اختلف السلف في هذه الآية أمحكمة هي أم منسوخة على قولين: الأول: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥]، وقوله: ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ [البقرة:١٩١]. الثاني: أنها محكمة. وقال أصحاب هذا القول: إنّ قتْل الأسير غير جائز، وإنما يجوز المنّ عليه والفداء. وقد ذكر ابنُ جرير (٢١‏/‏١٨٧ بتصرف) القولين، ثم رجّح -مستندًا إلى عدم التعارض، وإلى السنة- أنها محكمة، فقال: «وذلك أنّ صفة الناسخ والمنسوخ أنّه ما لم يجز اجتماع حكميهما في حالٍ واحدة، أو ما قامت الحجة بأنّ أحدهما ناسخ الآخر، وغير مستنكر أن يكون جعل الخيار في المنّ والفداء والقتْل إلى الرسول ﷺ، وإلى القائمين بعده بأمر الأمة، وإن لم يكن القتْل مذكورًا في هذه الآية، لأنه قد أذن بقتْلهم في آية أخرى، وذلك قوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ الآية [التوبة:٥]، بل ذلك كذلك؛ لأن رسول الله ﷺ كذلك كان يفعل فيمن صار أسيرًا في يده من أهل الحرب، فيقتل بعضًا، ويفادي ببعض، ويمُن على بعض، مثل يوم بدر قتَل عُقبة بن أبي مُعَيْط وقد أُتي به أسيرًا، وقتَل بني قريظة وقد نزلوا على حكم سعد، وصاروا في يده سلمًا، وهو على فدائهم والمنّ عليهم قادر، وفادى بجماعة أسارى المشركين الذين أُسروا ببدر، ومَنَّ على ثُمامة بن أُثال الحنفي وهو أسير في يده، ولم يزل ذلك ثابتًا من سِيَره في أهل الحرب مِن لدُن أذن الله له بحربهم إلى أن قبضه إليه ﷺ دائمًا ذلك فيهم، وإنما ذكر -جلَّ ثناؤه- في هذه الآية المنّ والفداء في الأسارى، فخصَّ ذكرهما فيها؛ لأن الأمر بقتلهما والإذن منه بذلك قد كان تقدَّم في سائر آيِ تنزيله مكررًا، فأعلم نبيّه ﷺ بما ذكر في هذه الآية مِن المنِّ والفداء ما له فيهم مع القتل». وكذا رجّح ابنُ عطية (٧‏/‏٦٤٠) أن هذه الآية وقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة:٥] محكمتان، فقال: «وعلى قول أكثر العلماء الآيتان محكمتان. وقوله هنا: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ بمثابة قوله هناك: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، وصرح هنا بذكر المنّ والفداء، ولم يصرّح به هناك، وهو أمر متقرر، وهذا هو القول القوي». ولم يذكر مستندًا. وذكر ابنُ كثير (١٣‏/‏٦٢) هذا الخلاف، ثم ذكر أثر سلمة بن نفيل -الآتي في الآثار المتعلقة بقوله تعالى: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾-، وعلّق قائلًا:«وهذا يقوي القول بعدم النسخ، كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى ألّا يبقى حرب»

انتقد ابنُ تيمية في منهاج السنة النبوية (٧/ ٦٠ -٦٨) هذا الأثر مستندًا إلى الإجماع، وأحوال النزول، والأدلة العقلية، والتاريخية، فقال -بتصرف-: ""والجواب من وجوه:أحدها: المطالبة بصحته، وذلك أن القول بلا علم حرام بالنص والإجماع.... الثاني: أن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالحديث.... الوجه الثالث: أنه مما يبين أنه كذب أن فيه ابن عباس شهد نزول سورة النجم حين انقض الكوكب في منزل علي، وسورة النجم باتفاق الناس من أول ما نزل بمكة، وابن عباس حين مات النبي ﷺ كان مراهقًا للبلوغ لم يحتلم بعد، هكذا ثبت عنه في الصحيحين. فعند نزول هذه الآية: إما أن ابن عباس لم يكن وُلد بعد، وإما أنه كان طفلًا لا يميز، فإن النبي ﷺ لما هاجر كان لابن عباس نحو خمس سنين، والأقرب أنه لم يكن وُلد عند نزول سورة النجم، فإنها من أوائل ما نزل من القرآن. الوجه الرابع: أنه لم ينقض قط كوكب إلى الأرض بمكة ولا بالمدينة ولا غيرهما، ولما بُعث النبي ﷺ كثر الرمي بالشهب، ومع هذا فلم ينزل كوكب إلى الأرض، وهذا ليس من الخوارق التي تعرف في العالم، بل هو من الخوارق التي لا يعرف مثلها في العالم، ولا يروي مثل هذا إلا مَن هو مِن أوقح الناس، وأجرؤهم على الكذب، وأقلهم حياء ودينًا، ولا يروج إلا على من هو مِن أجهل الناس وأحمقهم، وأقلهم معرفة وعلمًا. الوجه الخامس: أن نزول سورة النجم كان في أول