اختُلف في معنى: ﴿وفّى﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنه وفّى بتبليغ هذه الآيات، وهي: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾. الثاني: وفّى بما رأى في المنام من ذبح ابنه، وأن قوله: ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ مِن المؤخَّر الذي معناه التقديم؛ وقالوا: معنى الكلام: أم لم يُنَبَّأ بما في صحف موسى، ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى، وبما في صحف إبراهيم الذي وفّى. الثالث: وفّى ربَّه جميع شرائع الإسلام. الرابع: وفّى في كلمات كان يقولها، وهي قوله تعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧]. الخامس: وفّى ربَّه عمل يومه. السادس: أنه عاهد ألا يسأل مخلوقًا شيئًا، فلما قُذف في النار قال له جبريل عليه السلام: ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك فلا. فوفّى بما عاهد. السابع: أنه أدّى الأمانة. الثامن: وفّى بما أُمِر به من تبليغ الرسالة. التاسع: وفّى بشأن المناسك. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢‏/‏٧٨) -مستندًا إلى دلالة العموم- «قول من قال: وفّى جميع شرائع الإسلام، وجميع ما أُمر به من الطاعة». وعلَّل ذلك بقوله: «لأن الله -تعالى ذكره- أخبر عنه أنه وفّى، فعمَّ بالخبر عنه عن توفيته جميع الطاعة، ولم يَخْصُص بعضًا دون بعض». ونحوه ابنُ عطية (٨‏/‏١٢٥) مستندًا إلى القرآن، فقال بعد أن ذكر جُلَّ هذه الأقوال: «والأقوى من هذه كلّها القول العامُّ لجميع الطاعات المستوفية لدين الإسلام، فرُوي أنها لم تُفرَض على أحد مُكَمَّلة فوفّاها إلا على إبراهيم ومحمد ﷺ، ومن الحجة لذلك قوله تعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة:١٢٤]». وذكر ابنُ كثير (١٣‏/‏٢٧٨) قول ابن جبير، وقتادة، في كونهما يفيدان العموم، ثم قال: «ويشهد له قوله تعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة:١٢٤]، فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلَّغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إمامًا يُقتَدى به في جميع أحواله وأفعاله وأقواله، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣]». وعلَّق ابنُ جرير (٢٢‏/‏٧٨-٧٩) على القول الرابع والخامس بقوله: «ولو صحّ الخبران اللذان ذكرناهما أو أحدهما عن رسول الله ﷺ [وهما الحديث الوارد عن أبي أمامة، وحديث معاذ بن أنس] لم نَعْدُ القول به إلى غيره، ولكن في إسنادهما نظرٌ، يجب التثبُّت فيهما من أجله». وانتقد ابنُ جرير القول الأول -مستندًا إلى دلالة ظاهر اللفظ- قائلًا: «فإن قال قائل: فإنه قد خصَّ ذلك بقوله: ﴿وفّى ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ فإنّ ذلك مما أخبر الله -جلَّ ثناؤه- أنه في صُحف موسى وإبراهيم، لا مما خصَّ به الخبر عن أنه وفّى، وأما التَّوْفية فإنها على العموم»

سورة المائدة — الآية ٢٦

عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: لَمّا قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم؛ أوحى الله إلى موسى: إنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين. وهم يومئذ -فيما ذُكِر- ستمائة ألف مقاتل، فجعلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادِّين لكي يخرجوا منها، حتى سَئِموا ونزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا. وإنهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم، فأنزل عليهم المن والسلوى، وأُعْطُوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، ينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته. وسأل موسى ربَّه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما نزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سبط منهم عين، قد علم كل أناس مشرب‍هم. حتى إذا خلت أربعون سنة، وكانت عذابًا بما اعتدوا وعصوا؛ أوحي إلى موسى: أن مرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة، فإن الله قد كفاهم عدوهم، وقل لهم: إذا أتوا المسجد أن يأتوا الباب ويسجدوا إذا دخلوا، ويقولوا حطة -وإنما قولهم: حطة. أن يحط عنهم خطاياهم-. فأبى عامَّةُ القوم، وعصوا، وسجدوا على خَدِّهم، وقالوا: حنطة. فقال الله -جل ثناؤه-: ﴿فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم﴾ إلى: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ [البقرة:٥٩]

