اختلف في تفسير قوله: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ على أربعة أقوال: الأول: هو آيات الفرائض التي في أول هذه السورة. والثاني: آيات الفرائض التي في آخر سورة النساء. والثالث: هي ما في أول السورة من قوله: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ [النساء:٣]. والرابع: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ في قوم من أصحابه، سألوه عن أشياء من أمر النساء، وتركوا المسألة عن أشياء أخر كانوا يفعلونها، فأفتاهم الله فيما سألوا عنه، وفيما تركوا المسألة عنه. ورجَّح ابنُ جرير (٧‏/‏٥٤٠-٥٤١) أنها الفرائض التي في أول السورة وآخرها، وانتَقَد القول الثالث مستندًا إلى دلالة العقل، والسياق، فقال: «لأن الصَّداق ليس مما كُتب للنساء إلا بالنكاح، فما لم تُنكح فلا صداق لها قِبَل أحدٍ، وإذا لم يكن ذلك لها قِبَل أحدٍ لم يكن مما كتب لها، وإذا لم يكن مما كُتِب لها لم يكن لقول قائل: عنى بقوله: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب﴾: الإقساطَ في صدقات يتامى النساء. وجْهٌ؛ لأن الله قال في سياق الآية مبيِّنًا عن الفتيا التي وعَدنا أن يُفتيناها: ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن﴾، فأخبر أن بعض الذي يفتينا فيه من أمر النساء أمرُ اليتيمة المَحُولِ بينها وبين ما كتب الله لها. والصداق قبل عقد النكاح ليس مما كتب الله لها على أحد؛ فكان معلومًا بذلك أن التي عنى بهذه الآية هي التي قد حِيل بينها وبين الذي كُتب لها مما يتلى علينا في كتاب الله أمره. فإذا كان ذلك كذلك كان معلومًا أنّ ذلك هو الميراث الذي يوجبه الله لهن في كتابه». وعلَّق (٧‏/‏٥٣٨) على الأقوال الثلاثة الأولى بقوله: «فعلى هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها»ما«التي في قوله: ﴿وما يتلى عليكم﴾ في موضع خفض بمعنى العطف على»الهاء والنون«التي في قوله: ﴿يفتيكم فيهن﴾، فكأنهم وجَّهوا تأويل الآية: قل الله يفتيكم أيها الناس في النساء وفي ما يتلى عليكم في الكتاب»

سورة البقرة — الآية ١٠٢

عن الحسن البصري -من طريق قتادة- أنّ صخرًا المارِد حين كان غلب على ملك سليمان، فلما فطن له الناس كتب كتاب السحر، ودعا الشياطينَ، فأخبرهم أنه قد غلب سليمانَ على ملكه، وأنه يلقي خاتمه في البحر فلا يقدر عليه، ويستريحوا منه، وأن هذا كتابًا كتبه فيه أصناف السحر، وختمه بخاتم سليمان، وإني أدفنه تحت كرسيه، وكتب في عنوانه: هذا ما كتب آصَف بن بَرْخِيا الصِّدِّيق للملك سليمان بن داود من العلم. فلما مات سليمان جاءت الشياطين في صورة الإنس، فقالوا لبني إسرائيل: إن لسليمان كنزًا من دفائن من كنوز العلم، كان يعمل به هذه العجائب، فهل لكم فيه؟ قالوا: نعم. فحفروا ذلك الموضع، واستخرجوا ذلك الكتاب، فلما نظروا فيه أنكر الأحبار ذلك، وقالوا: ما هذا من أمر سليمان. وأخذه قوم، وقالوا: والله ما كان سليمان يعمل إلا بهذا. ففشا فيهم السحر، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود. فلَمّا ذَكر الله لرسوله أمْرَ سليمان، وأنزل عليه في سليمان في المرسلين، وعدّه فيهم، قال مَن كان بالمدينة من اليهود: ألا تعجبون من محمد ﷺ، يزعم أن سليمان كان نبيًّا! والله ما كان إلا ساحرًا. فأنزل الله عز وجل فيما قالوا: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾ يقول: ما كتبت الشياطين -يعني: أيام غلب صخر سليمان على ملكه-، ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾ هم كتبوا السحر، وما عمل سليمان بالسحر، ﴿وما أنزل﴾ السحر ﴿على الملكين ببابل هاروت وماروت﴾ حتى فرغ من قصتهما

