أفادت الآثارُ الاختلاف في تأويل قوله تعالى: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشا﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ الحمولة: ما حُمِل عليه مِن كبار الإبل ومسانّها، والفرش: صغارها التي لا يحمل عليها لصغرها. وهذا قول ابن مسعود، وابن عباس من طريق عكرمة، ومجاهد، والحسن من طريق سليمان التيمي. ثانيها: أنّ الحمولة من الإبل، وما لم يكن من الحمولة فهو الفرش. وهذا قول ثانٍ لابن عباس، والحسن من طريق قتادة. ثالثها: أنّ الحمولة: ما حُمِل عليه من الإبل والخيل والبغال وغير ذلك، والفرش: الغنم. وهذا قول الربيع بن أنس، وقتادة، والسديّ، والضحاك، وابن زيد، وهو قولٌ ثالث لابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، والحسن من طريق أبي بكر الهذلي. وحكى ابنُ جرير (٩‏/‏٦٢٢-٦٢٣) قولًا رابعًا، ولم ينسبه، وهو أنّ الحمولة: من البقر، والفرش: الغنم. ثم رجَّحَ استنادًا إلى دلالة اللغة، والعموم أنّ الحمولة صفة صالحة لكل ما حُمِل على ظهره من الأنعام، وكذلك الفرش صفة لما لَطُف فقرب من الأرض جسمه، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الحمولة: هي ما حُمِل من الأنعام؛ لأنّ ذلك من صفتها إذا حملت، لا أنّه اسم لها كالإبل والخيل والبغال، فإذا كانت إنما سُمِّيَت حمولة لأنها تحمل؛ فالواجب أن يكون كل ما حَمَل على ظهره من الأنعام فحمولة، وهي جمع لا واحد لها من لفظها، كالرَّكوبة، والجَزُورة. وكذلك الفرش إنّما هو صفة لما لطُف فقرُب من الأرض جسمه، ويقال له: الفرش. وأحسبها سميت بذلك تمثيلًا لها في استواء أسنانها ولُطْفِها بالفَرْش من الأرض، وهي الأرض المستوية التي يتوطَّؤُها الناس»

سورة المائدة — الآية ٩٠

عن سعيد بن جبير، قال: لَمّا نزَلت في البقرة [٢١٩]: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس﴾ شَرِبها قومٌ لقوله: ﴿ومنافع للناس﴾، وتركها قوم لقوله: ﴿إثم كبير﴾، منهم عثمان بن مظعون، حتى نزَلتِ الآية التي في النساء [٤٣]: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾. فترَكها قومٌ، وشَرِبها قومٌ، يترُكونها بالنهار حين الصلاة، ويَشربونَها بالليل، حتى نزَلتِ الآية التي في المائدة: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ الآية. قال عمر: أقُرِنتِ بالميسِر والأنصاب والأزلام؟! بُعدًا لكِ وسُحقًا. فترَكها الناس، ووقَع في صدور أُناسٍ مِن الناس منها، فجعَل قومٌ يُمرُّ بالراوية من الخمر فتُخرَقُ، فيمُرُّ بها أصحابُها فيقولون: قد كنا نُكرِمُك عن هذا المصرع. وقالوا: ما حُرِّم علينا شيءٌ أشدُّ من الخمر. حتى جعَل الرجلُ يَلقى صاحبَه فيقول: إنّ في نفسي شيئًا. فيقولُ له صاحبُه: لعلك تذكُرُ الخمر؟ فيقول: نعم. فيقول: إنّ في نفسي مثلَ ما في نفسِك. حتى ذكَر ذلك قومٌ، واجتَمعوا فيه، فقالوا: كيف نتكلمُ ورسول الله ﷺ شاهدٌ؟ وخافوا أن يَنزِل فيهم، فأتَوْا رسول الله ﷺ وقد أعدُّوا له حُجَّةً، فقالوا: أرأيتَ حمزةَ بن عبد المطلب، ومصعبَ بن عمير، وعبدَ الله بن جحش، أليسوا في الجنة؟ قال: «بلى». قالوا: أليسوا قد مَضَوا وهم يشربون الخمر؟ فحُرِّم علينا شيءٌ دخَلوا الجنة وهم يشربونه؟ فقال: «قد سمِع الله ما قلتُم، فإن شاء أجابَكم». فأنزل الله: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾. قالوا: انتَهينا. ونزَل في الذين ذكَروا حمزة وأصحابَه: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ الآية

