علَّقَ ابنُ عطية (٢‏/‏٤٩٧) على كلام للربيع يشبه ما ورد في أثر ابن عباس هذا بقوله: «طَعَنَ بعضُ الناس في هذا القول بأنّ الآية خبرٌ، والأخبارُ لا تُنسَخُ. وهذا غير لازمٍ؛ لأنّ الآيةَ لفظها الخبر، ومعناها تقرير حكم شرعي، فهي نحو قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ [البقرة:٢٨٤]، ونحو قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال:٦٥]، وإنّما يضعف القولَ بالنسخ مِن حيث تنبني الآيتان، ولا يحتاج إلى تقرير نسخ؛ لأنّ هذه الآية لم تنفِ أن يغفر للعاصي الذي لم يَتُبْ مِن قريب، فنحتاج أن نقول: إنّ قوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ نسخها. وإنّما نَفَتْ هذه الآيةُ أن يكون تائبًا مَن لم يتب إلا مع حضور الموت. فالعقيدة عندي في هذه الآيات: أنّ مَن تاب مِن قريبٍ فله حكم التائب فيغلب الظَّنُّ عليه أنه ينعم ولا يعذب، هذا مذهب أبي المعالي وغيره، وقال غيرهم: بل هو مغفور له قطعًا؛ لإخبار الله تعالى بذلك. وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة، ومَن لم يتب حتى حضره الموتُ فليس في حكم التائبين، فإن كان كافرًا فهو يخلد، وإن كان مؤمنًا فهو عاصٍ في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوى الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أنّ مَن هذه الصنيفة من يغفر الله له تعالى تفضلًا منه ولا يعذبه. وأعلم الله تعالى أيضًا أنّ ﴿الذين يموتون وهم كفار﴾ فلا مُسْتَعْتَبَ لهم، ولا توبة في الآخرة»

اختلف المفسرون في تفسير قوله: ﴿فإذا أمنتم فاذكروا الله﴾؛ فقال قوم: المعنى: فإذا أمنتم مِمَّن كنتم تخافونه على أنفسكم حال صلاتكم فصَلُّوا. وقال آخرون: المعنى: إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏٣٩٦ بتصرف) القولَ الأول، وانتَقَدَ الثانيَ الذي قاله مجاهد مستندًا إلى الإجماع، والسياق، فقال: «هذا القول الذي ذكرنا عن مجاهد قولُ غيرِه أوْلى بالصواب منه؛ لإجماع الجميع على أنّ الخوف متى زال فواجبٌ على المصلي المكتوبةَ -وإن كان في سفرٍ- أداؤُها بركوعها وسجودها وحدودها، وقائمًا بالأرض غيرَ ماشٍ ولا راكب، كالذي يجب عليه من ذلك إذا كان مقيمًا في مصره وبلده، إلا ما أبيح له مِن القصر فيها في سفره. ولم يجرِ في هذه الآية للسفر ذِكْرٌ، فيتوجه قوله: ﴿فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ إليه. فإن كان جرى للسفر ذِكْرٌ، ثم أراد الله -تعالى ذكره- تعريفَ خلقه صفةَ الواجب عليهم من الصلاة بعد مقامهم لقال: فإذا أقمتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون. ولم يقل: ﴿فإذا أمنتم﴾». وعلَّق ابنُ عطية (١‏/‏٦٠٥) فقال: «وفي هذا تحويم على المعنى كثير». وذكَر قولَيْن آخَرَيْن: الأول: أن المعنى: فإذا زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة فاذكروا الله بالشكر على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء، ولم تَفُتْكم صلاة من الصلوات، وعلَّق عليه بقوله: «وهذا هو الذي لم يكونوا يعلمونه». الثاني: فإذا كنتم آمنين قبل، أو بعد، كأنه قال: فمتى كنتم على أمن فاذكروا الله، أي: صلوا الصلاة التي قد علمتموها، أي: فصَلُّوا كما علَّمكم صلاةً تامةً، وذكر أن النقاش حكاه هو وغيره. ثم علَّق بقوله: «وقوله -على هذا التأويل- ﴿ما لم تكونوا﴾ بدل من»ما«التي في قوله: ﴿كما﴾، وإلا لم يتَّسِق لفظ الآية، وعلى التأويل الأول ﴿ما﴾ مفعولة بـ﴿علمكم﴾»