الإسلام، وعلِيٌّ إذ ذاك كان صغيرًا، والأظهر أنه لم يكن احتلم ولا تزوج بفاطمة، ولا شُرع بعد فرائض الصلاة أربعًا وثلاثًا واثنين، ولا فرائض الزكاة، ولا حج البيت، ولا صوم رمضان، ولا عامة قواعد الإسلام. وأمر الوصية بالإمامة لو كان حقًّا إنما يكون في آخر الأمر كما ادعوه يوم غدير خم، فكيف يكون قد نزل في ذلك الوقت؟! الوجه السادس: أن أهل العلم بالتفسير متفقون على خلاف هذا، وأن النجم المقسم به: إما نجوم السماء، وإما نجوم القرآن، ونحو ذلك. ولم يقل أحد: إنه كوكب نزل في دار أحد بمكة. الوجه السابع: أن من قال لرسول الله ﷺ: «غويت» فهو كافر، والكفار لم يكن النبي ﷺ يأمرهم بالفروع قبل الشهادتين والدخول في الإسلام. الوجه الثامن: أن هذا النجم إن كان صاعقة فليس نزول الصاعقة في بيت شخص كرامة له، وإن كان من نجوم السماء فهذه لا تفارق الفلك، وإن كان مِن الشهب فهذه يُرمى بها رجومًا للشياطين، وهي لا تنزل إلى الأرض، ولو قُدِّر أن الشيطان الذي رمي بها وصل إلى بيت علِيٍّ حتى احترق بها فليس هذا كرامة له، مع أن هذا لم يقع قط""

اختُلِف في صفة الجهاد الذي أمَرَ اللهُ نبيَّه به في المنافقين على أقوال: الأول: جهادهم باليد واللسان، وبكل ما أطاق جهادهم به. والثاني: جهادهم باللسان. والثالث: إقامة الحدود عليهم. ورجَّح ابنُ جرير (١١‏/‏٥٦٨) مستندًا إلى واقع الحال في عهد رسول الله ﷺ القولَ الأول الذي قاله ابن مسعود، والحسن، فقال: «وأولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب ما قال ابنُ مسعود مِن أنّ الله أمَرَ نبيَّه ﷺ من جهاد المنافقين بنحو الذي أمَرَه به مِن جهاد المشركين. فإن قال قائل: فكيف تركهم ﷺ مقيمين بين أظهر أصحابه مع علمه بهم؟ قيل: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- إنّما أمَرَ بقتال مَن أظهر منهم كلمة الكفر، ثم أقام على إظهاره ما أظهر من ذلك. وأمّا من إذا اطُّلِع عليه منهم أنّه تكلم بكلمة الكفر وأخذ بها أنكرها ورجع عنها، وقال: إنِّي مسلم، فإنّ حكم الله في كل من أظهر الإسلام بلسانه أن يحقن بذلك له دمه وماله وإن كان معتقدًا غير ذلك، وتَوَكَّل هو -جلَّ ثناؤه- بسرائرهم، ولم يجعل للخلق البحث عن السرائر، فلذلك كان النبي ﷺ مع علمه بهم وإطْلاع الله إيّاه على ضمائرهم واعتقاد صدورهم، كان يقرهم بين أظهر الصحابة، ولا يسلك بجهادهم مسلك جهاد من قد ناصبه الحرب على الشرك بالله؛ لأنّ أحدهم كان إذا اطُّلِع عليه أنّه قد قال قولًا كفر فيه بالله ثم أخذ به أنكره، وأظهر الإسلام بلسانه، فلم يكن ﷺ يأخذه إلا بما أظهر له من قوله عند حضوره إيّاه وعزمه على إمضاء الحكم فيه، دون ما سلف من قولٍ كان نطق به قبل ذلك، ودون اعتقاد ضميره الذي لم يبح الله لأحد الأخذ به في الحكم وتَوَلّى الأخذ به هو دون خلقه». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٤‏/‏٣٦٤) هذا القول مستندًا إلى دلالة العقل، فقال: «والقتل لا يكون إلا مع التجليح [المكاشفة]، ومَن جلَّح خرج عن رتبة النفاق». وذكر (٤‏/‏٣٦٣-٣٦٤) أنّ قوله: ﴿جاهِدِ﴾ مأخوذ مِن بلوغ الجهد، وهي مقصود بها المكافحة والمخالفة، وأنها تتنوع بحسب المجاهد، فجهاد الكافر المعلن بالسيف، وجهاد المنافق المتستر باللسان والتعنيف والاكفهرار في وجهه، ونحو ذلك. ثم رجَّح ذلك مستندًا إلى النظائر، فقال: «ألا ترى أنّ مِن ألفاظ الشرع قوله ﷺ: «والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله». فجهاد النفس إنّما هو مصابرتها باتِّباع الحق وترك الشهوات، فهذا الذي يليق بمعنى هذه الآية». ورأى ابنُ كثير (٧‏/‏٢٣٧) تقارب الأقوال مستندًا إلى واقع الحال، فقال: «لا منافاة بين هذه الأقوال؛ لأنّه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا، بحسب الأحوال»

سورة آل عمران — الآية ٢٦

