ذكر ابنُ كثير (١١/١٣٢) أن هؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هِيَ بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾: «لو دخل عليهم الأعداء مِن كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة -وهي الدخول في الكفر- لكفروا سريعًا، وهم لا يحافظون على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع». ثم علَّق على هذا المعنى بقوله: «وهذا ذمٌّ لهم في غاية الذم»
عن النواس بن سمعان، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد اللهُ أن يوحي بأمر تكلّم بالوحي، فإذا تكلّم بالوحي أخذت السماوات رجفةٌ شديدة مِن خوف الله، فإذا سمع بذلك أهلُ السموات صَعقوا، وخرّوا سُجّدًا، فيكون أول مَن يرفع رأسه جبريل، فيكلّمه الله مِن وحيه بما أراد، فيمضي به جبريلُ على الملائكة، كلمّا مرَّ بسماء سماء سأله ملائكتُها: ماذا قال ربُّنا، يا جبريل؟ فيقول: قال الحق، وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله مِن السماء والأرض»
عن مجاهد بن جبر، قال: كان رسول الله ﷺ بعُسْفان، والمشركون بضَجَنان، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر، ورآه المشركون يركع ويسجد؛ ائتمروا أن يُغِيرُوا عليه، فلمّا حضرت العصر صفَّ الناسُ خلفه صفَّين، فكبَّر، وكبَّروا جميعًا، وركع، وركعوا جميعًا، وسجد، وسجد الصفُّ الذين يلونه، وقام الصف الثاني الذين بسلاحهم مُقْبِلين على العدوِّ بوجوههم، فلما رفع النبي ﷺ رأسَه سجد الصفُّ الثاني، فلما رفعوا رؤوسهم ركع، وركعوا جميعًا، وسجد، وسجد الصف الذين يلونه، وقام الصف الثاني بسلاحهم مقبلين على العدو بوجوههم، فلمّا رفع النبي ﷺ رأسَه سجد الصفُّ الثاني. قال مجاهد: فكان تكبيرهم وركوعهم وتسليمه عليهم سواء، وتناصفوا في السجود. قال مجاهد: فلم يُصَلِّ رسول الله ﷺ صلاة الخوف قبل يومه ولا بعده
ذكر ابنُ عطية (٦/٤١٢) قولًا عن بعض الناس: بأنّ هذه الآية منسوخة بآية الاستئذان الذي أُمِر به الناس، وهي قوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور:٢٧]، فقالوا: إذا كان الإذن محجورًا فالطعام أحرى. وذكر أيضًا عن فرقة نسخًا بيْن هذه الآية وبيْن قوله تعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ﴾ [البقرة:١٨٨]. ثم انتقد (٦/٤١٣) كلا القولين بأن «النسخ لا يتصور في شيءٍ من هذه الآيات، بل هي كلها محكمة». وبيَّن ذلك بقوله: «أما قوله تعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ﴾ ففي التعدِّي والخدع والغرر واللهو والقمار ونحوه، وأما هذه الآية ففي إباحة طعام هذه الأصناف التي يَسُرُّها استباحة طعامها على هذه الصفة، وأما آية الإذن فعِلَّة إيجاب الاستئذان خوف الكشف، فإذا استأذن الرجل خوف الكشفة، ودخل المنزل بالوجْه المباح صحَّ له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة، وليس يكون في الآيات نسخٌ، فتأمله»
عن أبي سيّار السُّلَمِيِّ -من طريق عبد الرحمن بن زياد- قال: إنّ الله -تبارك وتعالى- جعل آدم وذرِّيته في كَفِّه، فقال: ﴿يا بني آدم إما يأتينكُم رسلٌ منكُم يقُصُّون عليكم آياتي فمن اتَّقى وأصْلَحَ فلا خوفٌ عليهمْ ولا هُم يحزنُون﴾. ثم نظر إلى الرسل، فقال: ﴿يا أيها الرُّسُلٌ كُلُوا مِن الطَّيباتِ واعملُوا صالحًا إني بما تعملون عليم* وإنّ هذه أمَّتكم أمَّة واحدةً وأنا ربُّكم فاتقونِ﴾ [المؤمنون:٥١-٥٢]. ثُمَّ بَثَّهم
قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿وما كان ربك مهلك القرى﴾ يعني: معذب القرى، يعني: هذه الأمة ﴿حتى يبعث في أمها﴾ يعني: مكة، وأمها مكة، وهي أم القرى، والرسول محمد ﷺ. وقال في آية أخرى مدنية في النحل [١١٢-١١٣] بعد هذه الآية: ﴿وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا﴾، والرغد لا يحاسبها أحد بما رزقها الله، قال: ﴿من كل مكان فكفرت بأنعم الله﴾ يعني: كفر أهلها، وهي مكية، ﴿فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون(١١٢) ولقد جاءهم رسول منهم﴾ محمد ﷺ ﴿فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون﴾
عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: ثم إنّ نمرود كفَّ عن إبراهيم، ومنعه الله منه، واستجاب لإبراهيم رجالٌ مِن قومه حيث رأوا ما صنع اللهُ -تبارك وتعالى- به على خوفٍ من نمرود [و]ملئهم، فآمن له لوط، وكان ابنَ أخيه، وآمنت به سارةُ، وكانت بنتَ عمه، ثم خرج إبراهيم عليه السلام مهاجرًا إلى ربه، وخرج معه لوط مهاجرًا، وتزوج سارةَ بنت عمه، فخرج بها يلتمس الفرار بدينه والأمانة على ربه، حتى نزل حرّان، فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثم خرج منها مهاجرًا حتى قدم مصر، وبها فرعون من الفراعنة الأولى، وكانت سارةُ مِن أحسن الناس فيما يُقال، وكانت لا تعصي إبراهيمَ شيئًا، ولذلك أكرمها الله
وجَّه ابنُ جرير (١٠/٢٣٤) معنى الآية على قول ابن عباس، فقال: «فتأويلُ الكلام على هذا التأويل الذي ذكرنا عن عبد الله بن عباس، ومَن ذكرنا قوله فيه: قال اللهُ لأهل التكبر عن الإقرار بوحدانية الله والإذعان لطاعته وطاعة رسله الجامعين في الدنيا الأموال مكاثرة ورياء: أيها الجبابرة الذين كانوا في الدنيا، أهؤلاء الضعفاء الذين كنتم في الدنيا أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؟ قال: قد غفرتُ لهم، ورحمتهم بفضلي ورحمتي، ادخلوا -يا أصحاب الأعراف- الجنة، لا خوف عليكم بعدها من عقوبة تُعاقَبون بها على ما سلف منكم في الدنيا من الآثام والإجرام، ولا أنتم تحزنون على شيء فاتكم في دنياكم»
عن أبي إسحاق الهمداني، قال: قال علي بن أبي طالب: لَمّا قتل ابنُ آدم أخاه بكى آدمُ، فقال: تغيَّرت البلادُ ومَن عليها فلون الأرض مُغْبَرٌّ قبيح تغيَّر كلُّ ذي لَوْنٍ وطَعْمٍ وقلَّ بشاشةُ الوجهِ المليحِ فأُجيب آدم عليه السلام: أبا هابيل قد قُتِلا جميعًا وصار الحيُّ كالميت الذبيح وجاء بشرَّةٍ قد كان منها على خوف فجاء بها يصيح
اختلف في معنى: ﴿الحَزَن﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: عُنِيَ به خوف النار. الثاني: أنه حَزَن الموت. الثالث: حزن الجوع. الرابع: أنه التعب الذي كانوا فيه في الدنيا. الخامس: أنه الذي ينال الظالم لنفسه في موقف القيامة. ورجَّح ابنُ جرير (١٩/٣٧٩) مستندًا إلى دلالة العموم شمول معنى الآية لجميع الأقوال، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله -تعالى ذِكْره- أخبر عن هؤلاء القوم الذين أكرمهم بما أكرمهم به، أنهم قالوا حين دخلوا الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾. وخوف دخول النار من الحَزَن، والجَزَع من الموت من الحزن، والجَزَع من الحاجة إلى المطْعَم من الحزن، ولم يَخْصُصِ الله -إذ أخبر عنهم أنهم حمِدوه على إذهابه الحَزَن عنهم- نوعًا دون نوع، بل أخبر عنهم أنهم عَمُّوا جميع أنوع الحزن بقولهم ذلك، وكذلك ذلك؛ لأن من دخل الجنة فلا حَزَن عليه بعد ذلك، فحَمْدُهم اللهَ على إذهابه عنهم جميع معاني الحَزَن». ووافقه ابنُ عطية (٧/٢٢٢)، فقال: «و﴿الحَزَن﴾ في هذه الآية عامٌّ في جميع الأحزان». ثم ذكر قول أبي الدرداء، وابن عباس من طريق أبي الجوزاء، وعطية، وقتادة من طريق سعيد، ثم وجَّه قولهم بقوله: «وقيل غير هذا مما هو جزء من الحزن». ثم علَّق قائلًا: «ولا معنى لتخصيص شيءٍ من هذه الأحزان؛ لأن الحزن أجمع قد ذهب عنهم»