أفادت الآثار اختلاف السلف فيمن استثناه الله بقوله: ﴿إلا قليلا﴾ على أقوال: الأول: أنه راجع إلى المستنبطين، فتقديره: لَعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلًا. وهو قول قتادة من طريق معمر. الثاني: أنه راجع إلى الإذاعة، فتقديره: أذاعوا به إلا قليلًا. وهو قول ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة، وقول ابن زيد. الثالث: أنه راجع إلى اتِّباع الشيطان، فتقديره: لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا منكم. وهو قول الضحاك. وقد رجّح ابنُ جرير (٧‏/‏٢٦٥بتصرف) مستندًا إلى الدلالة العقلية، والأظهر من كلام العرب القول الثاني، ومنتقدًا بقية الأقوال، فقال: «وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول مَن قال: عنى باستثناء القليل: من الإذاعة، وقال: معنى الكلام: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلًا، ولو ردوه إلى الرسول. وإنما قلنا: إنّ ذلك أولى بالصواب لأنّه لا يخلو القول في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا، وغير جائز أن يكون من قوله: ﴿لاتبعتم الشيطان﴾؛ لأن مَن تفضل الله عليه بفضله ورحمته فغير جائز أن يكون من تباع الشيطان، وغير جائز أن نحمل معاني كتاب الله على غير الأغلب المفهوم بالظاهر من الخطاب في كلام العرب ولنا إلى حمل ذلك على الأغلب من كلام العرب سبيل، فنوجهه إلى المعنى الذي وجهه إليه القائلون: معنى ذلك: لاتبعتم الشيطان جميعًا، ثم زعم أن قوله: ﴿إلا قليلا﴾ دليل على الإحاطة بالجميع. هذا مع خروجه من تأويل أهل التأويل لا وجه له، وكذلك لا وجه لتوجيه ذلك إلى الاستثناء من قوله: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾؛ لأن علم ذلك إذا رُدَّ إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، فبينه رسول الله ﷺ وأولو الأمر منهم بعد وضوحه لهم، استوى في علم ذلك كل مستنبط حقيقة، فلا وجه لاستثناء بعض المستنبطين منهم وخصوص بعضهم بعلمه مع استواء جميعهم في علمه. وإذ كان لا قول في ذلك إلا ما قلنا، ودخل هذه الأقوال الثلاثة ما بينا من الخلل؛ فبَيِّنٌ أنّ الصحيح من القول في ذلك هو القول الذي قضينا له بالصواب من الاستثناء من الإذاعة»

سورة الحجرات — الآية ٧

عن رفاعة بن رافع الزُّرَقيّ، قال: لَمّا كان يوم أُحد وانكفأ المشركون قال النبيُّ ﷺ: «استووا حتى أُثنِي على ربي». فصاروا خلفه صفوفًا، فقال: «اللهم، لك الحمد كلّه، اللهم، لا قابض لما بسطتَ، ولا باسط لما قبضتَ، ولا هادي لما أضللتَ، ولا مُضِلّ لِمَن هديتَ، ولا معطي لِما منعتَ، ولا مانع لِما أعطيتَ، ولا مقرِّب لِما باعدتَ، ولا مُباعد لِما قرّبتَ، اللهم، ابْسط علينا مِن بركاتك ورحمتك وفضلك، اللهم، إنِّي أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم، إنِّي أسألك النعيم يوم العَيْلة، والأمن يوم الخوف، اللهم، إنِّي عائذٌ بك مِن شرّ ما أعطيتنا، وشرّ ما منعتنا، اللهم، حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين، اللهم، توفَّنا مسلمين، وأحْيِنا مسلمين، وألْحِقْنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، اللهم، قاتِل الكفرة الذين يكذِّبون رُسلك، ويصدّون عن سبيلك، واجعل عليهم رِجزك وعذابك، اللهم، قاتِل الكفرة الذين أُوتوا الكتاب، إله الحق»