سورة الرعد — الآية ١٣

عن عبد الله بن عباس، قال: أقبلت يهودُ إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنّا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبَأْتَنا بِهِنَّ عرفنا أنّك نبيٌّ، واتَّبعناك. فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيلُ على بنيه إذ قال: ﴿واللهُ على ما نقول وكيل﴾ [يوسف:٦٦]. قال: «هاتُوا». قالوا: أخبِرنا عن علامة النبيِّ؟ قال: «تنامُ عيناه، ولا ينامُ قلبُه». قالوا: أخبِرنا كيف تُؤْنِثُ المرأةُ، وكيف تُذْكِرُ؟ قال: «يَلْتَقِي الماءان، فإذا علا ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ أذْكَرَتْ، وإذا علا ماءُ المرأةِ ماءَ الرجل آنَثَتْ». قالوا: أخبِرْنا عمّا حرَّم إسرائيلُ على نفسه؟ قال: «كان يَشْتكي عِرْقَ النَّسا، فلم يجدْ شيئًا يلائمُه إلا ألبان كذا وكذا -يعني: الإبلَ- فحرَّم لحومها». قالوا: صدقتَ. قالوا: أخبِرنا، ما هذا الرَّعْدُ؟ قال: «مَلَكٌ مِن ملائكة الله مُوكلٌ بالسحابِ، بيديه مِخراقٌ مِن نارٍ، يزجُرُ به السحابَ، يسُوقُه حيثُ أمره الله». قالوا: فماذا الصوتُ الذي نَسْمَعُ؟ قال: «صوتُه». قالوا: صَدْقتَ، إنّما بَقِيَتْ واحدةٌ، وهي التي نتابعُك إن أخبرتنا؛ إنّه ليس مِن نبيٍّ إلا له ملَكٌ يأتيه بالخبر، فأخبِرنا مَن صاحبُك؟ قال: «جبريل». قالوا: جبريلُ! ذاك ينزِلُ بالحرب والقتال والعذاب، عدوُّنا! لو قلت: ميكائيلُ الذي ينزِلُ بالرحمة والنبات والمطر لكان. فأنزل الله: ﴿قل من كان عدوًا لجبريلَ﴾إلى آخر الآية [البقرة:٩٧]

سورة الأعراف — الآية ١٥٥

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلًا الخيِّرَ فالخيِّرَ، وقال: انطلقوا إلى الله، فتوبوا إليه مما صنعتم، واسألوه التوبةَ على مَن تركتم وراءكم من قومكم، صوموا، وتطَهَّروا، وطَهِّروا ثيابَكم، فخرج بهم إلى طور سينا لميقاتٍ وقَّته له ربُّه، وكان لا يأتيه إلا بإذنٍ منه وعلمٍ، فقال السبعون -فيما ذُكِر لي- حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربه: يا موسى، اطلب لنا نسمعْ كلامَ ربِّنا. فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقَعَ عليه عمودُ الغَمام حتى تَغَشّى الجبلَ كله، ودنا موسى، فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نورٌ ساطع، لا يستطيع أحدٌ من بني آدم أن ينظر إليه؛ فضُرِب دونه بالحجاب، ودنا القومُ، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، فسمعوه وهو يُكَلِّم موسى، يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل. فلمّا فرغ الله من أمره، وانكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة:٥٥]. فأخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فانفَلَتَتْ أرواحُهم، فماتوا جميعًا، وقام موسى عليه السلام يُناشِد ربَّه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويقول: ربِّ، لو شئتَ أهلكتَهم مِن قبلُ وإيّاي، قد سفهوا، أفتهلك مَن ورائي مِن بني إسرائيل