سورة الأنبياء — الآية ٦٩

عن سعيد بن جبير، ومقاتل -من طريق إسحاق بن بشر- قالا: إنّ أولَ مَنِ اتَّخذ المنجنيقنمروذ، وذلك أنّ إبليس جاءهم لَمّا لم يستطيعوا أن يَدْنوا مِن النار، قال: أنا أدُلُّكم. فأخذ لهم المنجنيق، وجيء بإبراهيم، فخلعوا ثيابه، وشدُّوا قِماطَه، فوُضِع في المنجنيق، فبَكَتِ السمواتُ والأرضُ والجبالُ والشمسُ والقمرُ والعرشُ والكرسيُّ والسحابُ والريحُ والملائكةُ، كلٌّ يقول: يا ربِّ، إبراهيمُ عبدك بالنار يُحْرَق؛ فأْذَنْ لنا في نُصْرَتِهِ. فقالت النارُ، وبَكَتْ: يا ربِّ، سخرتني لبني آدم، وعبدك يُحْرَقُ بي! فأوحى إليهم: إنّ عبدي إيّاي عَبَدَ، وفي حُبِّي أُوذِي، إن دعاني أجبتُه، وإن استنصركم انصروه. فلمّا رُمِيَ استقبله جبريلُ بين المنجنيق والنار، فقال: السلام عليك، يا إبراهيم، أنا جبريلُ، ألك حاجةٌ؟ فقال: أمّا إليك فلا حاجة، حاجتي إلى الله ربي. فلمّا أن قُذِفَ سبقه إسرافيل؛ فسلَّط النارَ على قماطه، وقال الله تعالى: ﴿يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾. فلو لم يُخْلَط بالسلام [لَكَزَّ] فيها بردًا، ودخل جبريل، وأنبت الله حوله روضةً خضراء، وبسط له بساط مِن دُرِّ الجنة، وأُتِي بقميص مِن حُلَلِ جنَّة عدن، فأُلْبِس، وأُجْرِي عليه الرِّزْقُ غُدْوَةً وعَشاءً، إسرافيل عن يمينه، وجبريل عن يساره، حتى رأى الملِكُ الرؤيا، ورأى الناسُ الرؤيا، فأكثروا القول فيه

أفادت الآثارُ الاختلافَ في إحكام هذه الآية، والمأمور بها، على ثلاثة أقوال: أولها: أنّ الآية محكمة، والمأمور بها ورثة الميت. وثانيها: أنها منسوخة بالمواريث والوصية. وثالثها: أنها محكمة، والمأمور بها المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية. واختلف أصحاب القول الأول: هل الأمر في الآية على جهة الوجوب أو الندب؟ قولان، ذكرهما ابن عطية (٢‏/‏٤٧٥)، وابن كثير (٣‏/‏٣٦٠). واختلف القائلون بالوجوب فيما إذا كان الوارث صغيرًا لا يتصرف في ماله: هل يعطي وليّ الوارث الصغير من مال وليه، أو ليس له ذلك؛ لأنه غير مالك للمال، ولكنه يقول لهم قولًا معروفًا؟ قولان، ذكرهما ابن جرير (٦‏/‏٤٤١-٤٤٤)، وابن عطية (٢‏/‏٤٧٥). واختلف القائلون بإحكام الآية في المخاطب بقوله تعالى: ﴿وقولوا لهم قولًا معروفًا﴾ -بناء على ماسبق- فقيل: هم ولاة اليتامى. وقيل: هم المحتضرون الذين يُوصون فِي مالِهم. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦‏/‏٤٣٨) استنادًا إلى السياق القولَ الثالثَ أنّها محكمة، والمأمور بها المحتضرون الذين يقسمون أموالهم بالوصية. وهو قول عائشة، وسعيد بن المسيب، وابن زيد. وانتَقَدَ القولَ بالنسخ -وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي مالك، والضحاك، وقول لابن عباس-؛ لعدم الدليل عليه، ولإمكان الجمع بين هذه الآية وآية المواريث. وقال مُبَيّنًا معناها: «إنّما عنى بها الوصيةَ لأولي قربى الموصي، وعنى باليتامى والمساكين: أن يقال لهم قول معروف». واسْتَدْرَكَ ابنُ عطية (٢‏/‏٤٧٦) على المعنى الذي قاله ابن جرير للآية، فقال: «الضمير في قوله: ﴿فارزقوهم﴾ وفي قوله: ﴿لهم﴾ عائد على الأصناف الثلاثة، وغير ذلك مِن تفريق عود الضميرين -كما ذهب إليه الطبري- تحَكُّمٌ». وكذلك فعل ابنُ كثير (٣‏/‏٣٦٣)، فقال: «وقد اختار ابن جرير هاهنا قولًا غريبًا جِدًّا، وحاصله: أنّ معنى الآية عنده ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ أي: وإذا حضر قسمةَ مال الوصية أولو قرابة الميت ﴿فارْزُقُوهُمْ مِنهُ وقُولُوا لَهُمْ﴾ لليتامى والمساكين إذا حضروا ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ هذا مضمون ما حاوله بعد طُول العبارة والتكرار، وفيه نظر»

