قال مقاتل بن سليمان:... قال السبعون لموسى: نحن أصحابك، جئنا معك، ولم نخالفك في أمر، ولنا عليك حق؛ فأرنا الله جهرة -يعني: مُعايَنة- كما رأيته. فقال موسى: واللهِ، ما رأيتُه، ولقد أردتُه على ذلك، فأبى، وتجلى للجبل فجعله دكًّا -يعني: فصار دَكًّا-، وكان أشدَّ مني وأقوى. فقالوا: إنّا لا نؤمن بك ولا نقبل ما جئت به حتى تُرِيَناهُ مُعايَنَةً. فلما قالوا ذلك أخذتهم الصاعقة، يعني: الموت عقوبة... ثم أنعم الله عليهم، فبعثهم، وذلك أنهم لما صعقوا قام موسى يبكي، وظن أنهم إنما صعقوا بخطيئة أصحاب العجل، فقال عز وجل في سورة الأعراف [١٥٥]: ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾. وقال: يا ربِّ، ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعتُ إليهم وقد أهلكتَ أحبارهم؟! فبعثهم الله عز وجل لما وجد موسى من أمرهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾، يقول: لكي تشكروا ربكم في هذه النعمة، فبعثوا يوم ماتوا، ثم انصرفوا مع موسى راجعين
عن حذيفة بن اليمان، قال: ذَكَرَ رسولُ الله ﷺ فتنةً تكون بين أهل المشرق والمغرب، قال: «فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفيانِيُّ مِن الوادي اليابس، في فورة ذلك، حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين؛ جيشًا إلى المشرق، وجيشًا إلى المدينة، حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، ويبقُرون بها أكثر مِن مائة امرأة، ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من بني العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيُخرّبون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج رايةُ هدًى مِن الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم، لا يُفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما في أيديهم مِن السبي والغنائم، ويُخَلِّي جيشه الثاني بالمدينة، فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها، ثم يخرجون متوجهين إلى مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريلَ، فيقول: يا جبريل، اذهب فأَبِدهم. فيضربها برجله ضربةً يخسف الله بهم، فذلك قوله عز وجل في سورة سبأ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ الآية. فلا ينفلت منهم إلا رجلان؛ أحدهما بشير، والأخر نذير، وهما من جهينة». فلذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين
عن عديّ بن حاتم، قال: كُنتُ قاعدًا عند رسول الله ﷺ، فقال: «ألا إنّ الله عَلِم ما في قلبي مِن حُبّي لقومي، فسرَّني فيهم، فقال: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ فجعل الذِّكْرَ والشرف لقومي في كتابه، ثم قال: ﴿وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤-٢١٥] يعني: قومي، فالحمد لله الذي جعل الصّدِّيق من قومي، والشهيد من قومي، والأئمة مِن قومي، إنّ الله قلّب العباد ظهرًا وبطنًا، فكان خير العرب قريش، وهي الشجرة المباركة التي قال الله في كتابه: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يعني بها: قريشًا، ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ يقول: أصلها كَرم، ﴿وفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ [إبراهيم:٢٤] يقول: الشرف الذي شرَّفهم الله بالإسلام الذي هداهم له، وجعلهم أهله، ثم أنزل فيهم سورة من كتاب الله مُحكمة: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾» إلى آخرها. قال عَديّ بن حاتم: ما رأيتُ رسول الله ﷺ ذُكرتْ عنده قريش بخير قطّ إلا سرّه، حتى يتبيّن ذلك السرور للناس كلّهم في وجهه، وكان كثيرًا ما يتلو هذه الآية: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْأَلُون﴾
