سورة القصص — الآية ٦٨

عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنا الاستخارة في الأمر كما يُعَلِّمنا السورةَ مِن القرآن، يقول: «إذا همَّ أحدُكم بالأمر فليركع ركعتين مِن غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم، إنِّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك مِن فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم، إن كنت تعلم هذا الأمرَ خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجِل أمري وآجِله فاقدره لي ويسِّره لي، وإن كنت تعلم هذا الأمر شرًّا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ورَضِّني به. ويسمى حاجته باسمها»

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ قريشًا دَعتْ رسول الله ﷺ إلى أن يُعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوّجوه ما أراد مِن النساء، فقالوا: هذا لك، يا محمد، وكُفّ عَن شتْم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنّا نَعرض عليك خَصلة واحدة، ولك فيها صلاح. قال: «ما هي؟». قالوا: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. قال: «حتى أنظر ما يأتيني من ربي». فجاء الوحيُ من عند الله: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ السورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٤-٦٦]

علَّق ابنُ عطية (٥‏/‏٥٣٤) على هذا الأثر بقوله: «وذلك أنه كان عندهم في التوراة: أنّ الروح مما انفرد الله بعلمه، ولا يُطلع عليه أحدًا من عباده». ثم علَّق على عبارة بعضهم: لا تسألوه. بقوله: «يعني: -والله أعلم- مِن أنه لا يفسره، فتقوى الحجة عليهم في نبوته». وذكر أن الضمير في ﴿ويسألونك﴾ لليهود، والآية مدنية. وذكر ابنُ كثير (٩‏/‏٧٢) أن هذا السياق يقتضي مدنية الآية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وأجاب عن هذا بأمرين: الأول: أنه قد يكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. الثاني: أنه نزل عليه وحي بأنه يجيبهم عما سألوا بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية: ﴿ويسألونك عن الروح﴾

انتقد ابن عطية (٧‏/‏٢٦٧) مستندًا إلى أحوال النزول والدلالة العقلية ما أفاده هذا الأثر عن ابن عباس من كون الآية نازلة في عبد الله بن أبي، فقال: «وهو وهمٌ ممن نسبه إلى ابن عباس؛ لأن السورة مكية، والآية مكية بإجماع، ولأن عبد الله بن أبي لم يجاهر قط هذه المجاهرة، واسْمُ أُبي هو الذي خلط على الرواة؛ لأن الصحيح هو ما رواه ابن وهب عن مالك، وقاله ابن إسحاق وغيره: من أن أبي بن خلف أخا أمية بن خلف هو الذي جاء بالعظم الرميم بمكة ففته في وجه النبي ﷺ، وقال: من يحيي هذا، يا محمد؟». وبنحوه قال ابنُ كثير (١١‏/‏٣٨٤)

علَّقَ ابن جرير (١‏/‏٤٤٨-٤٤٩) على قول ابن زيد قائلًا: «الإماتةُ الأولى عنده إعادةُ الله -جل ثناؤه- عبادَه في أصلاب آبائهم، بعد ما أخذهم من صُلْب آدم، وأنّ الإحياء الآخر هو نفخُ الأرواح فيهم في بطون أمهاتهم، وأن الإماتة الثانية هي قبض أرواحهم للعود إلى التراب، والمصير في البرزخ إلى يوم البعث، وأنّ الإحياء الثالث هو نفخ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة». ثم انتقده لمخالفتِه ظاهرَ الآيةِ بقوله: «وهذا تأويلٌ إذا تَدَبَّره المتدبر وجده خلافًا لظاهر قول الله الذي زعم مُفَسِّرُه أن الذي وصفنا من قوله تفسيره، وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- أخبر في كتابه عن الذين أخبر عنهم من خلقه أنّهم قالوا: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾، وزعم ابن زيد في تفسيره أنّ الله أحياهم ثلاث إحياءات، وأماتهم ثلاث إماتات... وليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين -أعني قوله: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا﴾ الآية، وقوله: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾- في شيء؛ لأن أحدًا لم يدَّعِ أن الله أمات من ذَرَأ يومئذ غيرَ الإماتة التي صار بها في البرزخ إلى يوم البعث». وعلَّقَ ابنُ كثير (١‏/‏٣٣٢) على قول ابن زيد بقوله: «وهذا غريب». وزاد ابن عطية (بتصرف ١‏/‏١٦٠، ١٦١) أقوالًا أخرى في معنى الآية، فقال: «وقال آخرون: كنتم أمواتًا بكون آدم من طين ميتًا قبل أن يحيى، ثم نفخ فيه الروح فأحياكم بحياة آدم، ثم يميتكم الموت المعهود، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة... كنتم أمواتًا في الأرحام قبل نفخ الروح، ثم أحياكم بالإخراج إلى الدنيا، ثم كما تقدم... وروي عن ابن عباس أيضًا أنه قال: وكنتم أمواتًا بالخمول، فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم»