عن عمرو بن عوف، قال: خَطَّ رسولُ الله ﷺ على الخَندَقِ يومَ الأحزاب، ثُمَّ قطع لكُلِّ عَشَرَةٍ أربعين ذِراعًا. قال عمرو بن عوف: كنتُ أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مُقَرِّن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا، فحفرنا، حتى إذا كُنّا تحتَ ذباب أخرج الله مِن بطن الخندق صخرةً مُدَوَّرةً كَسَرَتْ حديدَنا، وشَقَّتْ علينا، فقلنا: يا سلمان، ارْقَ إلى رسول الله ﷺ، فأَخْبِرْه خبرَ هذه الصخرة، فإمّا أن نَعْدِل عنها، وإمّا أن يأمرنا فيها بأمرِه، فإنّا لا نُحِبُّ أن نُجاوِز خطَّه. قال: فرَقى سلمانُ إلى رسول الله ﷺ وهو ضارِبٌ عليه قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فقال: يا رسول الله، خرجتْ صخرةٌ بيضاءُ مُدَوَّرَةٌ مِن بطن الخندق، فكسرتْ حديدَنا، وشَقَّتْهُ علينا، حتى ما يجيء فيها قليل ولا كثير، فمُرْنا فيها بأمر، فإنّا لا نُحِبُّ أن نُجاوِزَ خطَّك. قال: فهَبَط رسولُ الله ﷺ مع سلمان الخندقَ، والتِّسْعةُ على شَفَةِ الخندق، فأخذ رسول الله ﷺ المِعْوَل من سلمان، فضربها ضربةً صَدَعها، وبَرَقَ منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابَتَيْها -يعني: المدينة-، حتى كأنّ مِصباحًا في جوف بيت مُظْلِمٍ، وكَبَّر رسولُ الله ﷺ تكبير فَتْحٍ، فكبّر المسلمون، ثُمَّ ضربها رسولُ الله ﷺ فكسرها، وبَرَقَ منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابَتَيْها، حتى كأنّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وكَبَّر رسولُ الله ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكَبَّر المسلمون، ثُمَّ ضربها رسولُ الله ﷺ فكسرها، وبَرَقَ منها بَرْقٌ أضاء ما بين لابَتَيْها، حتى كأنّ مِصْباحًا في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وكَبَّر رسولُ الله ﷺ تكبيرَ فتحٍ، وكَبَّر المسلمون، وأخذ يدَ سلمان، ورَقى، فقال سلمان: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، لقد رأيتُ شيئًا ما رأيتُ مثلَه قطُّ. فالتفت رسول الله ﷺ إلى القوم، فقال: «رأيتم ما يقول سلمانُ؟». قالوا: نعم، يا رسول الله. قال: «ضربتُ ضربتي الأولى، فبَرَق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قُصُور الحِيرَةِ ومَدائِن كِسْرى، كأنّها أنيابُ الكلاب، وأخبرني جبريلُ عليه السلام أنّ أُمَّتِي ظاهرةٌ عليها. ثم ضربتُ ضربتي الثانية، فبَرَق الذي رأيتم، أضاءت لي منها القصورُ الحُمْرُ مِن أرض الرُّوم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أنّ أُمَّتِي ظاهرةٌ عليها. ثم ضربتُ ضربتي الثالثة، فبَرَق الذي رأيتُم، أضاءت لي منها قصورُ صنعاء، كأنّها أنيابُ الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أنّ أُمَّتِي ظاهرةٌ عليها، فأبشِروا». فاسْتَبْشَرَ المسلمون، وقالوا: الحمدُ لله، موعد صِدْقٍ، وعدَنا النصرَ بعد الحفر. فقال المنافقون: ألا تعجبون؟! يُمَنِّيكم، ويَعِدُكُم الباطلَ، ويخبركم أنّه يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قصورَ الحِيرَةِ ومدائنِ كِسْرى، وأنّها تُفْتَحُ لكم، وأنتم إنّما تحفرون الخندق مِن الفَرَق، ولا تستطيعون أن تَبْرُزوا للقتال؟! قال: فنزل القرآن: ﴿وإذ يَقولُ الـمُنافِقونَ والَّذينَ في قُلوبِهِم مَّرَضٌ مّا وعَدَنا اللهُ ورَسولُهُ إلّا غُرورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، وأنزل الله تعالى في هذه القصة قولَه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الـمُلكِ﴾ الآية

سورة مريم — الآية ٢٢

عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن معقل- قال: لَمّا اشتملت مريمُ على الحمل كان معها قَرابَةٌ لها، يقال له: يوسف النجار، وكانا مُنطَلِقَيْن إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجدُ يومئذٍ مِن أعظم مساجدهم، فكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرَغِبا في ذلك، فكانا يَلِيان معالجته بأنفسهما؛ تَحْبِيرَه وكُناسَتَه وطهوره وكل عمل يُعْمَل فيه، وكان لا يُعْلَم مِن أهل زمانهما أحدٌ أشدُّ اجتهادًا وعبادةً منهما، فكان أول مَن أنكر حمل مريم صاحبها يوسف، فلمّا رأى الذي بها اسْتَعْظَمَهُ، وعظم عليه، وفظع به، فلم يدرِ على ماذا يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعةً قط، وإذا أراد أن يُبَرِّئها رأى الذي ظَهَر عليها، فلمّا اشْتَدَّ عليه ذلك كَلَّمَها، فكان أول كلامه إيّاها أن قال لها: إنّه قد حَدَث في نفسي مِن أمْرِكِ أمْرٌ قد خشيته، وقد حرصت على أن أُميْتَه وأكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت الكلام فيه أشفى لصدري. قالت: فقُل قولًا جميلًا. قال: ما كنتُ لِأقول لكِ إلا ذلك، فحدِّثيني، هل ينبت زرعٌ بغير بَذْرٍ؟ قالت: نعم. قال: فهل تنبت شجرةٌ مِن غير غَيْثٍ يُصيبها؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد مِن غير ذَكَر؟ قالت: نعم؛ ألم تعلم أنّ الله -تبارك وتعالى- أنبَتَ الزَّرْعَ يوم خلقه مِن غير بِذْر، والبِذْرُ يومئذٍ إنّما صار مِن الزَّرع الذي أنبته الله مِن غير بذر؟ أوَلَم تعلم أنّ الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنّه جعل بتلك القدرة الغيثَ حياةً للشجر بعد ما خلق كلَّ واحدٍ منهما وحده، أم تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكنِّي أعلم أن الله -تبارك وتعالى- بقدرته على ما يشاء يقول لذلك: كن. فيكون. قالت مريم: أوَلَم تعلم أنّ الله -تبارك وتعالى- خلق آدمَ وامرأتَه من غير أنثى ولا ذَكَر؟ قال: بلى. فلمّا قالت له ذلك وقع في نفسه أنّ الذي بها شيءٌ من الله -تبارك وتعالى-، وأنّه لا يَسَعُهُ أن يسألها عنه، وذلك لِما رأى مِن كتمانها لذلك، ثُمَّ تَوَلّى يوسفُ خِدمة المسجد، وكفاها كلَّ عمل كانت تعمل فيه، وذلك لِما رأى مِن رِقَّة جِسمها، واصفرار لونها، وكَلَفِ وجهِها، ونُتُوِّ بطنِها، وضعف قوتها، ودأبِ نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك، فلمّا دنا نِفاسُها أوحى الله إليها أن اخرجي مِن أرض قومك، فإنّهم إن ظَفِرُوا بك عيَّروك، وقتلوا ولدك، فأفضت ذلك إلى أختها، وأختُها حينئذ حُبْلى، وقد بُشِّرَت بيحيى، فلمّا التقيا وجدت أمُّ يحيى ما في بطنها خرَّ لوجهه ساجدًا مُعْتَرِفًا بعيسى، فاحتملها يوسفُ إلى أرض مصر على حمارٍ له ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الإكافِ شيء، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان مُتاخِمًا لأرض مصر في منقطع بلاد قومها أدرك مريمَ النفاسُ، فألجأها إلى آريِّ حمار -يعني: مِذْودَ الحمار- وأصل نخلة، وذلك في زمان بردٍ أو حَرٍّ -الشك من أبي جعفر-، فاشتد على مريم المخاض، فلمّا وجدت منه شِدَّةً التجأت إلى النخلة، فاحتضنتها، واحْتَوَشَتْها الملائكةُ، قاموا صفوفًا مُحْدِقِين بها

اختلف في العلم المعني في قوله: ﴿على علم عندي﴾ على قولين: فقال قوم: علم من الله بحال قارون. الثاني: علم قارون بالكيمياء. ووجَّه ابنُ جرير (١٨‏/‏٣٢٦) قوله: ﴿عندي﴾ على القول الأول أنها بمعنى: أرى. كأنه قال: إنما أُعطِيت لفضل علمي فيما أرى. وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٦١٤). ورجَّح ابنُ كثير (١٠‏/‏٤٨٣-٤٨٤) القول الأول مستندًا إلى ظاهر سياق الآية، فقال: «والصحيح المعنى الأول؛ ولهذا قال الله تعالى رادًّا عليه فيما ادَّعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال: ﴿أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا﴾ أي: قد كان من هو أكثر منه مالًا وما كان ذلك عن محبة مِنّا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾ أي: لكثرة ذنوبهم». وانتقد ابنُ تيمية (٥‏/‏٨٩) القول الثاني الذي قاله ابن المسيب مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهذا باطِلٌ؛ فإنه لم يقله عالم معروف، وإنما يذكره مثل الثعلبي في تفسيره عمَّن لا يُسمى، وفي تفسير الثعلبي الغث والسمين؛ فإنه حاطب ليل، ولو كان مال قارون من الكيمياء لم يكن له بذلك اختصاص؛ فإن الذين عملوا الكيمياء خلق كثير لا يحصون، والله سبحانه قال: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة﴾، فأخبر أنه آتاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة». وكذا انتقد ابنُ كثير القول الثاني مستندًا إلى دلالة القرآن، والسنة، والعقل، فقال: «وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل، قال الله: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ [الحج:٧٣]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة». وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بِمَن يدَّعي أنه يُحِيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى، هذا زور ومحال، وجهل وضلال. وإنما يقدرون على الصبغ في الصورة الظاهرة، وهو كذِب وزغل وتمويه، وترويجٌ أنه صحيح في نفس الأمر، وليس كذلك قطعًا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعيٍّ أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاناها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفّاكون، فأما ما يُجْريه اللهُ تعالى مِن خرق العوائد على يدي بعض الأولياء مِن قلب بعض الأعيان ذهبًا أو فضة أو نحو ذلك فهذا أمرٌ لا يُنكره مسلم، ولا يرُدُّه مؤمن، ولكن هذا ليس مِن قبيل الصناعات، وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات واختياره وفعله». وذكر ابنُ كثير قولًا ثالثًا: أنّ العلم الذي كان عند قارون هو علمه باسم الله الأعظم. وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٦١٤) قولين آخرين: أحدهما: أن العلم الذي كان عنده هو علم التجارات وتمييز الأموال. والآخر: علم التوراة وحفظها. ثم ذكر أنّ قوله تعالى: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يرجح أن قارون تشبع بعلم نفسه على زعمه

سورة هود — الآية ٤٤

عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: أعطى الله نوحًا عليه السلام في السفينة خرزتين؛ إحداهما بياضُها كبياض النهار، والأخرى سوادُها كسواد الليل، فإذا أمسَوا غلب سواد هذه بياض هذه، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه، على قدر الساعات الاثنى عشر، فأول مَن قدَّر الساعات الاثني عشر لا يزيد بعضُها على بعض نوح عليه السلام في السفينة؛ ليعرف بها مواقيت الصلاة، فسارت السفينة مِن مكة حتى أخَذَت إلى اليمن، فبلغت الحبشة، ثم عدلت حتى رجعت إلى جدة، ثم أخَذَت على الروم، ثم جاوزت الروم، فأقبلت راجعة على جبال الأرض المقدسة، وأوحى الله إلى نوح عليه السلام أنها تستوي على رأس جبل، فعلِمت الجبال لذلك، فتَطَلَّعَت لذلك، وأخرجت أُصُولَها من الأرض، وجعل جُودِيٌّ يتواضع لله عز وجل، فجاءت السفينة حتى جاوزت الجبال كلها، فلما انتهت إلى الجودي استوت ورَسَت، فشَكَتِ الجبالُ إلى الله، فقالت: يا ربِّ، إنّا تَطَلَّعنا وأخرجنا أُصُولَنا مِن الأرض لسفينة نوح، وخَنَس جوديٌّ، فاستوت سفينة نوح عليه! فقال الله: إنِّي كذلك، مَن تواضع لي رفعتُه، ومَن ترفَّع لي وضَعْتُه. ويقال: إنّ الجوديَّ مِن جبال الجنة. فلمّا أن كان يوم عاشوراء اسْتَوَتِ السفينةُ عليه، وقال الله: ﴿يا أرض ابلعي مآءك﴾ بلغة الحبشة، ﴿ويا سماء أقلِعِي﴾ أي: أمسكي، بلغة الحبشة، فابتلعتِ الأرضُ ماءها، وارتفع ماءُ السماء حتى بلغ عنان السماء رجاء أن يعود إلى مكانه، فأوحى الله إليه: أن ارجع؛ فإنّك رِجْسٌ وغضب. فرجع الماء، فمَلُحَ وخَمَّ وتَرَدَّد، فأصاب الناسَ منه الأذى، فأرسل الله الريح، فجمعه في مواضع البحار، فصار زُعاقًا مالحًا لا يُنتَفَع به، وتَطَلَّع نوح فنظر، فإذا الشمس قد طلعت، وبدا له اليد من السماء، وكانت ذلك آية ما بينه وبين ربه عز وجل؛ أمان من الغرق، -واليد: القوس الذي يُسمُّونه: قوس قزح، ونُهي أن يقال: قوس قزح؛ لأنّ قزح شيطان، وهو قوس الله، وزعموا: أنّه كان عليه وترٌ وسهمٌ قبل ذلك في السماء، فلما جعله الله تعالى أمانًا لأهل الأرض مِن الغرق نزع الله الوتر والسهم-، فقال نوح عليه السلام عند ذلك: ربِّ، إنّك وعدتني أن تُنجي معي أهلي، وغرَّقت ابني، و﴿إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين﴾. قال: ﴿يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ يقول: إنّه ليس مِن أهل دينك؛ إنّ عملَه كان غير صالح. قال: ﴿اهبط بسلام منا﴾. فبعث نوحٌ عليه السلام مَن يأتيه بخبر الأرض، فجاء الطير الأهليُّ، فقال: أنا. فأخذها، وختم جناحها، فقال: أنت مختومة بخاتمي، لا تطيرين أبدًا، ينتفع بك ذريتي. فبعَث الغراب، فأصاب جيفةً، فوقع عليها، فاحتبس، فلعَنه، فمِن ثَمَّ يُقتل في الحرم، وبعَث الحمامة، وهي القُمْرِيُّ، فذهبت فلم تجد في الأرض قَرارًا، فوقعت على شجرة بأرض سبأ، فحمَلت ورقة زيتون، فرجَعت إلى نوحٍ، فعلِم أنّها لم تَستمكِن مِن الأرض، ثم بعثها بعد أيام، فخرَجت حتى وقعت بوادي الحرم، فإذا الماء قد نَضَبَ، وأول ما نَضَبَ موضع الكعبة، وكانت طينتُها حمراء، فخَضَّبت رجليها، ثم جاءت إلى نوح، فقالت: البشرى، استَمكِنِ الأرض. فمسَح يدَه على عنُقِها، وطوَّقَها، ووهب لها الحمرة في رجليها، ودعا لها، وأسكنها الحرم، وبارك عليها، فمِن ثَمَّ شُغِف بها الناس. ثُمَّ خرج، فنزل بأرض الموصل، وهي قرية الثمانين؛ لأنه نزل في ثمانين، فوقع فيهم الوباء، فماتوا إلا نوح وسام وحام ويافث ونساؤهم، وطُبِّقت الدنيا منهم، وذلك قوله: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [الصافات:٧٧]

اختُلف في معنى: «الغاسق إذا وقب» على أقوال: الأول: الليل إذا أظلم. الثاني: النهار إذا دخل في الليل. الثالث: الكوكب، وهو الثُّريّا إذا سقطتْ، وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عن طلوعها. الرابع: هو القمر. وعلَّق ابنُ تيمية (٧‏/‏٣٩١) على القول الثالث بقوله: «ويشبه -والله أعلم- أن يكون من الحكمة في ذلك: أنّ النور هو جنس الخير، والظُّلمة جنس الشّرّ، وفي الليل يقع من الشرور النفسانية ما لا يقع في النهار، والقمر له تأثير في الأرض لا سيما حال كسوفه؛ فإنّ النبي قال: «إنهما آيتان يخوّف الله بهما عباده». والتخويف إنما يكون بانعقاد سبب الخوف، ولا يكون ذلك إلا عند سبب العذاب أو مظنّته، فعُلم أنّ الكسوف مظنّة حدوث عذاب بأهل الأرض، ولهذا شُرع عند الكسوف الصلاة الطويلة والصدقة والعتاقة والدعاء لدفْع العذاب، وكذلك عند سائر الآيات التي هي إنشاء العذاب كالزلزلة، وظهور الكواكب وغير ذلك، وهو أقرب الكواكب التي لها تأثير في الأرض بالترطيب واليبس وغير ذلك». ووجَّهه ابنُ القيم (٣‏/‏٤٠٨) بقوله: «إنْ أراد صاحب هذا القول اختصاص الغاسق بالنجم إذا غرب فباطل، وإنْ أراد: أنّ اسم الغاسق يتناول ذلك بوجه ما؛ فهذا يحتمل أن يدل اللفظ عليه بفحواه ومقصوده وتنبيهه، وأمّا أن يختص اللفظ به فباطل». وعلَّق ابنُ كثير (١٤‏/‏٥٢٤) على القول الرابع بقوله: «وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد...». ثم ذكر حديث عائشة الوارد في أول تفسير الآية. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٧٤٩) العموم، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يُقال: إنّ الله أمر نبيَّه أن يستعيذ من شرِّ ﴿غاسِقٍ﴾ وهو الذي يُظْلِم، يقال: قد غَسَقَ الليل يَغْسِق غُسوقًا: إذا أظلم، ﴿إذا وقَبَ﴾ يعني: إذا دخل في ظلامه؛ والليل إذا دَخَل في ظلامه غاسق، والنجم إذا أفَل غاسق، والقمر غاسقٌ إذا وقب، ولم يَخْصُص بعض ذلك بل عمَّ الأمر بذلك، فكلُّ غاسق فإنه كان يُؤْمَرُ بالاستعاذة من شرِّه إذا وقب». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏٧١٥) عن القتبي وغيره أنّ «الغاسق إذا وقب»: «هو البدر إذا دخل في ساهوره فخسف». واستدل أصحاب القول الثالث بحديث أبي هريرة الوارد في تفسير الآية وفيه: «النجم: الغاسق». واستدل أصحاب القول الرابع بحديث عائشة الوارد في أول تفسير الآية. وعلَّق عليهما ابنُ تيمية (٧‏/‏٣٨٨) بقوله: «وهذا المرفوع قد ظنّ بعض الناس منافاته لمن فسّره بالليل؛ فجعلوه قولًا آخر، ثم فسّروا وقوبه بسكونه. قال ابن قتيبة: ويقال الغاسق: القمر إذا كسف واسوَدّ. ومعنى وقب: دخل في الكسوف، وهذا ضعيف، فإنّ ما قال رسول الله لا