قال ابنُ جرير (١٧‏/‏٥٩٥): «الذي عُنِي به من سلامة القلب في هذا الموضع: هو سلامة القلب مِن الشكّ في توحيد الله، والبعث بعد الممات». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٤٩٢) أنّ سفيان قال: إن صاحب القلب السليم هو الذي يلقى ربَّه وليس في قلبه شيء غيره. ثم علَّق بقوله: «وهذا يقتضي عموم اللفظة، ولكن السليم مِن الشرك هو الأهم». وبنحوهما ابنُ تيمية (٥‏/‏٤٦)، وكذا ابنُ كثير (١٠‏/‏٣٥٥). وقال ابنُ القيم (٢‏/‏٢٧٦-٢٧٧ بتصرُّف): «قد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومِن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله، في خوفه ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده، ولا يتم له سلامته مطلقًا حتى يسلم من خمسة أشياء: ١- من شرك يناقض التوحيد. ٢- وبدعة تخالف السنة. ٣- وشهوة تخالف الأمر. ٤- وغفلة تناقض الذِّكر. ٥- وهوًى يناقض التجريد والإخلاص. وهذه الخمسة حُجُب عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة تتضمن أفرادًا لا تنحصر»

سورة الشمس — الآية ١٤

قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ بما جاء به، ﴿فَعَقَرُوها﴾ يعني: قتلوا الناقة، فحلّ بهم العذاب، قال: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ يقول: إنما كان بذنبهم بذلك أنهم لما عقروا الناقة ابتعد الفصيل حتى صعد على جبل، فصاح ثلاث مرات: يا صالح، قُتلت أيم. وفزع أهل المدينة كلّهم إلى صالح، فقالوا: ما حيلتنا؟ قال: حيلتكم أن تأخذوا الفصيل، فعسى الله أن يَكُفّ عنكم العذاب في شأن الفصيل. فلما صعدوا الجبل ليأخذوه فرّ مِن بين أيديهم، وتوارى فلم يُر، وغاب، قالوا: يا صالح، ما يفعل الله بنا؟ قال: كم مِن صيحة صاح الفصيل؟ قالوا: ثلاث مرات. قال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ ذلك وعد﴾ الذي صاح الفصيل ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥]. يقول: إنه لا يكذب فيه. قالوا: وما علامة ذلك، يا صالح؟ قال: إنكم تصفرّ وجوهكم يوم الثاني، وتسودّ وجوهكم يوم الثالث. قال: ثم يأتيكم العذاب يوم الرابع. فلما أن كان اليوم الأول اصفرّتْ وجوه القوم فلم يُصدّقوا، وقالوا: إنما هذه الصّفرة من الخوف والفرَق. فلما كان اليوم الثاني احمرّتْ وجوههم واستيقنوا بالعذاب، ثم إنهم عمدوا فحفروا لأنفسهم قبورًا، وتحنّطوا بالمرّ والصبر، [وتكفنوا] بالأنطاع، فلما أن كان اليوم الثالث اسودّتْ وجوههم حتى لم يَعرف بعضهم بعضًا من شدة السواد والتغيّر، فلما أن كان اليوم الرابع أصبحوا فدخلوا حفرهم، فلما أشرقت الشمس وارتفع النهار لم يأتهم العذاب، فظنوا أنّ الله يرحمهم، وخرجوا من قبورهم، ودَعَوا بعضهم بعضًا، إذ نزل جبريل عليه السلام، فسَدَّ ضوء الشمس، حتى دخلوا في قبورهم، فصاح بهم جبريل عليه السلام، فلما عاينوا جبريل عليه السلام ونظروا إلى ضوء الشمس شدّوا حتى دخلوا في قبورهم فناموا، فصاح بهم جبريل صيحة: أن قوموا عليكم لعنة الله. فسالتْ أرواحهم مِن أجسادهم، وزُلزلتْ بيوتهم حتى وقعتْ على قبورهم إلى يوم القيامة، فأصبحوا كأن لم يكن بمدينتهم شيء، فذلك قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ [الأعراف:٩٢]، وذلك قوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ يعني: فسوّى بيوتهم على قبورهم