اختُلِف في معنى قوله: ﴿تمنى﴾؛ فقال قوم: مِن الأُمنية، وذلك أن رسول الله ﷺ تمنى يومًا أن لا يأتيه من الله شيء ينفر عنه به قومُه، فألقى الشيطان على لسانه لِما كان قد تمناه. وقال آخرون: تمنّى: تلا وقرأ. ورجَّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٦١٠) مستندًا إلى ظاهر الآية القولَ الثاني الذي قاله ابن عباس من طريق علي، ومجاهد، والضحاك، ومَن وافقهم، فقال: «وهذا القول أشبه بتأويل الكلام، بدلالة قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ على ذلك؛ لأن الآيات التي أخبر الله -جلّ ثناؤه- أنه يُحْكِمها لا شكَّ أنها آيات تنزيله، فمعلومٌ أن الذي ألقى فيه الشيطان هو ما أخبر الله -تعالى ذِكْرُه- أنّه نسخ ذلك منه وأبطله، ثم أحكمه بنسخه ذلك منه». وكذا رجَّحه (٤‏/‏٤٣٨) ابنُ تيمية مستندًا إلى ظاهر القرآن، فقال: «وهو ظاهر القرآن، ومراد الآية قطعًا؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض﴾، وهذا كله لا يكون في مجرد القلب إذا لم يتكلم به النبيُّ». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٢٦٣) أنّ مَن قالوا بالقول الثاني تأولوا قوله: ﴿إلا أماني﴾ [البقرة:٧٨]، أي: إلا تلاوة. وذكر ابنُ كثير (١٠‏/‏٨٦) أن القول الثاني قول أكثر المفسرين

اختُلف في قوله تعالى: ﴿قالوا ربّنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ على أقوال: الأول: أنه خلَقهم أمواتًا في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم بإخراجهم، ثم أماتهم عند انقضاء آجالهم، ثم أحياهم للبعث. الثاني: أنه أحياهم نسمًا عند أخْذ العهد عليهم وقت أخذهم من صلب آدم عليه السلام، ثم أماتهم بعد ذلك، ثم أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحياهم. الثالث: أنه أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحياهم في القبر وقت سؤال منكر ونكير، ثم أماتهم فيه، ثم أحياهم في الحشر. وانتقد ابنُ عطية (٧‏/‏٤٢٦) القول الثاني الذي قاله ابن زيد، والثالث الذي قاله السُّدّيّ، -مستندًا لظاهر الآية- وذلك أن الإحياء فيهما ثلاث مرّات. وبنحوه قال ابنُ كثير (١٢‏/‏١٧٦). ورجَّح ابنُ عطية القول الأول الذي قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والضَّحّاك، وأبو مالك، والكلبي، فقال: «والأول أثبت الأقوال». ولم يذكر مستندًا. وكذا رجَّحه ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٣١) مستندًا إلى النظائر، فقال: «والصحيح أن هذه الآية كقوله: ﴿وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ [البقرة:٢٨]، فالموتة الأولى قبل هذه الحياة، والموتة الثانية بعد هذه الحياة، وقوله تعالى: ﴿ثم يحييكم﴾ بعد الموت: قال تعالى: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ وقال: ﴿قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾ [الأعراف:٢٥]». وبنحوه قال ابنُ كثير (١٢‏/‏١٧٦)

ذكر ابنُ جرير (١٠‏/‏٢٢١) اختلاف أهل التفسير في بيان من هم أصحاب الأعراف، فأورد أقوالهم كالآتي: أوّلًا: هم رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم. وثانيًا: هم قوم قتلوا في سبيل الله، وكانوا عصاة لآبائهم في الدنيا. وثالثًا: هم قوم فقهاء صالحون. ورابعًا: هم رجال من الملائكة، وليسوا من بني آدم. واختار صوابَ الأقوال الثلاثة الأولى دون ما قاله أبو مجلز في القول الرابع؛ مستندًا إلى دلالة السنّة، وأقوال السلف، واللغة، فقال: «والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يُقال كما قال الله -جل ثناؤه- فيهم: هم رجال يعرفون كُلًّا من أهل الجنة وأهل النار بسيماهم، ولا خبر عن رسول الله ﷺ يصح سنده ولا آية متفق على تأويلها، ولا إجماع من الأمة على أنهم ملائكة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يُدرَك قياسًا، وكان المُتعارَف بين أهل لسان العرب أنّ الرجال اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق غيرهم؛ كان بيِّنًا أنّ ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة قول لا معنى له، وأن الصحيح من القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره. هذا مع من قال بخلافه من أصحاب رسول الله ﷺ، ومع ما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها». ثم ذكر حديث أبي زُرعة بن عمرو بن جرير المرفوع المتقدم. وعند ابن عطية (٣‏/‏٥٧١) نحوه، فقد ذكر اختلاف المفسرين، ثم قال: «واللازم من الآية أنّ على أعراف ذلك السور أو على مواضع مرتفعة عن الفريقين حيث شاء الله تعالى رجالًا من أهل الجنة، يتأخر دخولهم، ويقع لهم ما وصف من الاعتبار في الفريقين». ورجّح ابنُ كثير (٣‏/‏٤١٨) مستندًا إلى أقوال السلف قولَ مَن قال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. وقال: «واختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف مَن هم، وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد، وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. نص عليه حذيفة، وابن عباس، وابن مسعود، وغير واحد من السلف والخلف». وبنحو ما قال ابنُ كثير قال ابنُ القيم (١‏/‏٣٩٣)، حيث ذكر اختلاف السلف في أصحاب الأعراف، ثم قال مُعَلِّقًا: «والثابت عن الصحابة هو القول الأول [يعني: أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم]، وقد رُوِيَت فيه آثارٌ كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت أسانيدها». وزاد ابن عطية (٣‏/‏٥٧١) إضافةً إلى ما ورد في أقوال السلف قولَيْن آخَرَين، أحدهما: أنهم الشهداء. الثاني: أنهم عدول يوم القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة

اختلف السلف في تفسير قوله: ﴿الله نور السموات والأرض﴾؛ فقال بعضهم: هادي السماوات والأرض. وقال آخرون: مُدَبِّر السماوات والأرض. وقال آخرون: ضياء السماوات والأرض. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧‏/‏٢٩٧) مستندًا إلى السياق القول الأول، وعلَّل ذلك بقوله: «وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك لأنّه عقيب قوله: ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين﴾ [النور:٣٤]، فكان ذلك بأن يكون خبرًا عن موقع يقع تنزيله مِن خلقه، ومِن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه؛ أولى وأشبه، ما لم يأت ما يدل على انقضاء الخبر عنه من غيره. فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام: ولقد أنزلنا إليكم أيها الناس آيات مبيناتٍ الحقَّ مِن الباطل، ﴿ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين﴾ فهديناكم بها، وبيَّنّا لكم معالم دينكم بها؛ لأني هادي أهل السماوات وأهل الأرض». وذكر ابنُ القيم (٢‏/‏٢٤١) في معنى الآية قول ابن مسعود، ثم علّق بقوله: «وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله عنه أقربُ إلى تفسير الآية مِن قول مَن فسَّرها بأنه هادي أهل السماوات والأرض. وأمّا من فسرها بأنه منور السماوات والأرض؛ فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود، والحق أنّه نور السماوات والأرض بهذه الاعتبارات كلها». وقال ابنُ عطية (٦‏/‏٣٨٤-٣٨٥): «النور في كلام العرب: الأضواء المدرَكة بالبصر. ويستعمل مجازًا فيما صحَّ من المعاني ولاح، فيقال: كلام له نور... والله تعالى ليس كمثله شيء، فبيِّنٌ أنه ليس كالأضواء المدركة، ولم يبق للآية معنًى إلا أنه أراد: اللَّهُ ذو نُورِ السَّماواتِ والأَرْضِ، أي: بقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها، وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما تقول: الملك نور الأمة، أي: به قوام أمورها وصلاح جملتها، والأمر في الملك مجاز، وهو في صفة الله تعالى حقيقة محضة؛ إذ هو الذي أبدع الموجودات، وخلق العقل نورًا هاديًا؛ لأن ظهور الوجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات، تبارك الله لا رب سواه. وقالت فرقة: التقدير: دين الله نُورُ السَّماواتِ والأَرْضِ. قال ابن عباس: هادي أهل السماوات والأرض. والأول أعمُّ للمعاني وأوضح مع التأمل». ومحصلة كلام ابن عطية باطل، والحق إثبات صفة النور لله عز وجل على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته، وهو إجماع السلف من الصحابة والتابعين. ينظر: الشريعة ٣‏/‏١١٤٧-١١٧٧، والإبانة الكبرى ٣‏/‏٩١-١٣١، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢‏/‏٤٥١-٤٨٠