اخْتُلِف في اللاعِنِين؛ فذهب قوم إلى أنهم دواب الأرض وهوامها. وقال آخرون: هم كل ما عدا بني آدم والجن. وقال غيرهم: هم الملائكة والمؤمنون. ورجَّح ابنُ جرير (٢‏/‏٧٣٥) القول الأخير الذي قال به قتادة، والربيع، وأبو العالية، مُسْتَنِدًا إلى القرآن، فقال: «لأنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد وصف الكفار بأنّ اللعنة التي تحل بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين، فقال -تعالى ثناؤه-: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ [البقرة:١٦١]، فكذلك اللعنة التي أخبر الله -جَلَّ ذِكْرُه- أنها نازلة بالفريق الآخر الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس، هي لعنة الله التي أخبر أنّ لعنتهم حالَّةٌ بالذين كفروا وماتوا وهم كفار، وهم اللاعنون؛ لأن الفريقين جميعًا أهلُ كفر». وعَلَّق ابنُ عطية (١‏/‏٣٩٥) على هذا بقوله: «وهذا ظاهرٌ واضحٌ جارٍ على مقتضى الكلام». ويُشْكِل على القول الأول -الذي قال به مجاهد، وعكرمة، وأبو جعفر- جَمْعُ اللاعنين بالواو والنون، وهو خاص بالعقلاء، وهو ما وجَّهه ابن عطية (١‏/‏٣٩٥) مُسْتَنِدًا إلى نظيره بقوله: «وذكروا بالواو والنون كمن يعقل؛ لأنهم أسند إليهم فعل من يعقل، كما قال: ﴿رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف:٤]». وبنحوه وجّهه ابنُ جرير (٢‏/‏٧٣٥). وانتَقَدَه ابنُ جرير مُسْتَنِدًا لمخالفته لظاهر لفظ الآية، وعدم وجود خبر يقطع بصحته. وبنحوه ابنُ عطية (١‏/‏٣٩٥). وانتقد ابنُ عطية القولَ الثانيَ الذي قال به ابن مسعود، والبراء بن عازب، وبمعناهما ما ورد عن ابن عباس، والكلبي، ومقاتل بنفس المستند السابق

وجَّه ابنُ عطية (٤‏/‏٥٤) قول ابن جريج، فقال: «والغضب -على هذا- والذِّلَّة هو عذاب الآخرة». وبيَّن ابنُ جرير (١٠‏/‏٤٦٣) أنّ قول ابن جريج له وجْه، ثُمَّ انتَقَدَه لظاهر اللفظ، وعمومه، وأقوال السلف، فقال: «ظاهِرُ كتاب الله مع تأويل أكثر أهل التأويل بخلافه؛ وذلك أنّ الله عمَّ بالخبر عمَّن اتخذ العجل أنّه سيناله غضب من ربهم وذِلَّة في الحياة الدنيا، وتظاهرت الأخبار عن أهل التأويل من الصحابة والتابعين بأنّ الله -إذ رَجَع إلى بني إسرائيل موسى- تاب على عَبَدة العجل مِن فِعْلهم بما أخبر به عن قيل موسى لهم في كتابه، وذلك قوله: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤]، ففعلوا ما أمرهم به نبيهم عليه السلام، فكان أمْرُ الله إياهم بما أمرهم به من قَتْل بعضهم أنفُسَ بعض عن غضبٍ منه عليهم لعبادتهم العجل، فكان قَتْلُ بعضهم بعضًا هوانًا لهم، وذلةً أذلهم الله بها في الحياة الدنيا، وتوبةً منهم إلى الله قَبِلَها، وليس لأحد أن يجعل خبرًا جاء الكتاب بعمومه في خاصٍّ مِمّا عمَّه الظاهر بغير برهان من حجةِ خبرٍ أو عقل، ولا نعلم خبرًا جاء يوجب نقل ظاهرِ قوله: ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم﴾ إلى باطنٍ خاصٍّ، ولا مِن العقل عليه دليل، فيجب إحالة ظاهره إلى باطنه». ونقل ابنُ عطية عن بعض المفسرين أن «الذِّلَّة: الجِزْية». ووجَّهه بقوله: «ووجْه هذا القول: أنّ الغضب والذِّلَّة بقيت في عَقِب هؤلاء المقصودين بها أولًا، وكأنّ المراد: سينال أعقابهم»