يُعارض بقول غيره، وهو لا يقول إلا الحقّ، وهو لم يأمر عائشة بالاستعاذة منه عند كسوفه، بل مع ظهوره، وقد قال الله تعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء:١٢]. فالقمر آية الليل، وكذلك النجوم إنما تطلع فتُرى بالليل، فأمره بالاستعاذة من ذلك أمر بالاستعاذة من آية الليل ودليله وعلامته، والدليل مستلزم للمدلول، فإذا كان شرّ القمر موجودًا فشَرّ الليل موجود، وللقمر من التأثير ما ليس لغيره، فتكون الاستعاذة من الشّرّ الحاصل عنه أقوى، ويكون هذا كقوله عن المسجد المؤسس على التقوى: «هو مسجدي هذا». مع أنّ الآية تتناول مسجد قباء قطعًا. وكذلك قوله عن أهل الكساء: «هؤلاء أهل بيتي». مع أنّ القرآن يتناول نساءه، فالتخصيص لكون المخصوص أولى بالوصف، فالقمر أحقّ ما يكون بالليل بالاستعاذة». ووافقه ابنُ القيم (٣‏/‏٤٠٦، ٤٠٧). وذكر ابنُ كثير (١٤‏/‏٥٢٥) نحو هذا مختصرًا

سورة الإسراء — الآية ١

عن أنس -من طريق ثابت- أنّ رسول الله ﷺ قال: «أُتِيتُ بالبُراق، وهو دابةٌ أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافرَه عند منتهى طرفه، فركِبتُه حتى أتيت بيت المقدس، فربَطتُه بالحلقةِ التي تَربِطُ بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فصلَّيتُ فيه ركعتين، ثم خرجتُ، فجاءني جبريل بإناء مِن خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبَنَ، فقال جبريل: اختَرتَ الفطرة. ثم عرج بنا إلى سماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: مَن أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بآدم، فرحَّب بي، ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا، فإذا أنا بابنَي الخالة؛ عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا، فرحَّبا بي، ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أُعطِي شَطرَ الحسن، فرحَّب بي، ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحَّب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بهارون، فرحَّب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بموسى، فرحَّب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعِث إليه؟ قال: قد بُعِث إليه. ففُتِح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسنِدًا ظهرَه إلى البيت المعمور، وإذا هو يَدخُلُه كلَّ يوم سبعون ألف مَلَكٍ لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورَقُها فيها كآذانِ الفِيَلَة، وإذا ثمرُها كالقِلالِ[[القلال: جمع قُلَّة، وهي الجَرَّة الكبيرة. اللسان (قلل).]]، فلما غَشِيها مِن أمر الله ما غَشِيَ تغيَّرت، فما أحدٌ من خلق الله يستطيع أن ينعتَها من حسنِها، فأوحى إليَّ ما أوحى، وفرض عليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزَلتُ حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فرَض ربُّك على أمَّتِك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجِع إلى ربِّك، فاسأله التخفيف؛ فإنّ أُمَّتَك لا تُطِيقُ ذلك، فإني قد بَلَوتُ بني إسرائيل وخبرتُهم. فرجَعت إلى ربي، فقلت: يا ربِّ، خفِّف عن أُمَّتي. فحَطَّ عني خمسًا، فرجَعتُ إلى موسى، فقلت: حَطَّ عني خمسًا. قال: إنّ أمتَك لا يُطِيقون ذلك، فارجِع إلى ربِّك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجِعُ بين ربِّي وموسى حتى قال: يا محمد، إنهنَّ خمسُ صلوات لكل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن همَّ بحَسَنةٍ فلم يَعمَلها كُتِبت له حسنة، فإن عَمِلها كُتبت له عشرًا، ومن همَّ بسيئة فلم يَعمَلها لم تُكتب شيئًا، فإن عَمِلها كُتبت سيئة واحدة. فنزَلتُ حتى انتهيتُ إلى موسى، فأخبرته، فقال: ارجِع إلى ربك فاسأله التخفيف. فقلت: قد رجَعتُ إلى ربي حتى استَحيَيتُ منه»[[أخرجه مسلم ١/١٤٥-١٤٦ (١٦٢).]][[c=٣٧٨٥]]