اختُلف في قوله: ﴿لإيلاف قريش إلافهم رحلة الشتاء والصيف﴾، وفي المعنى الجالب للام في قوله: ﴿لإيلاف﴾ على قولين: الأول: أنّ المعنى الجالب لها قوله: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ [الفيل:٥]، فاللام صلة لـ﴿جعلهم﴾، ومعنى الكلام: ففعلنا بأصحاب الفيل هذا الفعل، نعمة مِنّا على أهل هذا البيت، وإحسانًا مِنّا إليهم، إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف، أو يكون الامتنان عليهم بألفة بعضهم بعضًا. الثاني: أن تكون اللام هاهنا للتعجب، والمعنى: اعجب -يا محمد- لنِعم الله على قريش، في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. ثم قال: فلا يتشاغلوا بذلك عن الإيمان واتباعك. وقد رجّح ابنُ جرير (٢٤‏/‏٦٤٩-٦٥١) -مستندًا إلى اللغة، وإلى آثار السلف- القول الثاني، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنّ هذه اللام بمعنى التعجب، وأن ّمعنى الكلام: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وترْكهم عبادة ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، فليعبدوا ربّ هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. والعرب إذا جاءت بهذه اللام، فأدخلوها في الكلام للتعجّب، اكتفوا بها دليلًا على التعجّب من إظهار الفعل الذي يجلبها... وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل». وذكر آثار السلف على هذا المعنى. وانتقد (٢٤‏/‏٦٥٠) -مستندًا إلى اللغة، وإجماع المسلمين على أنّ السورتين منفصلتين- القول الأول، فقال: «وأمّا القول الذي قاله مَن حكينا قوله أنه من صلة قوله: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ فإنّ ذلك لو كان كذلك لوجب أن يكون ﴿لإيلاف﴾ بعض ﴿ألم تر﴾، وأن لا تكون سورة منفصلة من ﴿ألم تر﴾، وفي إجماع جميع المسلمين على أنهما سورتان تامتان كلّ واحدة منهما منفصلة عن الأخرى ما يبين عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك، ولو كان قوله: ﴿لإيلاف قريش﴾ من صلة قوله: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ لم تكن ﴿ألم تر﴾ تامة حتى توصل بقوله: ﴿لإيلاف قريش﴾؛ لأنّ الكلام لا يتم إلا بانقضاء الخبر الذي ذكر»

رجَّح ابن تيمية (٢‏/‏١٧٧) مستندًا إلى أحوال النزول، ولفظ الآية، قول ابن عباس من طريق العوفي، ومجاهد، وقتادة من طريق سعيد، وسالم الأفطس من طريق عتاب بن بشير مولى قريش، وابن إسحاق من طريق سلمة، بأن معنى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ أي: يخوفكم أولياءه، وبيَّن علَّة ذلك، فقال: «لأن الآية إنما نزلت بسبب تخويفهم من الكفار. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، إلى أن قال: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾، ثم قال: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فإنما نزلت فيمن خوَّف المؤمنين مِن الناس، وقد قال تعالى: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾، ثم قال: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. والضمير عائد إلى أوليائه الذين قيل فيهم: ﴿فاخشَوهُم﴾»، وبيَّن ابن تيمية أن قول من قال بأن المعنى: يخوف أولياءه المنافقين، وهو قول الحسن من طريق عباد بن منصور، والسدي من طريق أسباط، قول صحيح من حيث المعنى؛ لأن الشيطان سلطانه على أعدائه، فهو يدخل المخاوف عليهم دائمًا، أو أن قائليه أرادوا المفعول الأول؛ أي: يخوف المنافقين أولياءه، لكنه انتقد (٢‏/‏١٧٣، ١٧٤ بتصرف) تفسير الآية به مستندًا إلى لغة العرب، ودلالة ألفاظ الآية وسياقها، ذلك أنه لو أريد أنه يجعل أولياءه خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه؛ وهو قوله: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾، واستدل بسياق الآية ودلالة ألفاظها على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوِّفين، ويجعل ناسًا خائفين منهم، وإذا جعلهم مخوِّفين فإنما يخافهم مَن خوّفه الشيطان منهم. وبأن الشيطان يَعِدُ أولياءَه ويمنِّيهم، كما قال تعالى: ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ [الأنفال:٤٨] الآية، وقال: ﴿يَعِدُهُمْ ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [النساء:١٢٠]

سورة هود — الآية ٧٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: لَمّا رأى إبراهيمُ أنّه لا تصل إلى العِجْل أيديهم نكِرَهم، فخافهم، وإنّما كان خوفُ إبراهيم أنّهم كانوا في ذلك الزمان إذا همَّ أحدهم بامرئٍ سوءًا لم يأكل عنده، يقول: إذا تحرَّمتُ بطعامه حَرُم عَلَيَّ أذاه. فخاف إبراهيمُ أن يريدوا به سوءًا، فاضطربت مفاصِلُه، وامرأتُه سارةُ قائِمَةٌ تخدمهم، وكان إذا أراد أن يُكرِم أضيافه أقام سارة لتخدمهم، فضحِكت سارة، وإنّما ضحكت أنّها قالت: يا إبراهيم، وما تخاف؟ إنما هم ثلاثة نفر وأنت وأهلُك وغلمانُك. قال لها جبريل: أيَّتُها الضاحكة، أما إنّك سَتَلِدين غلامًا يُقال له: إسحاق، ومِن ورائه غلامٌ يُقال له: يعقوب. فأقبلت في صَرَّةٍ فصَكَّت وجهها، فأقبلت والِهَةً تقول: يا ويلتاه. ووضعت يدها على وجهها استحياءً، فذلك قوله: ﴿فصكت وجهها﴾ [الذاريات:٢٩]. وقالت: ﴿ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخًا﴾