سورة يونس — الآية ٦٢

عن وهب بن منبه -من طريق داود- قال: قال الحواريُّون: يا عيسى، مَن أولياءُ الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون؟ قال عيسى عليه الصلاةُ والسلامُ: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناسُ إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى آجلِ الدنيا حين نظر الناسُ إلى عاجِلها، وأماتوا منها ما يخشون أن يُميتَهم، وتركوا ما علِموا أن سيترُكُهم، فصار اسْتكثارُهم منها استِقلالًا، وذكرهم إيّاها فواتًا، وفرحهم بما أصابوا منها حزنًا، وما عارضهم مِن نائلها رفضوه، وما عارضهم مِن رفعتِها بغير الحقِّ وضعوه، وخَلَقَتِ الدنيا عندهم فليسوا يُجَدِّدونها، وخَرِبت بينهم فليس يعمرونها، وماتت في صدورهم فليس يُحْيُونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتَهم، ويبيعونها فيشترون بها ما يَبْقى لهم، رفضوها فكانوا برَفْضها هم الفَرِحين، باعُوها فكانوا ببيعها هم المُرْبِحين، ونظروا إلى أهلها صَرْعى قد خَلَتْ فيهم المثُلاتُ، فأحَبُّوا ذِكْرَ الموت، وتركوا ذِكْرَ الحياة، يُحِبُّون الله تعالى، ويستضيئون بنوره ويُضِيئُونَ به، لهم خبرٌ عجيبٌ، وعندهم الخبرُ العجيبُ، بهم قام الكتابُ، وبه قاموا، وبهم نطق الكتابُ، وبه نطقوا، وبهم عُلِم الكتابُ، وبه عُلِموا، ليسوا يرون نائلًا مع ما نالوا، ولا أمانِيَّ دون ما يرجُون، ولا خوفًا دون ما يحذرون

بَيَّن ابن جرير (٦‏/‏٦١٧) معنى الآية مستندًا إلى أقوال السلف، فقال: «يعني -جل ثناؤه- بذلك: وأن تصبروا أيها الناس عن نكاح الإماء خيرٌ لكم، والله غفور لكم نكاحَ الإماء أن تنكحوهن على ما أحلّ لكم وأذن لكم به، وما سلف منكم في ذلك؛ إن أصلحتم أمورَ أنفسكم فيما بينكم وبين الله، رحيمٌ بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند الافتقار وعدم الطَّوْل للحُرَّة». وقال ابنُ كثير (٣‏/‏٤٤٢): «من هذه الآية الكريمة استدلَّ جمهورُ العلماء في جواز نكاح الإماء على أنّه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر، ومن خوف العنت؛ لما في نكاحهن من مفسدةِ رقِّ الأولاد، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن. وخالف الجمهورَ أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مُزَوَّجًا بحُرَّة جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضًا، سواء كان واجدًا الطول لحرة أم لا، وسواء خاف العنت أم لا، وعمدتهم فيما ذهبوا إليه قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ [المائدة:٥] أي: العفائف، وهو يعمّ الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة، وهذه أيضًا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور»

قال ابنُ جرير (٢٢‏/‏٢٣٥) مستندًا لأقوال السلف: «يقول -تعالى ذكره-: ولمن اتقى الله من عباده، فخاف مقامه بين يديه، فأطاعه بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه؛ جنتان، يعني: بُستانين، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وإن اختلفتْ ألفاظهم في البيان عن تأويله، غير أنّ معنى جميعهم يقول إلى هذا». وذكر أقوال السلف على هذا. وذكر ابنُ عطية (٨‏/‏١٧٧) في قوله: «مَن» احتمالين، فقال: «»مَن«في قوله تعالى: ﴿ولمن﴾ يحتمل أن تقع على جميع المتصفين بالخوف الزاجر عن معاصي الله تعالى، ويحتمل أن تقع لواحد منهم، وبحسب هذا قال بعض الناس في هذه الآية: إنّ كلّ خائف له جنتان. وقال بعضهم: إن جميع الخائفين لهم جنتان». ونقل ابنُ عطية (٨‏/‏١٧٧) عن قوم قولهم: «أراد: جنة واحدة، وثنّى على نحو قوله تعالى: ﴿ألْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق:٢٤]، وقول الحجاج: يا غلام اضربا عنقه». وانتقد (٥‏/‏٢٣٣ دار الكتب العلمية) قولهم -مستندًا إلى القرآن، وإلى اللغة- قائلًا: «وهذا ضعيف؛ لأن معنى التثنية متوجّه، فلا وجه للفرار إلى هذه الشاذة، ويؤيد التثنية قوله: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ وهي تثنية»ذات«على الأصل؛ لأن أصل»ذات«: ذوات»