قال ابنُ القيم (١‏/‏٤٣٧): «إن قيل: ها هنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: ﴿إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾، فكيف الجمع بينهما؟ قيل: قد اختُلِف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف، والذي بالخمسة على قولين: أحدهما: أنه كان يوم أحد، وكان إمدادًا مُعَلقًّا على شرط، فلما فات شرطه فات الإمداد. وهذا قول الضحاك، ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة. والثاني: أنه كان يوم بدر. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين. وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك؛ فإنه سبحانه قال: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا﴾ [آل عمران:١٢٣-١٢٥] إلى أن قال: ﴿وما جعله الله﴾ أي: هذا الإمداد ﴿إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به﴾. قال هؤلاء: فلما استغاثوا أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج ومتابعة الإمداد أحسن موقعًا، وأقوى لنفوسهم وأسَرّ لها من أن يأتي به مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي، ونزوله مرة بعد مرة. وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أُحُد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آل عمران:١٢١] ثم قال: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾، فذَكَّرَهم نعمته عليهم لما نصرهم ببدر وهم أذلة، ثم عاد إلى قصة أُحُد، وأخبر عن قول رسوله لهم: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾، ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف، فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى. وهذا بخمسة آلاف، وإمداد بدر بألف. وهذا مُعلَّق على شرط، وذلك مطلق. والقصة في سورة آل عمران هي قصة أُحُد مستوفاة مطولة، وبدر ذكرت فيها اعتراضًا، والقصة في سورة الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة، فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال. يوضح هذا أن قوله: ﴿ويأتوكم من فورهم هذا﴾ [آل عمران:١٢٥] قد قال مجاهد: إنه يوم أحد، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قوله: إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر، وإتيانهم من فورهم هذا يوم أحد»

سورة القلم — الآية ٤٢

عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «حتى إنّ أحدهم ليَلتفّ، فيَكشف عن ساق، فيَقعون سجودًا، قال: وتُدمج أصلاب المنافقين حتى تكون عظمًا واحدًا، كأنها صَياصيّ البقر. قال: فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم بقدْر أعمالكم. قال: فتَرفع طائفة منهم رؤوسَهم إلى مثل الجبال من النور، فيَمُرُّون على الصراط كطرف العين، ثم تَرفع أخرى رؤوسهم إلى أمثال القصور، فيَمُرُّون على الصراط كمَرّ الريح، ثم يرفع آخرون بين أيديهم أمثال البيوت، فيَمُرُّون كَمَرِّ الخيل، ثم يرفع آخرون إلى نور دون ذلك، فيشدّون شدًّا؛ وآخرون دون ذلك يَمشون مشيًا، حتى يَبقى آخر الناس رجل على أُنمُلَةِ رجله مثل السّراج، فيَخِرّ مرة، ويستقيم أخرى، وتُصيبه النار، فتشعث منه حتى يَخرج، فيقول: ما أُعطي أحد ما أُعطيتُ -ولا يدري مما نجا- غير أني وجدتُ مسّها، وإني وجدتُ حَرّها»