بشرى الآخرة: الجنَّة، قولًا واحدًا. واختُلِف في بُشرى الدنيا على قولين: أولها: أنّها الرؤية الصالحة يراها الرجل المسلم أو تُرى له. وثانيها: أنها بشارة يُبَشَّر بها المؤمن في الدنيا عند الموت. وزاد ابنُ تيمية (٣‏/‏٤٨٩) قولًا ثالثًا، وهو أنّ بشرى الدنيا: ثناء الناس عليه. وزاد ابنُ عطية (٤‏/‏٤٩٩) قولًا رابعًا، وهو أنّ بشرى الدنيا: ما في القرآن مِن الآيات المبشرات. وقال: «ويقْوى ذلك بقوله تعالى في هذه الآية: ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾». ثم علَّقَ قائلًا: «وإن كان ذلك كله يعارضه قول النبي ﷺ: «هي الرؤيا». إلا إن قلنا: إنّ النبي ﷺ أعطى مثالًا مِن البشرى، وهي تعم جميع الناس». وذَهَبَ ابنُ جرير (١٢‏/‏٢٢٥) إلى عموم لفظ البشرى؛ لدلالة القرآن، والسنّة، وعدم المُخصّص، فقال: «وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر أنّ لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومِن البشارة في الحياة الدنيا: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له. ومنها: بشرى الملائكة إيّاه عند خروج نَفْسِه برحمة الله، كما روي عن النبي ﷺ: «أن الملائكة التي تحضره عند خروج نفسه، تقول لنفسه: اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه». ومنها: بشرى الله إيّاه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من الثواب الجزيل، كما قال -جلَّ ثناؤه-: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ الآية [البقرة:٢٥]، وكل هذه المعاني من بشرى الله إيّاه في الحياة الدنيا بشَّره بها، ولم يخصُص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمَّه -جل ثناؤه- أنّ لهم البشرى في الحياة الدنيا، وأما في الآخرة فالجنة»

اختُلِف في تأويل قوله تعالى: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا﴾ على أربعة أقوال: الأول: أنه ليس له قدرة على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. والثاني: أنه ليس له حجة على ما يدعوهم إليه من المعاصي. والثالث: أنه ليس له عليهم سلطان؛ لاستعاذتهم بالله منه. والرابع: أنه ليس له عليهم سلطان بحال؛ لأن الله تعالى صرف سلطانه عنهم. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤‏/‏٣٦٠) القولَ الثالثَ استنادًا إلى السياق، والنظائر، وقال مُعَلِّلًا اختياره: «إنما قلنا ذلك أولى التأويلات بالآية لأن الله -تعالى ذكره- أتبع هذا القولَ: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾، وقال في موضع آخر: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه سميع عليم﴾ [الأعراف:٢٠٠]، فكان بيِّنًا بذلك أنه إنما ندب عباده إلى الاستعاذة منه في هذه الأحوال؛ ليعيذهم من سلطانه». والظاهر من كلام ابن عطية (٥‏/‏٤٠٧) أنه اختار الأول، واستدرك على الثاني استنادًا إلى القرآن، حيث قال: «أخبر الله تعالى أن إبليس ليس له ملكة ولا رياسة، هذا ظاهر»السلطان«عندي في هذه الآية، وذلك أن»السلطان«إن جعلناه»الحجة«فليس له حجة في الدنيا على أحد لا مؤمن ولا كافر، اللهم إلا أن يتأوَّلَ متأوِّل: ليس له سلطان يوم القيامة. فيستقيم أن يكون بمعنى الحجة؛ لأن إبليس له حجة على الكافرين أنه دعاهم بغير دليل فاستجابوا له مِن قِبَل أنفسهم، وهؤلاء الذين لا سلطان ولا رياسة لإبليس عليهم هم المؤمنون أجمعون؛ لأن الله لم يجعل سلطانه إلا على المشركين الذين يتولونه، والسلطان منفي هاهنا في الإشراك؛ إذ له عليهم ملكة ما في المعاصي، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ [الحجر:٤٢]، وهم الذين قال إبليس فيهم: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ [الحجر:٤٠]». غير أنه ذكر له وجْهًا يمكن أن يحمل عليه، فقال: «اللهم إلا أن يتأوَّلَ متأوِّل: ليس له سلطان يوم القيامة. فيستقيم أن يكون بمعنى الحجة؛ لأن إبليس له حجة على الكافرين أنه دعاهم بغير دليل فاستجابوا له مِن قِبَل أنفسهم». ورَجَّحَ ابنُ القيم (٢‏/‏١٢٦) القول الرابع استنادًا إلى القرآن، فقال: «الصواب: أن يقال: ليس له طريق يتسلط به عليهم، لا من جهة الحجة، ولا من جهة القدرة. والقدرة داخلة في مسمى السلطان، وإنما سميت الحجة: سلطانًا؛ لأن صاحبها يتسلط بها تسلط صاحب القدرة بيده، وقد أخبر سبحانه أنه لا سلطان لعدوه على عباده المخلصين المتوكلين، فقال في سورة الحجر [٣٩-٤٢]: ﴿قالَ رَبِّ بما أغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ ولأغْوِيَنّهُمْ أجْمَعِينَ إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المخْلَصِينَ قالَ هذا صِراطٌ عَلىَّ مُسْتَقِيمٌ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾، وقال في سورة النحل: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكّلُونَ * إنّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلّوْنَهُ والَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشرِكُونَ﴾، فتضمن ذلك أمرين: أحدهما: نفي سلطانه، وإبطاله على أهل التوحيد والإخلاص. والثاني: إثبات سلطانه على أهل الشرك، وعلى مَن تولاه»