أصل الإحصان: المنع والحِفظ، وتستعمله العرب في أربعة أشياء: في الزواج، وفي الحرية، وفي الإسلام، وفي العفة. وعلى ذلك تصرفت اللفظة في كتاب الله عز وجل. وبناء على الاستعمال اللغوي اختلف المفسِّرون في المراد بالمحصنات في قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ على ثمانية أقوال: أولها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. ومعنى الآية: وذوات الأزواج حرام على غير أزواجهن، إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي. وهذا قول عليٍّ، وابن عباس، وأبي قلابة، والزهري، ومكحول، وابن زيد. وثانيها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. ومعنى الآية: وذوات الأزواج حرامٌ على غير أزواجهن، إلا ما ملكت أيمانكم من الإماء بالشراء؛ فبيعُ الأَمَةِ طلاقُها. وهذا قول ابن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن عباس من طريق عكرمة. وثالثها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. غير أنّ الذي حرّم منهن في هذه الآية الزِّنا بِهِنَّ، ولا يُبحْنَ إلا بخُلُوٍّ من زوج أو بملك يمين. وهذا قول ابن عباس من طريق عليّ بن أبي طلحة، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح. ورابعها: أنّ المراد بهن: ذوات الأزواج. ونزلت هذه الآية في نساءٍ كُنَّ هاجَرن إلى رسول الله ﷺ ولهن أزواج، فتزوجهن المسلمون، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنهي المسلمون عن نكاحهن. وهذا قول أبي سعيد الخدريِّ. وخامسها: أنّ المراد بهن: العفائف. ومعنى الآية: والعفائف من النساء حرام عليكم أيضًا، إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو ملك اليمين. وهذا قول عمر، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، وعبيدة السلمانيِّ، وعطاء، والسديِّ. وسادسها: أنّ المراد بهن: العفائف، وذوات الأزواج. ومعنى الآية: والعفائف وذوات الأزواج حرامٌ كلٌّ من الصنفين، إلا ما ملكت أيمانكم بنكاح، أو ملك يمين. وهذا قول الزهريّ. وسابعها: أنّ المراد بهن: الحرائر. وهذا قول عَزْرة. وثامنها: أنّ المراد بهن: نساء أهل الكتاب. وهذا قول أبي مجلز. وذَهَبَ ابنُ كثير (٣‏/‏٤٢٤) إلى القول الأول مستندًا إلى سبب النزول، حيث بَيَّنَ أنّ معناها: «وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات، وهنّ المزوَّجات، ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي؛ فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن؛ فإنّ الآية نزلت في ذلك». وذَهَبَ ابنُ عطية (٢‏/‏٥١٤) إلى القول السادس، وهو أنّ المراد بهن: العفائف وذوات الأزواج، مستندًا إلى العمومِ، حيث قال: «هذا قول حسنٌ، عمَّمَ لفظَ الإحصان، ولفظ ملك اليمين». ورجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٧٥-٥٧٦) أنّ الآية تَعُمُّ كُلَّ ما ذُكِرَ مستندًا إلى العمومِ، وعدم المخصّص. وانتَقَدَ ابنُ جرير (٦‏/‏٥٧٥-٥٧٦ بتصرف) القولَ بأنّ بيع الأمة طلاقها، الذي يفيده القول الثاني؛ استنادًا إلى السُّنَّة، والدلالة العقلية، فقال: «وأما الأَمَة التي لها زوجٌ، فإنها لا تَحِلُّ لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها، أو وفاته وانقضاء عدتها منه. فأمّا بيعُ سيِّدها إيّاها فغيرُ موجِبٍ بينها وبين زوجها فِراقًا ولا تحليلًا لمشتريها؛ لِصِحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ: أنه خَيَّرَ بَرِيرة إذ أعتقتها عائشةُ بين المُقام مع زوجها الذي كان سادَتُها زوَّجوها منه في حال رِقِّها، وبين فراقه، ولو كان عِتقُها وزوالُ مِلك عائشة إيّاها لها طلاقًا لم يكن لتخيير النبيِّ ﷺ إياها بين المقام مع زوجها والفراق معنًى». وزاد ابنُ القيم (١‏/‏٢٧٠-٢٧١): «أنّه لو كان صحيحًا لكان وطؤها حلالًا لسيِّدها إذا زوَّجها؛ لأنها ملك يمينه، فكما اجتمع مِلك سيدها لها وحِلُّها للزوج فكذلك يجتمع مِلْكُ مشتريها لها وحِلُّها للزوج، وتناول اللفظ لهما واحدٌ ما دامت مُزَوَّجة. الثاني: أنّ المشتريَ خليفةُ البائع، فانتقل إليه بعقد الشراء ما كان يملكه بائعُها، وهو كان يملك رقبتها مسلوبةً مَنفَعَة البضع»