَّ وعلا، ويعرف شرائعه، ويؤمن به». ووجَّه معنى الآية عليه بقوله: «فكأنه تعالى قال: أقم وجْهك لِلدِّينِ الذي هو الحنيف، وهو فِطْرَة اللهِ الذي على الإعداد له فطر البشر». ثم علَّق بقوله: «لكن تعرضهم العوارض، ومنه قول النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه...» الحديث، وذِكْرُ الأبوين إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة». وذكر ابنُ عطية اختلافًا في «الفطرة»، فقال: «واختلف الناس في»الفطرة«ها هنا، فذكر مكيٌّ وغيرُه في ذلك جميعَ ما يمكن أن تصرف هذه اللفظة عليه». وعلَّق بقوله: «وفي بعض ذلك قلق»

سورة قريش — الآية ٢

عن عمر بن عبد العزيز، قال: كانت قريش في الجاهلية تَعْتَفِد، وكان اعتفادها أنّ أهل البيت منهم كانوا إذا سافتْ -يعني: هلكتْ- أموالهم خرجوا إلى بَراز من الأرض، فضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا، من قبل أن يُعلم بخَلّتهم، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف، فلما وبَل وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش، إنّ العِزّ مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالًا، وأعزّهم نفرًا، وإنّ هذا الاعتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيتُ رأيًا. قالوا: رأيك رشدٌ، فمُرنا نأتمر. قال: رأيتُ أنْ أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيرًا، عياله بعدد عياله، فيكون يوازره في الرحلتين؛ رحلة الصيف إلى الشام، ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظِلّه، وكان ذلك قطعًا للاعتفاد. قالوا: نِعم ما رأيتَ. فألّف بين الناس، فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان، وأنزل الله ما أنزل، وكان ذلك مفتاح النبوة، وأول عِزّ قريش حتى هابهم الناس كلّهم، وقالوا: أهل الله، والله معهم. وكان مولد النبيِّ ﷺ في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله ﷺ كان فيما أنزل عليه يعرّف قومه ما صنع إليهم، وما نصرهم من الفيل وأهله: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ إلى آخر السورة. ثم قال: ولِمَ فعلتُ ذلك -يا محمد- بقومك، وهم يومئذ أهل عبادة أوثان؟! فقال: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ إلى آخر السورة. أي: لتراحمهم وتواصلهم، وإن كان الذي آمنهم منه من الخوف؛ خوفَ الفيل وأصحابه، وإطعامَهم إياهم من الجوع؛ من جوع الاعتفاد

أورد ابنُ القيم (٢‏/‏٢٦٧-٢٦٨) هذا الحديث من رواية الإمام مسلم، وفيها: أنّ هذا الرجل هو آخر رجل يخرج من النار، تحت القول بأنّ الله يبدل سيئاتهم التي عملوها إلى حسنات يوم القيامة، ثم ذكر في الاستدلال به على هذا القول وجهين، انتقد أحدهما، وصوّب الآخر، فأمّا الوجه الذي انتقده فهو أن يكون الحديث ساقه السلف مساق التفسير للآية، وأن يكون المراد به: أنّ التبديل حاصل بعد دخول النار، فقال: «فهذا حديث صحيح، لكن في الاستدلال به على صِحَّة هذا القول نظر؛ فإنّ هذا قد عُذِّب بسيئاته ودخل بها النار، ثم بعد ذلك أُخرِج منها، وأُعطِي مكان كل سيئة حسنة صدقة تصدق الله بها عليه ابتداءً بعدد ذنوبه، وليس في هذا تبديل تلك الذنوب بحسنات؛ إذ لو كان كذلك لَما عُوقِب عليها كما لم يُعاقَب التائب. والكلام إنّما هو في تائب أُثْبِت له مكان كل سيئة حسنة، فزادت حسناته، فأين في هذا الحديث ما يدل على ذلك؟». وأما الوجه الذي صوّبه فهو أن يكون مقصودُ السلف مِن إيراد الحديث تحت هذا القول: الاستدلال به على أنّ التبديل حاصِلٌ بالتوبة بطريق الأَوْلى؛ فإنّ الحديث أفاد أنّ هذا الرجل بعد دخوله النار وتطهره بها أعطي مكان كل سيئة حسنة، فالتبديل بالتوبة يكون أولى؛ إذ هي أقوى أسباب محو آثار الذنوب. ومَن ساق الحديث من السلف قصد الاستدلال بها على هذا النحو، ولم يَسُقْه مساقَ التفسير للآية، فإنّ الآية في التائب، يقول ابنُ القيم: «والناس استقبلوا هذا الحديث مُسْتَدِلِّين به في تفسير هذه الآية على هذا القول، وقد علمتَ ما فيه، لكن للسلف غَوْرٌ ودِقَّة فهم لا يُدركها كثيرٌ مِن المتأخرين. فالاستدلال به صحيح بعد تمهيد قاعدةٍ إذا عُرِفَت عُرِف لطفُ الاستدلال به ودِقَّتُه، وهي أنّ الذنب لا بُدَّ له مِن أثر، وأثره يرتفع بالتوبة تارة، وبالحسنات الماحية تارة، وبالمصائب المُكَفِّرة تارة، وبدخول النار ليتخلص مِن أثره تارة، وكذلك إذا اشتد أثره، ولم تقو تلك الأمور على محوه؛ فلا بد إذن مِن دخول النار؛ لأنّ الجنة لا يكون فيها ذَرَّةٌ مِن الخبيث، ولا يدخلها إلا مَن طاب مِن كل وجه، فإذا بقي عليه شيء مِن خُبْث الذنوب أدخل كِير الامتحان، ليخلص ذهب إيمانه من خبثه، فيصلح حينئذ لدار الملك. إذا علم هذا فزوال مُوجب الذنب وأثره تارة يكون بالتوبة النصوح، وهي أقوى الأسباب، وتارة يكون باستيفاء الحق منه وتطهيره في النار، فإذا تَطَهَّر بالنار، وزال أثر الوسخ والخبث عنه، أعطي مكان كل سيئة حسنة، فإذا تطَهَّر بالتوبة النصوح، وزال عنها بها أثر وسخ الذنوب وخبثها، كان أولى بأن يعطى مكان كل سيئة حسنة، لأن إزالة التوبة لهذا الوسخ والخبث أعظم من إزالة النار، وأحب إلى الله، وإزالة النار بدل منها، وهي الأصل، فهي أوْلى بالتبديل مما بعد الدخول»

