عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء الخراساني، عن عكرمة- قوله عز وجل: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين﴾ [التوبة:٤٤]، وقال: ﴿إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾ [التوبة:٤٥]، فنسختها الآية التي في سورة النور، فقال: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا﴾
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي عن أبي صالح، ومن طريق أبي بكر الهذلي وأيوب عن عكرمة، ومن طريق سليمان التيمي عمَّن حدثه عن ابن عباس- أنّ رسول الله ﷺ قرأ سورة النجم وهو بمكة، فأتى على هذه الآية: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم:١٩-٢٠]. فألقى الشيطان على لسانه: إنّهُنَّ الغرانيق العُلى. فأنزل الله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي﴾ الآية
قال مقاتل بن سليمان: ثم نعت المؤمنين، فقال: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأَحْزابَ﴾ يوم الخندق أبا سفيان وأصحابه، وأصابهم الجهد، وشدة القتال؛ ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ في البقرة [٢١٤] حين قال: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، وقالوا: ﴿وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ما قال في سورة البقرة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وقالُوا﴾ لموسى: ﴿يا أيُّهَ السّاحِرُ ادْعُ﴾ يقول: سل ﴿لَنا رَبَّكَ﴾. فلم يفعل، وقال: تسمّوني ساحرًا! وقال في سورة الأعراف [١٣٤]: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أن يكشف عنا العذاب ﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ يعني: مؤمنين لك. وكان الله تعالى عهد إلى موسى عليه السلام لئن آمنوا كشف عنهم، فذلك قوله: ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ إنْ آمنّا كشف عنا العذاب، فلما دعا موسى ربَّه كشف عنهم، فلم يؤمنوا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما أصابَ﴾ ابنُ آدم ﴿مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني: ومَن يُصدِّق بالله في المُصيبة، ويَعلَم أنّ المُصيبة من الله، ويُسلّم لأمر الله؛ يَهْده الله تعالى للاسترجاع، فذلك قوله: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ للاسترجاع. يقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. وفي سورة البقرة [١٥٧] يقول: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ للاسترجاع. ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من هذا ﴿عَلِيمٌ﴾
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾، قال: هي رخصة من الله؛ كان قد أنزل في سورة آل عمران [١٠٢]: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾، وحقّ تُقاته أن يطاع فلا يُعصى، ثم خَفّف عن عباده، فأنزل الرخصة، قال: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأَطِيعُوا﴾ قال: والسمع والطاعة فيما استطعتَ، يا ابن آدم، عليها بايع النبيُّ ﷺ أصحابَه على السمع والطاعة فيما استطاعوا
انتَقَدَ ابنُ جرير (٤/١٣) قولَ السُّدِّيِّ مُستندًا إلى عدم وجود دليل يشهد لقوله، فقال: «وأمّا الذي ذكرنا عن السدي من أنّ هذه الآية نزلت قبل نزول كفارات الأيمان؛ فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة، والخبرُ عَمّا كان لا تُدْرَكُ صِحَّتُه إلا بخبر صادق، وإلا كان دعوى لا يتعذر مثلها وخلافها على أحد. وغير محال أن تكون هذه الآية نزلت بعد بيان كفارات الأيمان في سورة المائدة»
علَّقَ ابن كثير (٧/٤٢) على قول عبد الرحمن بن جبير بقوله: «وهذا غريب، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه، أو أنه أراد أن الآية تعمّ هذا كله، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم». واسْتَدْرَكَ ابن عطية (٤/١٥٨بتصرف) على هذا القول بقوله: «هذا فاسدٌ... ، والصحيح في قتل ابن أبي الحقيق غير هذا»
أفادت الآثار أنّ الآيات الخمس الأولى من سورة العلق هي أول آيات القرآن نزولًا. وقد ذكر ذلك ابنُ عطية (٨/٦٥١)، وذكر قولين آخريين، فقال: «ورُوي من طريق جابر بن عبد الله أنّ أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾. وقال أبو مَيْسرة عمرو بن شرحبيل: أول ما نزل فاتحة الكتاب». ثم رجّح -مستندًا إلى السنة- القول الأول، فقال: «والقول الأول أصح، والترتيب في إخبار النبي ﷺ يقتضي ذلك»
عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ ذا القرنين لما بلغ الجبل الذي يقال له: قاف؛ ناداه ملَك من الجبل: أيها الخاطئ ابن الخاطئ، جئت حيث لم يجئ أحد قبلك، ولا يجيء أحد بعدك. فأجابه ذو القرنين: وأين أنا؟ قال له الملك: أنت في الأرض السابعة. فقال له ذو القرنين: ما ينجيني؟ قال: ينجيك اليقين. فقال ذو القرنين: اللهم، ارزقني يقينًا. فأنجاه الله. قال له الملَك: إنك ستأتي إلى قوم لتبني لهم سدًّا، فإذا أنت بنيته وفرغت منه فلا تُحَدِّث نفسك أنك بنيته بحول منك أو قوة، فيسلط الله على بنيانك أضعف خلقه فيهدمه. ثم قال له ذو القرنين: ما هذا الجبل؟ فقال له: قاف. وهو أخضر، والسماء بيضاء، وإنما خضرتها من هذا الجبل، وهذا الجبل أمُّ الجبال كلها، والجبال كلها من عروقه، فإذا أراد الله أن يزلزل قريةً حرَّك مِنه عِرْقًا. ثم إنّ الملَك ناوله عُنقودًا من عنب، وقال له: حَبَّة ترويك، وحَبَّة تُشْبِعك، وكلما أخذت منه حَبَّةً عادت مكانها حَبَّةٌ. ثم خرج من عنده، فجاء البنيان الذي أراد الله، فقالوا له: ﴿يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض﴾ إلى قوله: ﴿أجعل بينكم وبينهم ردما﴾. قال عكرمة: هم منسك، وناسك، وتاويل، وراحيل. وقال أبو سعيد: هم خمسة وعشرون قبيلة مِن وراء يأجوج ومأجوج