سورة سبأ — الآية ٢٣

قال مقاتل بن سليمان: ثم أخبر عن خوف الملائكة أنهم إذا سمعوا الوحي خرُّوا سجدًا من مخافة الساعة، فكيف يَعبدون مَن هذه منزلته؟! فهلّا يعبدون من تخافه الملائكة! ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ وذلك أن أهل السموات من الملائكة لم يكونوا سمعوا صوت الوحي ما بين زمن عيسى ومحمد ﷺ، وكان بينهما قريب مِن ستمائة عام، فلما نزل الوحي على محمد ﷺ سمعوا صوت الوحي كوقع الحديد على الصفا، فخرُّوا سجدًا مخافة القيامة، إذ هبط جبريل على أهل كل سماء فأخبرهم أنّه الوحي، ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ تجلى الفزع عن قلوبهم؛ قاموا من السجود، قالوا: فتسأل الملائكة بعضها بعضًا: ماذا قال جبريل عن ربكم؟ ﴿قالُوا الحَقَّ﴾ يعني: الوحي، ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ الرفيع، ﴿الكَبِيرُ﴾ العظيم، فلا أعظم منه

اختُلف في المراد بقوله: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا﴾ على أقوال: الأول: ما لكم لا ترون لله عَظمة. الثاني: لا تُعظّمون الله حَقّ عَظمته. الثالث: لا تَرجُون لله طاعة. الرابع: لا تَرجُون لله عاقبة. ورجَّح ابنُ جرير (٢٣‏/‏٢٧٩) -مستندًا إلى اللغة- القول الأخير الذي قاله ابن عباس، وسعيد بن جُبَير، وقتادة، وعاصم بن بهدلة، ومقاتل، والكلبي، فقال: ""وذلك أنّ الرجاء قد تضعه العرب إذا صحبه الجحد في موضع الخوف، كما قال أبو ذُؤيب:إذا لسَعتْه النّحل لم يرجُ لسْعها وخالفها في بيت نُوبٍ عوامليعني بقوله: لم يَرجُ: لم يخف"". وعلَّق ابنُ عطية (٨‏/‏٤١٨-٤١٩) على القول الأخير بقوله: «فكأن الكلام على هذا وعيد وتخويف». وذكر أنّ بعض العلماء قال: ﴿تَرْجُونَ﴾ على بابها في الرجاء. وعلَّق عليه بقوله: «وكأنه قال: ما لكم لا تَجعلون رجاءكم لله ولقائه، و﴿وقارًا﴾ يكون -على هذا التأويل- منهم، كأنه يقول: تُؤَدَةً منكم، وتمكّنًا في النظر؛ لأنّ الكفر مُضمّنه الخِفّة والطيش وركوب الرأس». وساق ابنُ القيم (٣‏/‏٢٠٣) هذه الأقوال، ثم علَّق بقوله: «وهذه الأقوال ترجع إلى معنًى واحد، وهو: أنهم لو عظّموا الله وعرفوا حقّ طاعته وحّدوده وأطاعوه وشكروه، فطاعته سبحانه واجتناب معاصيه والحياء منه بحسب وقاره في القلب»

ذكر ابنُ جرير (٣‏/‏٦٣٤-٦٣٥) أن في الآية قَلْبٌ، وتقديره: «فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلف فيه من كتاب الله الذين أوتوه». ثم قال: «فإن أشكل ما قلنا على ذي غفلة، فقال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كما قلت، و»من«إنما هي في كتاب الله في»الحق«واللام في قوله: ﴿لما اختلفوا فيه﴾ وأنت تحول اللام في»الحق«، و»من"" في الاختلاف في التأويل الذي تتأوله فتجعله مقلوبًا؟ قيل: ذلك في كلام العرب موجود مستفيض، والله -تبارك وتعالى- إنما خاطبهم بمنطقهم، فمن ذلك قول الشاعر:كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجموإنما الرجم فريضة الزنا"". ووجَّه ابنُ عطية (١‏/‏٥١٤) ما قاله ابنُ جرير، فقال: «ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه وعساه غير الحق في نفسه». وانتَقَدَه بقوله (١‏/‏٥١٤-٥١٥): «وادعاء القَلْب على لفظ كتاب الله دون ضرورة يدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أنّ الكلام يتخرج على وجهه ورصفه، لأن قوله: ﴿فَهَدى﴾ يقتضي أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى في قوله: ﴿فِيهِ﴾، وتبين بقوله: ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ جنس ما وقع الخلاف فيه». وذكر أنّ المهدوي قال: قُدِّم لفظ الاختلاف على لفظ الحق اهتمامًا، إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف. واستدرك عليه فقال: «وليس هذا عندي بقوي»