سورة النساء — الآية ٨٣

عن عمر بن الخطاب -من طريق ابن عباس- قال: لَمّا اعتزل نبي الله ﷺ نساءَه، قال: دخلتُ المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى، ويقولون: طلَّق رسول الله ﷺ نساءه. وذلك قبل أن يُؤْمَرْن بالحجاب، فقال عمر: فقلت: لأعلمن ذلك اليوم. قال: فدخلتُ على عائشة، فقلت: يا بنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنكِ أن تؤذي رسول الله ﷺ؟! فقالت: ما لي وما لك، يا ابن الخطاب، عليك بِعَيْبَتِك. قال: فدخلتُ على حفصة بنت عمر، فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله ﷺ؟ ِ واللهِ، لقد علمتُ أنّ رسول الله ﷺ لا يُحِبُّكِ، ولولا أنا لطلَّقك رسول الله ﷺ. فبَكَتْ أشدَّ البكاء، فقلتُ لها: أين رسول الله ﷺ؟ قالت: هو في خزانته في المَشْرَُبة. فدخلتُ، فإذا أنا برباحٍ غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أسْكُفَّة المَشْرَُبة، مُدَلٍّ رجليه على نقير من خشب -وهو جِذْعٌ يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر-، فنادَيْتُ: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ. فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إلَيَّ، فلم يقل شيئًا، ثم قلتُ: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ. فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إلَيَّ، فلم يقل شيئًا، ثم رفعت صوتي، فقلتُ: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله ﷺ، فإني أظُنُّ أنّ رسول الله ﷺ ظَنَّ أنِّي جئتُ من أجل حفصة، واللهِ، لَئِن أمرني رسول الله ﷺ بضرب عنقها لَأَضْرِبَنَّ عنقها. ورفعتُ صوتي، فأومأ إلَيَّ أنِ ارْقَهْ، فدخلت على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على حصير، فجلست، فأدنى عليه إزارَه، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثَّر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله ﷺ، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قَرَظًا في ناحية الغرفة، وإذا أفِيقٌ مُعَلَّق، قال: فابتدَرَتْ عيناي، قال: «ما يُبكيك، يا ابن الخطاب؟». قلت: يا نبي الله، وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثَّر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار، وأنت رسول الله ﷺ وصفوتُه وهذه خزانتك! فقال: «يا ابن الخطاب، ألا ترضى أن تكون لنا الآخرةُ ولهم الدنيا؟». قلت: بلى. قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يَشُقُّ عليك مِن شأن النساء؟ فإن كُنت طلَّقْتَهُنَّ فإنّ الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وأنا، وأبو بكر، والمؤمنون معك. وقلَّما تكلمتُ -وأَحْمَدُ الله- بكلامٍ إلا رجوتُ أن يكون اللهُ يُصَدِّق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية آية التخيير: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن﴾ [التحريم:٥]، ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ [التحريم:٤]، وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصةُ تظاهران على سائر نساء النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله، أطَلَّقْتَهُنَّ؟ قال: «لا». قلتُ: يا رسول الله، إنِّي دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طلَّق رسول الله ﷺ نساءَه. أفأنزلُ فأخبرهم أنّك لم تطلقْهُنَّ؟ قال: «نعم، إن شئت». فلم أزَل أحدثه حتى تَحَسَّر الغضبُ عن وجهه، وحتى كَشَر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرًا. ثم نزل نبي الله ﷺ، ونزلت، فنزلت أتَشَبَّثُ بالجذع، ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت: يا رسول الله، إنّما كنت في الغرفة تسعة وعشرين! قال: «إن الشهر يكون تسعًا وعشرين». فقمتُ على باب المسجد، فنادَيْتُ بأعلى صوتي: لم يُطَلِّق رسول الله ﷺ نساءَه. ونَزَلَتْ هذه الآية: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾، فكنتُ أنا استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله عز وجل آية التخيير