سورة مريم — الآية ١٧

عن نوف البِكاليّ -من طريق أبي عمران الجَوْنِيِّ- قال: كانت مريم عليها السلام فتاة بتولًا، وكان زكريا زوج أختها كفلها، فكانت معه، فكان يدخل عليها يُسَلِّمُ عليها، فتُقَرِّبُ إليه فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فدخل عليها زكريا مرَّة، فقرَّبت إليه بعض ما كانت تُقَرِّب، ﴿قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه﴾ إلى قوله: ﴿آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا زمرا﴾ [آل عمران:٣٧-٤١]. قال: يُخْتَمُ على لسانك فلا تكلِّمُ الناس ﴿ثلاث ليال سويا﴾: صحيحًا. ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم﴾ كتب لهم ﴿أن سبحوا بكرة وعشيا﴾. قال: فبينما هي جالسة في منزلها إذا رجل قائم بين يديها قد هَتَكَ الحُجُبَ، فلمّا رأته قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾. قال: فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام، قال: ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ إلى قوله: ﴿وكان أمر مقضيا﴾. فنفخ في جيبها جبريلُ، فحملت، حتى إذا أثْقَلَتْ وجِعَتْ ما توجع النساء، وكانت في بيت النبوة، فاستحيت، وهربت حياءً مِن قومها، فأخذت نحو المشرق، وخرج قومها في طلبها، فجعلوا يسألون: رأيتم فتاة كذا وكذا؟ فلا يخبرهم أحد، وأخذها ﴿المخاض إلى جذع النخلة﴾ فتساندت إلى النخلة، قالت: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا﴾ قال: حيضة من حيضة، ﴿فناداها من تحتها﴾ قال: جبريل مِن أقصى الوادي: ﴿أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا﴾ قال: جدولًا، ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾. فلمّا قال لها جبريلُ اشتدَّ ظهرها، وطابت نفسها، فقطعت سَرَرَه، ولفَّته في خِرْقَة، وحملته، فلقي قومها راعي بقر وهم في طلبها، قالوا: يا راعي، هل رأيت فتاة كذا وكذا؟ قال: لا، ولكن رأيت الليلة مِن بقري شيئًا لم أره منها قطُّ فيما خلا. قال: وما رأيتها منها؟ قال: رأيتها باتت سُجَّدًا نحو هذا الوادي. فانطلقوا حيث وصف لهم، فلما رأتهم مريم جلست، وجعلت تُرضِع عيسى، فجاؤوا حتى وقفوا عليها، فقالوا: ﴿يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ قال: أمرًا عظيمًا، ﴿فأشارت إليه﴾ أن كلِّموه، فعجبوا منها، ﴿قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبي﴾؟! والمهد: حِجْرُها. فلما قالوا ذلك ترك عيسى ثديَها، واتَّكأ على يساره، ثم تكلم، ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. قال: واختلف الناس فيه

سورة البقرة — الآية ٩٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ يعني: وقد أخذنا ميثاقكم في التوراة، يعني: اليهود، يعني: على أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأن تؤمنوا بالكتاب والنبيين، ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ حين لم يَقْبَلوا التوراة، قال موسى: يا رب، إنّ عبادك لم يقبلوا كتابك، وعصوا أمرك. فأَمَر الله عز وجل الملائكة وجبريل فرفعوا من الأرض المقدسة جبلًا فوق رؤوسهم، فحال الجبل بينهم وبين السماء، فقال موسى عليه السلام لبني إسرائيل: إن لم تقبلوا التوراة طُرِح هذا الجبل، فيُرْضَخ به رؤوسكم. وكان الجبل منهم قدر مِيل، فلما رأوا ذلك قبلوها، فذلك قوله سبحانه: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة﴾، يعني: ما آتيناكم من التوراة بالجد والمواظبة عليه، فرجع الجبل إلى مكانه، فقال موسى لبني إسرائيل: ﴿واسمعوا﴾ يقول: اسمعوا ما في التوراة من الحدود والأحكام والشدة، ﴿قالوا سمعنا﴾ بذلك الذي تخوفنا به من أمر الجبل، ﴿وعصينا﴾ أمرَك؛ فلا نَتَّبِع ما جئتنا به من الشدة في التوراة، والعجلُ كان أرفقَ بنا وأهونَ علينا مما جئتنا به من الشدة[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/١٢٣-١٢٤.]][[c=٣٦٧]]