سورة المائدة — الآية ٩٠

عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: نزَلت هذه الآية: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية، فلم يزالوا بذلك يشرَبونها، حتى صنَع عبدُ الرحمن بن عوف طعامًا، فدَعا ناسًا فيهم عليُّ بن أبي طالب، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾، فلم يَفهَمها، فأنزَل اللهُ يشدِّدُ في الخمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾. فكانت حلالًا، يشرَبونها من صلاة الغداة حتى يرتفعَ النهار، فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مُصْحُون، ثم لا يشربونها حتى يصلُّوا العَتَمة، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صَحَوا، فلم يزالُوا بذلك يشرَبونها، حتى صنَع سعدُ بن أبي وقاص طعامًا، فدعا ناسًا فيهم رجلٌ من الأنصار، فشوى لهم رأسَ بعير، ثم دعاهم عليه، فلما أكَلوا وشرِبوا من الخمر سكِروا، وأخذوا في الحديث، فتكلم سعدٌ بشيءٍ، فغَضِب الأنصاريُّ، فرفَع لَحْيَ البعير، فكسَر أنفَ سعد؛ فأنزَل الله نسخَ الخمر وتحريمها: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾

سورة العنكبوت — الآية ١٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: كان قومٌ مِن أهل مكة أسلموا، وكانوا يَسْتَخْفون بإسلامهم، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، وقتل بعضهم، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأُكْرِهوا. فاستغفروا لهم؛ فنزلت: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم﴾ إلى آخر الآية [النساء:٩٧]. قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية ألّا عُذر لهم، فخرجوا، فلحقهم المشركون، فَأَعْطَوهُم الفِتْنَةَ؛ فنزلت فيهم هذه الآية: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيِسُوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثم جاهدوا وصبروا، إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [النحل:١١٠]. فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا. فخرجوا، فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، حتى نجا من نجا، وقُتل من قُتل

اختلف السلف فيمن عنى الله بهذه الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أنها نزلت في ولاة الأمور. الثاني: أنها نزلت في عثمان بن أبي طلحة. الثالث: أمر السلطان أن يعظ النساء. وقد رجَّحَ ابنُ جرير (٧‏/‏١٧١) مستندًا إلى السياق، وأقوال السلف القول الأول، فقال: «يدل على ذلك ما وعظ به الرعية في: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الراعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة». وأما ابنُ عطية (٢‏/‏٥٨٦) فقد رَجَّح مستندًا إلى ظاهر الآية العمومَ في الآية، وأنّها تشمل الولاة ومَن دونهم، فقال: «والأظهر في الآية أنّها عامَّةٌ في جميع الناس، ومع أنّ سببها ما ذكرناه تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلامات، وعدل الحكومات، وغيره، وتتناولهم ومن دونهم من الناس في حفظ الودائع، والتحرز في الشهادات، وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة، والزكاة، والصيام، وسائر العبادات أمانات لله تعالى»

زاد ابنُ جرير (٢٤‏/‏٤٧٥) قولًا في معنى الآية نقله عن بعض أهل العربية، فقال: «وكان بعض أهل العربية يتأوَّله بمعنى: أنه مَن سلك الهدى فعلى الله سبيله. ويقول: وهو مثلُ قوله: ﴿وعَلى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل:٩]. ويقول: معنى ذلك: مَن أراد اللهَ فهو على السبيلِ القاصدِ. وقال: يقال معناه: إنّ علينا للهدى والإضلال، كما قال: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل:٨١] وهي تقي الحرَّ والبرد». وذكر ابنُ القيم (٣‏/‏٣٢٤) قول قتادة، ثم انتقده قائلًا: «وهذا المعنى حقٌّ، ولكن مراد الآية شيء آخر». ثم نسب قول أهل العربية للفراء، ثم انتقده قائلًا: «وهذا أضعف من القول الأول -أي: قول قتادة- وإن كان معناه صحيحًا، فليس هو معنى الآية». ثم ذكر معنًى آخر، وهو: «مَن سلك الهدى فعلى الله سبيله، كقوله: ﴿وعَلى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل:٩]». ثم رجَّحه قائلًا: «وهذا قول مجاهد، وهو أصح الأقوال في الآية»

سورة البقرة — الآية ٢٦

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس، لا تَغْتَرُّوا بالله؛ فإنّ الله لو كان مُغْفِلًا شيئًا لأغفل البعوضة، والذَّرَّة، والخَرْدَلَة»

سورة البقرة — الآية ٢٨

عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في الآية، يقول: حين لم يكونوا شيئًا، ثم أحياهم حين خلقهم، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، ثم رجعوا إليه بعد الحياة