على هذا القول الذي قاله عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي العالية تكون هذه الآية موصولة بالتي تليها، ويكون المعنى: ﴿إن خفتم﴾ أيها المؤمنون ﴿أن يفتنكم﴾ الذين كفروا في صلاتكم، وكنت فيهم يا محمد، ﴿فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم﴾. وقد انتَقَدَه ابنُ جرير مستندًا إلى اللغة، والقراءات من وجهين: أولهما: أنّ قوله تعالى: ﴿وإذا كُنْتَ﴾ تؤذن بانقطاع ما بعدها مما قبلها، فليس يترتب من لفظ الآية، إلا أنّ القصر مشروط بالخوف. وثانيهما: أنّ قراءة أُبَيِّ بن كعب: (أن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا). وهذه القراءة تُنبِئُ على أنّ قوله: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ مواصل قوله: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، وأنّ معنى الكلام: وإذا ضربتم في الأرض فإن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة، وأنّ قوله: ﴿وإذا كنت فيهم﴾ قصة مبتدأة غير قصة هذه الآية

سورة هود — الآية ٣٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق يوسف بن مهران- قال: قال الحواريُّون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلًا شَهِد السَّفِينَةَ، فحدَّثَنا عنها. فانطلق بهم حتى انتهى إلى كَثِيبٍ مِن تُراب، فأخذ كفًّا مِن ذلك التراب، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: اللهُ ورسوله أعلم. قال: هذا كَعبُ حامِ بن نوح. فضرب الكَثِيب بعصاه، قال: قُم بإذن الله. فإذا هو قائم يَنفُضُ التُّراب عن رأسه قد شاب، قال له عيسى عليه السلام: هكذا هلكتَ؟ قال: لا، مِتُّ وأنا شابٌّ، ولكنِّي ظننتُ أنّها الساعة؛ فمِن ثَمَّ شِبْتُ. قال: حدِّثنا عن سفينة نوح. قال: كان طولها ألفَ ذراع ومائتي ذراع، وعرضُها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات؛ فطبقة فيها الدوابُّ والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلمّا كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح: أنِ اغمز ذنب الفيل. فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الرَّوْث، فلما وقَع الفأر بخرز السفينة يقرضه أوحى الله إلى نوح: أنِ أضرب بين عيني الأسد. فخرج مِن منخره سِنَّورٌ وسِنَّورةٌ، فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى عليه السلام: كيف علم نوحٌ أنّ البلاد قد غرِقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جِيفَة، فوقع عليها، فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث الحمامة، فجاءت بورق زيتون بمنقارِها، وطينٍ برجليها، فعلم أنّ البلاد قد غرقت، فطوَّقها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أُنس وأمان، فمِن ثَمَّ تألف البيوت. فقالوا: يا روح الله، ألا ننطلق به إلى أهالينا فيجلس معنا ويُحَدِّثنا؟ قال: كيف يتبعكم مَن لا رِزق له؟ ثم قال له: عُدْ بإذن الله. فعاد ترابًا