وجَّه ابنُ جرير (١‏/‏٦١٧) تفسير الصبر بالصوم بقوله: «والصوم بعض معاني الصبر... وأصل الصبر: منع النفس محابَّها، وكفها عن هواها؛ ... وقيل لشهر رمضان: شهر الصبر؛ لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارًا». ووجَّهه ابنُ عطية (١‏/‏٢٠١) فقال: «وخصَّ الصوم والصلاة على هذا القول بالذكر لتناسبهما في أنّ الصيام يمنع الشهوات ويُزَهِّد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر... ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر بالآخرة». ووجَّهه ابنُ تيمية (١‏/‏٢٠٥-٢٠٦) بقوله: «لأن الصائم يصبر نفسه عن شهواتها». ورجَّح ابنُ جرير (١‏/‏٦١٧) العموم في معنى الصبر، فقال: «وقد قيل: إن معنى الصبر في هذا الموضع: الصوم، والصوم بعض معاني الصبر عندنا، بل تأويل ذلك عندنا: أنّ الله -تعالى ذكره- أمرهم بالصبر على كلِّ ما كرهته نفوسهم من طاعة الله، وترك معاصيه». ونقل ابنُ عطية (١‏/‏٢٠٠-٢٠١) قولين آخرين: الأول: «استعينوا بالصبر على الطاعات وعن الشهوات، على نيل رضوان الله، وبالصلاة على نيل الرضوان وحط الذنوب، وعلى مصائب الدهر أيضًا». ثم علَّق عليه بقوله: «ومنه الحديث: كان رسول الله ﷺ إذا كربه أمر فزع إلى الصلاة. ومنه ما رُوِي: أنّ عبد الله بن عباس نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر، فاسترجع، وتنحى عن الطريق، وصلى، ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾». والثاني: «الصبر على بابه، والصلاة الدعاء». وعلَّق عليه بقوله: «وتجيء هذه الآية على هذا القول مشبهة لقوله تعالى: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال:٤٥]؛ لأنّ الثبات هو الصبر، وذكر الله هو الدعاء»