عن عروة بن الزبير -من طريق أبي الأسود-، ومحمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق موسى بن عقبة- قالا: أقبل رسول الله ﷺ من الحُدَيبية راجعًا، فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: واللهِ، ما هذا بفتح؛ لقد صُدِدنا عن البيت، وصُدّ هَدْيُنا. وعكف رسول الله ﷺ بالحُدَيبية، وردّ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله ﷺ قول رجال من أصحابه: إنّ هذا ليس بفتح. فقال رسول الله ﷺ: «بئس الكلام، هذا أعظم الفتح؛ لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالرّاحِ عن بلادهم، ويسألوكم القَضِيَّةَ، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد كرهوا منكم ما رأَوا، وقد أظفركم الله عليهم، وردّكم سالمين غانمين مأجورين، فهذا أعظم الفتح، أنسيتم يوم أُحد إذ تُصعِدون ولا تَلْوُون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟! أنسيتم يوم الأحزاب ﴿إذْ جاءُوكُمْ مِن فَوْقِكُمْ ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ وإذْ زاغَتِ الأَبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب:١٠]؟!». قال المسلمون: صدق اللهُ ورسولُه، هو أعظم الفتوح، واللهِ، يا نبي الله، ما فكّرنا فيما فكّرتَ فيه، ولأنت أعلم بالله وبالأمور مِنّا. فأنزل الله سورة الفتح
عن أبي الأسود -من طريق ابن لَهيعة- عن عروة: أنّ أوْس بن أقرم، وهو رجل من بني الحارث بن الخَزْرَج، هو الذي سمع قول عبد الله بن أُبيّ، فأَخبَر بذلك عمر بن الخطاب، وذَكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ، وبعَث رسول الله ﷺ إلى ابن أُبيّ، فسأله عما تَكلّم به، فحَلف بالله ما قال من ذلك شيئًا، فقال له رسول الله ﷺ: «إن كان سَبق منك قول فتُبْ». فجَحد وحَلف، فوقع رجال بأَوْس بن أقرم، وقالوا: أسأتَ بابن عمّك وظَلمتَه، ولم يُصدّقك رسول الله ﷺ. فبينما هم يسيرون إذ رَأوا رسول الله ﷺ يُوحى إليه، فلما قضى الله قضاءَه في موطنه ذلك، وسُرِّي عنه؛ نظر رسول الله ﷺ، فإذا هو بأَوْس بن أقرم، فأَخذ بأُذُنه، فعصَرها، حتى استشرف القوم؛ فقام رسول الله ﷺ، فقال: «أبْشِر، فقد صدق الله حديثك». ثم قرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أُبيّ: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ حتى بلغ: ﴿ولكن المنافقين لا يعلمون﴾
عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب: أنّ أول ما رأى النبي ﷺ أنّ الله عز وجل أراه رؤيا في المنام، فشقّ ذلك عليه، فذكرها رسول الله ﷺ لامرأته خديجة بنت خُوَيْلد بن أسد، فعصمها الله عز وجل من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشِر، فإنّ الله عز وجل لن يصنع بك إلا خيرًا. ثم إنه خرج من عندها، ثم رجع إليها، فأخبرها أنه رأى بطنه شُقّ، ثم طُهِّر وغُسِل، ثم أعيد كما كان. قالت: هذا -والله- خيرٌ، فأبشِر. ثم استعلن له جبريل عليه السلام وهو بأعلى مكة، فأجلسه على مجلس كريم مُعجب كان النبي ﷺ يقول: «أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ». فبشّره برسالة الله عز وجل حتى اطمأن النبي ﷺ، فقال له جبريل عليه السلام: اقرأ. فقال: «كيف أقرأ؟». قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [العلق:١-٥]، ويزعم ناس أنّ ﴿يا أيها المدثر﴾ أول سورة أُنزِلَتْ عليه، والله أعلم