ذكر ابنُ تيمية (٦‏/‏٢٧٩-٢٨١) بعض ما جاء في قول سفيان وقول مقاتل، وعلّق عليه، فقال: «وقد قال طائفة من المفسرين: ﴿نسوا الله﴾ أي: تركوا أمر الله ﴿فأنساهم أنفسهم﴾ أي: حظوظ أنفسهم حيث لم يُقدّموا لها خيرًا، هذا لفظ طائفة منهم البغوي. ولفظ آخرين منهم ابن الجوزي: حين لم يعملوا بطاعته. وكلاهما قال: ﴿نسوا الله﴾ أي: تركوا أمر الله. ومثل هذا التفسير يقع كثيرًا في كلام مَن يأتي بمجمل من القول يبيّن معنى دلّتْ عليه الآية ولا يفسّرها بما يستحقه من التفسير. فإنّ قولهم:»تركوا أمر الله«هو تركهم للعمل بطاعته، فصار الأول هو الثاني. والله سبحانه قال: ﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾، فهنا شيئان: نسيانهم لله، ثم نسيانهم لأنفسهم الذي عُوقبوا به. فإن قيل: هذا الثاني هو الأول، لكنه تفصيل مجمل كقوله: ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون﴾ [الأعراف:٤]، وهذا هو هذا؛ قيل: هو لم يقل:»نسوا الله فنسوا حظّ أنفسهم«حتى يُقال: هذا هو هذا، بل قال: ﴿نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾ فثَمّ إنساء منه لهم أنفسهم، ولو كان هذا هو الأول لكان قد ذكر ما يعذرهم به لا ما يعاقبهم به. فلو كان الثاني هو الأول لكان: ﴿نسوا الله﴾ أي: تركوا العمل بطاعته فهو الذي أنساهم ذلك. ومعلوم فساد هذا الكلام لفظًا ومعنى. ولو قيل: ﴿نسوا الله﴾ أي: نسوا أمره ﴿فأنساهم﴾ العمل بطاعته، أي: تذكّرها لكان أقرب، ويكون النسيان الأول على بابه. فإنّ مَن نسي نفس أمر الله لم يطعه، ولكن هم فسّروا نسيان الله بترْك أمره، وأمره الذي هو كلامه ليس مقدورًا لهم حتى يتركوه، إنما يتركون العمل به، فالأمر بمعنى المأمور به. إلا أن يقال: مُرادهم بترْك أمره هو ترك الإيمان به، فلمّا تركوا الإيمان أعقبهم بترْك العمل. وهذا أيضًا ضعيف؛ فإن الإيمان الذي تركوه إن كان هو ترْك التصديق فقط فكفى بهذا كفرًا وذنبًا، فلا تُجعل العقوبة ترْك العمل به، بل هذا أشد. وإن كان المراد بترْك الإيمان ترْك الإيمان تصديقًا وعملًا فهذا هو ترْك الطاعة كما تقدّم. وهؤلاء أُتوا من حيث أرادوا أن يفسّروا نسيان العبد بما قيل في نسيان الرّبّ، وذاك قد فسّر بالتّرك، ففسّروا هذا بالتّرك. وهذا ليس بجيد؛ فإنّ النسيان المناقض للذكر جائز على العبد بلا ريب. والإنسان يُعرض عما أُمر به حتى ينساه فلا يذكره. فلا يحتاج أن يُجعل نسيانه تركًا مع استحضارٍ وعلمٍ. وأمّا الرّبّ تعالى فلا يجوز عليه ما يناقض صفات كماله سبحانه وتعالى. وفي تفسير نسيانه الكفار بمجرد التّرك نظر»

سورة النساء — الآية ١٢٧

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ نزلت في سويد وعرفطة ابني الحارث، وعيينة بن حصن الفزاري. ذلك أنّه لَمّا فرض الله عز وجل لأُمِّ كُجَّة وبناتها الميراثَ انطلق سويد وعرفطة وعيينة بن حصن الفزاري إلى النبي ﷺ، فقالوا للنبي ﷺ: إنّ المرأة لا تركب فرسًا ولا تجاهد، وليس عند الولدان الصغار منفعة في شيء! فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ يعني: يسألونك عن النساء، يعني: سويدًا وصاحبيه، ﴿قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ يعني: ما بيَّن من القسمة في أول هذه السورة. قال: ويفتيكم ﴿في يتامى النساء﴾، يعني: بنات أم كُجَّة