سورة المائدة — الآية ٢٧

قال مقاتل بن سليمان: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ﴾. يقول: اتل عليهم حديث ابني آدم هابيل وقابيل، وذلك أنّ حواء ولدت في بطن واحد غلامًا وجارية؛ قابيل وإقليما، ثم ولدت في البطن الآخر غلامًا وجارية، هابيل وليوذا، وكانت أختُ قابيل أحسنَ من أخت هابيل، فلما أدركا قال آدم عليه السلام: ليتزوج كلُّ واحد منهما أختَ الآخر. قال قابيل: لكن يتزوج كلُّ واحد منهما أخته التي وُلدت معه. قال آدم عليه السلام: قرِّبا قربانًا، فأيما تُقبِّل قربانه كان أحقَّ بهذه الجارية، وخرج آدم عليه السلام إلى مكة، فعمد قابيل -وكان صاحبَ زرع- فقرّب أخبثَ زرعه؛ البُر المأكول فيه الزوان، وكان هابيل صاحب ماشية، فعمد فقرّب خير غنمه مع زبد ولبن، ثم وضعا القربان على الجبل، وقاما يدعوان الله عز وجل، فنزلت نار من السماء، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فحسده قابيل، فقال لهابيل: لأقتلنك. قال هابيل: يا أخي، لا تُلَطِّخ يدك بدم بريء فترتكب أمرًا عظيمًا، إنما طلبت رضا والدي ورضاك، فلا تفعل، فإنّك إن فعلت أخزاك الله بقتلك إيّاي بغير ذنب، ولا جرم، فتعيش في الدنيا أيام حياتك في شقوة ومخافة في الأرض، حتى تكون من الخوف والحزن أدقَّ من شعر رأسك، ويجعلك إلهي ملعونًا. فلم يزل يحاوره حتى انتصف النهار، وكان في آخر مقالة هابيل لقابيل: إن أنت قتلتني كنتَ أوَّلَ مَن كُتب عليه الشقاء، وأولَ من يساق إلى النار من ذرية والدي، وكنتُ أنا أول شهيد يدخل الجنة. فغضب قابيل، فقال: لا عشت في الدنيا ويقال: قد تُقُبِّل قربانه ولم يتقبل قرباني. فقال له هابيل: فتشقى آخرَ الأبد. فغضب عند ذلك قابيل، فقتله بحجر، دقَّ رأسه، وذلك بأرض الهند عشيةً، وآدم عليه السلام بمكة، فذلك قوله عز وجل: ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾

اختلف المفسرون في معنى النفي على ثلاثة أقوال: الأول: هو أن يُطلَب حتى يقدر عليه، أو يهرب من دار الإسلام. والثاني: الحبس. والثالث: المعنى: أنّ الإمام إذا قدر عليه نفاه من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها. ورجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٣٨٩ بتصرف) القول الأخير الذي قال به سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «لأنّ أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة، وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنّ الله -جلَّ ثناؤه- إنما جعل جزاء المحارب القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف بعد القدرة عليه لا في حال امتناعه؛ كان معلومًا أنّ النفي أيضًا إنما هو جزاؤه بعد القدرة عليه لا قبلها، ولو كان هروبه من الطلب نفيًا له من الأرض كان قطع يده ورجله من خلاف في حال امتناعه وحربه على وجه القتال بمعنى إقامة الحد عليه بعد القدرة عليه، وفي إجماع الجميع أنّ ذلك لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله عز وجل حدًّا له بعد القدرة عليه [ما يُبطل أن يكون نفيه من الأرض: هروبه من الطلب]، وإذ كان كذلك فمعلومٌ أنّه لم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو النفي من بلدة إلى أخرى غيرها، أو السجن. فإذ كان كذلك فلا شك أنّه إذا نُفِي من بلدة إلى أخرى غيرها فلم يُنفَ من الأرض، بل إنما نفي من أرض دون أرض، وإذ كان ذلك كذلك، وكان الله -جل ثناؤه- إنما أمر بنفيه من الأرض؛ كان معلومًا أنّه لا سبيل إلى نفيه من الأرض إلا بحبسه في بقعة منها عن سائرها، فيكون منفيًّا حينئذ عن جميعها، إلا مما لا سبيل إلى نفيه منه». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٣‏/‏١٥٧) مستندًا إلى الدلالات العقلية، فقال: «والظاهر أنّ الأَرْض في هذه الآية هي أرض النازلة، وقد جنب الناس قديمًا الأرض التي أصابوا فيها الذنوب، ومنه حديث الذي ناء بصدره نحو الأرض المقدسة، وينبغي للإمام إن كان هذا المحارب المنفيُّ مخوفَ الجانب يظن أنه يعود إلى حرابة وإفساد أن يسجنه في البلد الذي يغرب إليه، وإن كان غير مخوف الجانب ترك مسرحًا، وهذا هو الأغلب في أنه مخوف، ورجحه الطبري، وهو الراجح؛ لأن نفيه من أرض النازلة أو الإسلام هو نص الآية، وسجنه بعدُ بحسب الخوف منه، فإذا تاب وفُهِم حاله سُرِّح»