رجَّح ابنُ القيم (١‏/‏٤٢١-٤٢٢) تفسير الميثاق بالفطرة؛ مستندًا إلى السنة، ودلالة العقل، وظاهر اللفظ، والنظائر، فقال: «وأحسن ما فسرت به الآية قوله ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، ويُنَصِّرانه». فالميثاق الذي أخذه سبحانه عليهم، والإشهاد الذي أشهدهم على أنفسهم، والإقرار الذي أقروا به؛ هو الفطرة التي فُطِروا عليها؛ لأنه سبحانه احتج عليهم بذلك، وهو لا يحتج عليهم بما لا يعرفه أحدٌ منهم ولا يذكره، بل بما يشتركون في معرفته والإقرار به. وأيضًا فإنّه قال: ﴿وإذْ أخَذَ ربك منْ بني آدَمَ مِن ظُهورِهمْ ذريتهُمْ﴾ ولم يقل: من آدم، ثم قال: ﴿من ظهورهم﴾، ولم يقل: من ظهره، ثم قال: ﴿ذريتهم﴾ ولم يقل: ذريته، ثم قال: ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم﴾ وهذا يقتضي إقرارهم بربوبيته إقرارًا تقوم عليهم به الحجة. وهذا إنما هو الإقرار الذي احتج به عليهِم على ألسنة رسله كقوله تعالى: ﴿ولَئنْ سألْتهَمْ منْ خَلَقَهمْ لَيقوِلُن الله﴾ [الزخرف:٨٧]، ﴿ولَئنْ سَألْتَهُمْ من خَلَقَ السموات والأرْضَ ليَقُولُن الله﴾ [لقمان:٢٥، والزمر:٣٨]... يحتج عليهم بما فُطِروا عليه من الإقرار بربهم وفاطرهم، ويدعوهم بهذا الإقرار إلى عبادته وحده وألّا يشركوا به شيئًا، هذه طريقة القرآن، ومن ذلك هذه الآية... ولهذا قال في آخرها: ﴿أن تُقولُوا يَوِمَ القيامَة إنا كنا عَن هذا غافلينَ أو تَقُولُوا إنما أشرَكَ آباونا مَن قبل وكنا ذُرية منْ بعْدهم أفتهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطَلَونَ﴾، فاحتج عليهم بما أقرُّوا به من ربوبيته على بطلان شركهم وعبادة غيره، وألّا يعتذروا؛ إمّا بالغفلة عن الحق، وإمّا بالتقليد في الباطل»

سورة التوبة — الآية ١٢٩

عن زيد بن ثابت -من طريق ابن السَّبّاقِ- قال: أرسل إلَيَّ أبو بكر مَقتلَ أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني، فقال: إنّ القتل قدِ اسْتَحَرَّ يومَ اليمامة بالناس، وإنِّي أخشى أن يَسْتَحِرَّ القتلُ بالقُرّاءِ في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني أرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلتُ لعمر: كيف أفعلُ شيئًا لم يفعله رسولُ الله ﷺ؟! فقال عمر: هو -واللهِ- خيرٌ. فلَمْ يزل عمرُ يُراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيتُ الذى رأى عمر. قال زيد بن ثابت: وعمر جالسٌ عنده لا يتكلم. فقال أبو بكر: إنّك رجلٌ شابٌّ عاقِلٌ ولا نَتَّهمك، كنت تكتب الوحيَ لرسول الله ﷺ؛ فتَتَبَّعِ القرآنَ فاجْمَعْهُ. فواللهِ، لو كلَّفونى نقل جَبَل مِن الجبال ما كان أثقل عَلَيَّ مما أمرانى به مِن جمع القرآن، قلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟! فقال أبو بكر: هو -واللهِ- خير. فلم أزل أُراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فقمتُ، فتَتَبَّعْتُ القرآنَ أجمعه مِن الرِّقاع، والأكتاف، والعُسُب، وصدور الرجال، حتى وجدتُ مِن سورة التوبة آيتين معَ خزيمة بن ثابت الأنصارى، لم أجدهما معَ أحدٍ غيره: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ إلى آخرهما، وكانت الصحف التى جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حتى توفّاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر

سورة البقرة — الآية ٣٦

قال محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- في ذلك: الله أعلم، أكَما قال ابن عباس وأهل التوراة، أم أنه خَلَص إلى آدم وزوجته بسُلْطانه الذي جعل الله له؛ ليبتلي به آدم وذريته؟ وأنه يأتي ابن آدم في نومته، وفي يقظته، وفي كل حال من أحواله، حتى يخلص إلى ما أراد منه، حتى يدعوه إلى المعصية، ويوقع في نفسه الشهوة وهو لا يراه، وقد قال الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿فوسوس لهما الشيطان﴾، ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾. وقال: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾ [الأعراف:٢٧]. وقد قال الله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس﴾ [الناس:١-٢] إلى آخر السورة. ثم ذكر الأخبار التي رُوِيت عن النبي ﷺ أنّه قال: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مَجْرى الدَّم». ثم قال ابنُ إسحاق: وإنما أمر ابن آدم فيما بينه وبين عدو الله كأمره فيما بينه وبين آدم، فقال الله: ﴿فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ [الأعراف:١٣]. ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى كَلَّمَهما، كما قَصَّ الله علينا من خبرهما، قال: ﴿فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ [طه:١٢٠]. فخلص إليهما بما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه، فالله أعلم أيّ ذلك كان، فتابا إلى ربهما