قال ابنُ عطية (٦/٣٣١-٣٣٣): «الألف واللام في قوله: ﴿الزانية والزاني﴾ للجِنس، وذلك يُعْطِي أنّها عامَّةٌ في جميع الزناة. وهذه الآية باتفاقٍ ناسخةٌ لآية الحبس وآية الآذى اللتين في سورة النساء. وجماعة العلماء على عموم هذه الآية، وأنّ حكم المحصنين منسوخ منها، واختلفوا في الناسخ: فقالت فرقة: الناسخ السُّنَّة المتواترة في الرجم. وقالت فرقة: بل القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه، وهو الذي قرأه عمر على المنبر بمحضر الصحابة: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ). وقال: إنّا قرأناه في كتاب الله. واتَّفق الجميعُ على أنّ لفظَه رُفِع وبقي حكمُه. وقال الحسن بن أبي الحسن، وابن راهويه: ليس في هذه الآية نسْخ، بل سُنَّة الرجم جاءت بزيادة. فالمحصن على رأي هذه الفرقة يُجْلَد ثم يُرْجَم، وهو قول علي بن أبي طالب، وفعله بشُراحَة، ودليلهم قول النبي ﷺ: «والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». ويرد عليهم فِعْلُ النبي ﷺ حيث رجم ولم يجلد، وبه قال جمهور الأمة؛ إذ فِعْلُه كقوله رفع الجلد عن المحصن. وقال ابن سلام وغيره: هذه الآية خاصة في البِكْرَينِ»
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿والمرسلات عُرْفًا﴾ على أربعة أقوال: الأول: أنها الملائكة تُرسَل مُتتابعة بالمعروف. وهو قول أبي هريرة، وابن مسعود، ومسروق، وأبي صالح في رواية عنه. وتأويل الكلام على ذلك: والملائكة التي أُرسلتْ بأمر الله ونهيه، وذلك هو العُرْف. والثاني: أنهم الرُّسُل يُرسَلون بما يُعرفون به من المعجزات، إفضالًا من الله على عباده ببعثتهم. وهو قول أبي صالح. والثالث: أنها الرياح تُرسَل بما عرفها الله تعالى. وهو قول لابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والرابع: أنها السحب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أُرسلتْ فيه، ومَن أُرسلتْ إليه. وذَهَبَ ابنُ جرير (٢٣/٥٧٣) إلى العموم، فقال: «الصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أقسم بالمرسلات عُرْفًا، وقد تُرسل عُرفًا الملائكة، وتُرسَل كذلك الرياح، ولا دلالة تدل على أنّ المعنيّ بذلك أحد الجنسين دون الآخر، وقد عمّ -جلّ ثناؤه- بإقسامه بكلّ ما كانت صفته ما وصف، فكلّ مَن كان صفته كذلك، فداخلٌ في قسَمه ذلك، مَلكًا أو ريحًا أو رسولًا من بني آدم مرسلًا». وذَهَبَ ابنُ كثير (١٤/٢٢٠) إلى القول الثالث استنادًا إلى النظائر، فقال: «الأظهر أنّ المرسلات هي الرياح كما قال تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ [الحجر:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾ [الأعراف:٥٧]». وانتقد ابنُ القيم (٣/٢٤٣) القول الثاني لمخالفته النظائر، والسياق، والأفصح لغة، فقال: «الإرسال المُقسم به هاهنا مُقيّد بالعُرف؛ فإما أن يكون ضد المنكر فهو إرسال رُسله من الملائكة، ولا يَدخل في ذلك إرسال الرياح ولا الصواعق ولا الشياطين، وأما إرسال