عَلَّق ابنُ جرير (٣‏/‏٦٤٣ بتصرف) فقال: «وهذا الذي قاله السدي قولٌ ممكنٌ أن يكون كما قال، وممكنٌ غيره». ثم انتقده مستندًا لعدم وجود ما يدل عليه، فقال: «ولا دلالة في الآية على صِحَّة ما قال؛ لأنه ممكن أن يكون قوله: ﴿قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين﴾ الآية حثًَّا من الله -جل ثناؤه- على الإنفاق على مَن كانت نفقته غير واجبة من الآباء، والأمهات، والأقرباء، ومَن سُمِّي معهم في هذه الآية، وتعريفًا من الله عباده مواضع الفضل التي تصرف فيها النفقات، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾ [البقرة:١٧٧]». وانتَقَدَه ابنُ كثير (٢‏/‏٢٨٣) أيضًا، فقال بعد ذكره: «وفيه نظر». وذكر ابنُ عطية (١‏/‏٥١٦) أن المهدوي وهِم على السدي فنسب إليه أنه قال: إنّ الآية في الزكاة المفروضة، ثم نسخ منها الوالدان

ذَهَبَ ابنُ عطية (٤‏/‏٣١٨) إلى قول مَن قال: إنّ الضمير في قوله: ﴿عليه﴾ يعود على النبيِّ ﷺ -وهو قول الجمهور-، وقال: «هذا أقوى، والسَّكِينَة عندي إنّما هي ما ينزله الله على أنبيائه من الحِياطة لهم، والخصائص التي لا تصلح إلا لهم، كقوله تعالى: ﴿فيه سكينة من ربكم﴾ [البقرة:٢٤٨]. ويحتمل أن يكون قوله: ﴿فأنزل الله سكينته﴾ إلى آخر الآية يُراد به ما صنعه الله لنبيِّه إلى وقت تبوك مِن الظهور والفتوح، لا أن تكون هذه الآية تختص بقصة الغار والنجاة إلى المدينة، فعلى هذا تكون الجنود: الملائكة النازلين ببدر، وحنين. ومَن رأى أنّ الآية مختصة بتلك القصة قال: الجنود: ملائكة بشَّروه بالنجاة، وبأنّ الكفار لا ينجح لهم سعي. وفي مصحف حفصة: (فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِما وأَيَّدَهُما)». وذَهَبَ ابنُ تيمية (٣‏/‏٣٦٧، ٣٧١) أيضًا إلى ما ذهب إليه الجمهور. وهو الظاهر من كلام ابن كثير (٧‏/‏٢٠٦)

سورة التوبة — الآية ١٠٠

عن أبى صخر حميد بن زياد الخرّاط، قال: قلتُ لمحمد بن كعب القرظي: أخبِرْني عن أصحاب رسول الله ﷺ. وإنّما أريدُ الفِتَن، فقال: إنّ الله قد غفر لجميع أصحاب النبي ﷺ، وأَوْجَب لهم الجنَّةَ في كتابه؛ مُحسِنِهم، ومُسِيئِهم. قلت له: وفي أيِّ موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ قال: ألا تقرأ: ﴿والسابقون الأولون﴾ الآية؟ أوجَبَ لجميع أصحاب النبيِّ ﷺ الجنةَ والرُّضوان، وشَرَط على التابعين شرطًا لم يشترطه فيهم. قلت: وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يَتَّبِعوهم بإحسان. يقول: يَقْتَدُوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يَقْتَدُوا بهم في غير ذلك. قال أبو صخر: فواللهِ، لَكَأَنِّي لم أقرَأها قبلَ ذلك، وما عرَفتُ تفسيرَها حتى قرأها عليَّ محمدُ بن كعب