الأنبياء فلو أُريد لقال:»والمرسلين«، وليس بالفصيح تسمية الأنبياء»مرسلات«، وتكلّف الجماعات المرسلات خلاف المعهود من استعمال اللفظ، فلم يُطلق في القرآن جمع ذلك إلا جمع تذكير لا جمع تأنيث، وأيضًا فاقتران اللفظة بما بعدها من الأقسام لا يناسب تفسيرها بالأنبياء، وأيضًا فإنّ الرُّسُل مُقسمٌ عليهم في القرآن لا مُقسمٌ بهم، كقوله: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [النحل:٦٣]، وقوله: ﴿وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [البقرة:٢٥٢]، وقوله: ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس:١-٣]». وذكر ابنُ عطية (٨/٥٠٢) احتمالين آخرين في معنى: ﴿عُرْفًا﴾ على القول بأنّ ﴿والمرسلات﴾: الرياح: الأول: «أن يكون ﴿عُرْفًا﴾ بمعنى: ﴿والمرسلات﴾ الرياح التي يعرفها الناس ويعهدونها، ثم عقَّب بذكر الصنف المستنكر الضارِّ وهي العاصفات». والثاني: «أن يريد بالعُرف مع الرياح: التتابع كعُرف الفرس ونحوه، وتقول العرب: هبَّ عُرف من ريح». وعلَّق بقوله: «والقول في العُرف مع أنّ المُرْسَلات هي الرياح يطَّرد على أنّ المُرْسَلاتِ هي السحاب»
عن عبد الله بن عباس -من طريق السدي- قال: لَمّا بعث الله عيسى عليه السلام، وأمَرَه بالدعوة؛ لَقِيَه بنو إسرائيل، فأخرجوه، فخرج هو وأُمُّه يسيحون في الأرض، فنزلوا في قرية على رجل، فأضافَهم، وأحسن إليهم، وكان لتلك المدينة مَلِكٌ جبّار، فجاء ذلك الرجل يومًا حزينًا، فدخل منزله ومريمُ عند امرأته، فقالتْ لها: ما شأنُ زوجِك؟ أراه حزينًا! قالت: إنّ لنا ملِكًا يجعل على كُلِّ رجل مِنّا يومًا يطعمه هو وجنوده، ويسقيهم الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وإنّه قد بلغت نوبتُه اليومَ، وليس عندنا سَعَةٌ. قالت: قولي له: فلا يهتمَّ، فإنِّي آمِرٌ ابني فيدعو له؛ فيُكفى ذلك. قالت مريمُ لعيسى في ذلك، فقال عيسى: يا أُمَّهْ، إنِّي إن فعلتُ كان في ذلك شرٌّ. قالت: لا تبالِ؛ فإنّه قد أحسن إلينا، وأكرمَنا. قال عيسى: قولي له: املأ قدورَك وخَوابيَكَ ماءً. فملأهُنَّ، فدعا اللهَ، فتحوَّل ما في القدور لحمًا ومَرَقًا وخبزًا، وما في الخوابي خمرًا لم ير الناسُ مثلَه قطُّ، فلمّا جاء الملِكُ أكل منه، فلمّا شرب الخمر سأل: مِن أين لك هذا الخمرُ؟ قال: هو من أرض كذا وكذا. قال الملك: فإنّ خمري أُوتى به مِن تلك الأرض، فليس هو مثل هذا. قال: هو من أرض أخرى. فلمّا خلَّط على الملك اشتدَّ عليه، فقال: أنا أُخبِرُك، عندي غلامٌ لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، وإنّه دعا الله تعالى فجعل الماءَ خمرًا. فقال له الملك -وكان له ابنٌ يريد أن يستخلِفه، فمات قبل ذلك بأيّام، وكان أحبّ الخلق إليه- فقال: إنّ رجلًا دعا الله تعالى فجعل الماءَ خمرًا؛ لَيُسْتَجابَنَّ له حتى يُحْيِيَ ابني. فدعا عيسى، فكلَّمه، وسأله أن يدعوَ اللهَ أن يُحْيِيَ ابنَه، فقال عيسى: لا تفعلْ؛ فإنّه إن عاش كان شرًّا. قال الملِكُ: لا أبالي، أليس أراه؟ فلا أبالي ما كان. قال عيسى عليه السلام: فإن أحييتُه تتركوني أنا وأُمِّي نذهب حيث نشاء؟ قال الملك: نعم. فدعا اللهَ، فعاش الغلام، فلمّا رآه أهلُ مملكته قد عاش تنادَوا بالسلاح، وقالوا: أكلَنا هذا، حتّى إذا دنا موتُه يُرِيد أن يَسْتَخْلِفَ علينا ابنَه فيأكلَنا كما أكلَنا أبوه؟! فاقتتلوا، وذهب عيسى وأُمُّه، وصَحِبَهما يهوديٌّ، وكان مع اليهوديِّ رغيفان، ومع عيسى رغيف، فقال له عيسى: تشاركني؟ فقال اليهوديُّ: نعم. فلما رأى أنّه ليس مع عيسى عليه السلام إلا رغيفٌ نَدِم، فلما ناما جعل اليهوديُّ يريد أن يأكل الرغيف، فيأكل لقمة، فيقول له عيسى: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء. حتى فرغ من الرغيف، فلمّا أصبحا قال له عيسى: هَلُمَّ طعامَك. فجاء برغيف، فقال له عيسى: أين الرَّغيفُ الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. فسكت عنه، وانطلقوا، فمَرُّوا براعي غنم، فنادى عيسى: يا صاحب الغنم، أجْزِرْنا شاةً مِن غنمك. قال: نعم. فأعطاه شاةً، فذبحها، وشواها، ثُمَّ قال لليهوديِّ: كُل، ولا تَكْسِر عظمًا. فأكلا، فلما شبِعوا قذف عيسى العظامَ في الجِلْد، ثُمَّ ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاةُ تَثْغُو، فقال: يا صاحب الغنم، خذ شاتك. فقال له الراعي: مَن أنت؟ قال: أنا عيسى ابن مريم. قال: أنت الساحرُ؟! وفرَّ منه، قال عيسى لليهوديِّ: بالذي أحيا هذه الشاةَ بعد ما أكلناها، كم كان معك من رغيف؟ فحلف ما كان معه إلا رغيفٌ واحد. فمَرَّ بصاحب بقر، فقال: يا صاحب البقر، أجْزِرْنا مِن بقرك هذه عِجْلًا. فأعطاه، فذبحه، وشواه، وصاحبُ البقر ينظر، فقال له عيسى: كُلْ، ولا تَكْسِرْ عظمًا. فلما فرغوا قذف العظام في الجلد، ثم ضربه بعصاه، وقال: قُم بإذن الله. فقام له خُوارٌ، فقال: يا صاحب البقر، خُذْ عِجْلَك. قال: ومَن أنت؟ قال: أنا عيسى. قال: أنت عيسى السّاحِرُ؟! ثُمَّ فرَّ منه، قال عيسى لليهوديِّ: بالذي أحيا هذه الشّاةَ بعد ما أكلناها، والعِجْلَ بعدما أكلناه، كم رغيفًا كان معك؟ فحلف بذلك ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا، حتى نزلا قريةً، فنزل اليهوديُّ في أعلاها وعيسى في أسفلها، وأخذ اليهوديُّ عَصًا مثل عصا عيسى، وقال: أنا الآن أُحْيِي الموتى. وكان مَلِكُ تلك القريةِ مريضًا شديدَ المرض، فانطلق اليهوديُّ ينادي: مَن يَبْغِي طبيبًا؟ فأُخبر بالملك وبوجعه، فقال: أدْخِلُوني عليه؛ فأنا أُبرِئُه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أُحْيِيه. فقيل له: إنّ وجع الملك قد أعيا الأطِبّاء قبلك. قال: أدْخِلُوني عليه. فأُدْخل عليه، فأخذ برِجْلِ الملِك فضربه بعصاه حتى مات، فجعل يضربه وهو ميِّت، ويقول: قُمْ بإذن الله. فأخذوه ليصلبوه، فبلغ عيسى، فأقبل إليه وقد رُفِع على الخَشَبة، فقال: أرأيتُم إن أحييتُ لكم صاحبَكم أتتركون لي صاحبي؟ فقالوا: نعم. فأحيا عيسى الملِكَ، فقامَ وأنزل اليهوديَّ. فقال: يا عيسى، أنت أعظمُ الناس عَلَيَّ مِنَّةً، واللهِ، لا أُفارِقُك أبدًا. قال عيسى: أنشُدُك بالذي أحيا الشاةَ والعجل بعد ما أكلناهما، وأحيا هذا بعد ما مات، وأنزلك مِن الجذع بعد رفعك عليه لتُصلَب، كم كان معك رغيف؟ فحلف بهذا كلِّه ما كان معه إلا رغيفٌ واحد. فانطلقا، فمَرّا بثلاث لَبِناتٍ، فدعا الله عيسى فصَيَّرَهُنَّ مِن ذهب، قال: يا يهوديُّ، لَبِنَةٌ لي، ولَبِنَةٌ لك، ولَبِنَةٌ لِمَن أكل الرغيف. قال: أنا أكلتُ الرغيف
اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها﴾ على أربعة أقوال: الأول: أن النعمة: ما ذُكِرَ في هذه السورة، وإنكارها: قولهم: ورثناها عن آبائنا. وهذا قول مجاهد. والثاني: أن النعمة: ما ذُكِرَ في هذه السورة، وإنكارها: قولهم: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا. وهذا قول عون بن عبد الله. والثالث: أن النعمة: ما ذُكِرَ في هذه السورة، وإنكارها: قولهم: هذه بشفاعة آلهتنا. وهذا قول الكلبي، وغيره. والرابع: أن النعمة: نبوَّة محمد ﷺ، وإنكارها: جحد نبوّته وتكذيبه. وهذا قول السّدّيّ. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤/٣٢٦-٣٢٧) القولَ الرابعَ استنادًا إلى السياق، وقال مُعَلِّلًا اختياره: «وذلك أنّ هذه الآية بين آيتين كلتاهما خبر عن رسول الله ﷺ وعما بُعِث به، فأولى ما بينهما أن يكون في معنى ما قبله وما بعده؛ إذ لم يكن معنى يدل على انصرافه عما قبله وعما بعده، فالذي قبل هذه الآية قوله: ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ وما بعده: ﴿ويوم نبعث من كل أمة شهيدا﴾ وهو رسولها. فإذ كان ذلك كذلك فمعنى الآية: يعرف هؤلاء المشركون بالله نعمة الله عليهم يا محمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوتك». وذَهَبَ إلى ذلك أيضًا ابنُ القيم (٢/١١٨) مستندًا إلى دلالة عقلية، فقال: «هذا أقرب إلى حقيقة الإنكار؛ فإنه إنكار لما هو أجَلُّ النعم أن تكون نعمة». ثم علّق على الأقوال الثلاثة الأولى، واسْتَدْرَكَ عليها (٢/١١٨-١١٩) بقوله: «أما على القول الأول والثاني والثالث فإنهم لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره؛ فإن الذي قال: إنما كان هذا لآبائنا ورثناه كابرًا عن كابر. جاحدًا لنعمة الله عليه، غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكَّرهما الملَك بنعم الله عليهما، فأنكرا، وقالا: إنما ورثنا هذا كابرًا عن كابر. فقال: إن كنتما كاذبين فصيركما الله إلى ما كنتما. وكونها موروثة عن الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم؛ إذ أنعم بها على آباءهم، ثم ورثهم إياها، فتمتعوا هم وآباؤهم بنعمه. وأما قول الآخرين: لولا فلان لما كان كذا. فيتضمن قطع إضافة النعمة إلى مَن لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًّا ولا نفعًا، وغايته أن تكون جزء من أجزاء السبب أجرى الله تعالى نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد، وجعله سببًا هو من نعم الله عليه، وهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من إنعامه، وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب، وقد ينعم بدونه؛ فلا يكون له أثر، وقد يسلبه تسبيبته، وقد يجعل لها معارضًا يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه، فهو وحده المنعم على الحقيقة. وأما قول القائل: بشفاعة آلهتنا. فتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها، فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذل من أن تشفع عند الله، وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها، وأقرب الخلق إلى الله وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه، فالشفاعة بإذنه من نعمه، فهو المنعم بالشفاعة، وهو المنعم بقبولها، وهو المنعم بتأهيل المشفوع له؛ إذ ليس كل أحد أهلًا أن يشفع له، فمن المنعم على الحقيقة سواه؟! قال تعالى: ﴿وما بِكُمْ مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، فالعبد لا خروج له عن نعمته وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا، ولا في الآخرة»