عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جويبر- قال: لَمّا ردَّ اللهُ مُلكَ سليمان؛ بعث سليمانُ إلى صخر، فأُتي به، فلمّا أُدخِل عليه أمر بوثاقه، فأوثقوه حديدًا، ثم سأل الجن: أيُّ قِتلَةٍ أشدُّ حتى أقتله؟ قال: نأتيك بصخرة، ثم تجوفها، ثم نوثقه، فنضعه فيها، ونسُدُّها عليه، ونطبقها بالحديد، ثم نلقيه في البحر. ففعلوا ذلك به، فألقوه في أعمق مكان في البحر، فهو فيه إلى يوم القيامة، فذلك قول الله عز وجل: ﴿وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد- قال: حَمَلة العرش الذي يحملونه، لكل مَلك منهم أربعة وجوه، وأربعة أجنحة، جناحان على وجهه مِن أن ينظر إلى العرش فيَصعق، وجناحان يطير بهما، أقدامهم في الثَّرى، والعرش على أكتافهم، لكل واحد منهم وجه ثَور، ووجه أسد، ووجه إنسان، ووجه نسر، ليس لهم كلام إلا أن يقولوا: قُدّوس، الله القوي، ملأت عظمته السموات والأرض
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لأهل مكة: ﴿أرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ﴾ يعني: تعبدون ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِن الآلهة، يعني: الملائكة؛ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ يعني: الأرض، كخلْق الله إن كانوا آلهة، ثم قال: ﴿أمْ لَهُمْ﴾ يقول: ألهم ﴿شِرْكٌ﴾ مع الله ﴿فِي﴾ مُلك ﴿السَّماواتِ﴾، كقوله: ﴿وما لَهُمْ فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهُمْ مِن ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] ولا في سلطانه
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ واسمه: الضُّراح، وهو في السماء الخامسة، ويقال: في سماء الدنيا، حِيال الكعبة في العَرض والموضع، غير أنّ طوله كما بين السماء والأرض، وعمارته أنه يدخله كلّ يوم سبعون ألف مَلَك يُصلُّون فيه -يقال لهم: الجن، ومنهم كان إبليس، وهم حيٌّ من الملائكة- لم يدخلوه قطّ، ولا يعودون فيه إلى يوم القيامة، ثم ينزلون إلى البيت الحرام، فيطوفون به، ويُصلُّون فيه، ثم يصعدون إلى السماء، فلا يهبطون إليه أبدًا
عن صخر بن جُويرية -من طريق عبيد الله بن أبي نصر- قال: لَمّا بَعث اللهُ موسى إلى فرعون قال: ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ إلى قوله: ﴿وأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾، ولن يَفعله. فقال موسى: يا ربِّ، كيف أذهب إليه وقد عَلِمتَ أنه لا يفعل؟! فأوحى الله إليه: أنِ امضِ إلى ما أُمِرتَ به؛ فإنّ في السماء اثني عشر ألف مَلَكٍ يطلبون عِلم القَدَر، فلم يَبلغوه، ولم يُدركوه
ذكر ابنُ جرير (٢/٣٦٢) أنّ للإذن في كلام العرب أوجهًا: منها: الأمر على غير وجه الإلزام. ومنها: التخلية بين المأذون له والمخلّى بينه وبينه. ومنها: العلم بالشيء. وذَهَبَ إلى أنّ المراد بالإذن في الآية: العلم بالشيء، ثم قال: «كأنه قال -جل ثناؤه-: وما هم بضارين بالذي تعلموا من الملكين من أحد إلا بعلم الله، يعني: بالذي سبق له في علم الله أنه يضره»، مُستدلًّا بأثر سفيان، ولم يُورِد غيرَه
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: كان إبليس من أشراف الملائكة، وأكرمهم قبيلة، وكان خازِنًا على الجِنان، وكان له سلطانُ سماء الدّنيا، وكان له سلطانُ الأرض. قال: قال ابن عبّاس: وقوله: ﴿كان من الجنّ﴾ [الكهف: ٥٠]، إنَّما سُمِّي بالجَنّان أنّه كان خازنًا عليها، كما يقال للرّجل: مكّيّ، ومدنيّ، وكوفيّ، وبصريّ، قال ابن جريج: وقال آخرون: هم سِبْطٌ من الملائكة قبيلة، فكان اسم قبيلته: الجِنّ
عن ابن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال عبد الله بن سلام: ﴿والراسخون في العلم﴾ وعِلْمُهم: قولُهم، قال ابن جُرَيْج: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾، وهم الذين يقولون: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا﴾، ويقولون: ﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾ الآية
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- قوله: ﴿ثم ازدادوا كفرا﴾، قال: تَمُّوا على كفرهم، قال ابن جريج: ﴿لن تقبل توبتهم﴾، يقول: إيمانهم أول مرة لن ينفعهم
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾، قال: وضع الله البيتَ مَعَ آدم حين أهْبَطَ اللهُ آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تَهابُه، فنقص إلى ستين ذراعًا، فحَزِن آدم؛ إذ فقد أصواتَ الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله، فقال الله: يا آدم، إنِّي قد أهبطتُ لك بيتًا يُطاف به كما يُطاف حول عرشي، ويُصَلّى عنده كما يُصَلّى عند عرشي، فاخرج إليه. فخرج إليه آدم، ومد له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مَفازَة، فلم تزل تلك المَفاوِزُ بعدُ على ذلك، وأتى آدم البيت فطاف به، ومَن بعده من الأنبياء، قال معمر: وأخبرني أبان: أنّ البيت أُهْبِط ياقوتة واحدة، أو دُرَّة واحدة، قال معمر: وبلغني: أنّ سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، حتى إذا أغرق الله قوم نوح فُقِدَ، وبَقِيَ أساسُه، فبَوَّأَه الله لإبراهيم، فبناه بعد ذلك، فذلك قول الله: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾، قال معمر: قال ابن جُرَيْج: قال ناس: أرسل الله سبحانه سحابة فيها رأس، فقال الرأس: يا إبراهيم، إنّ ربك يأمرك أن تأخذ قدْر هذه السحابة. فجعل ينظر إليها، ويخط قدْرها، قال الرأس: قد فَعَلْتَ؟ قال: نعم. ثم ارْتَفَعَتْ، فحفر، فأَبْرَزَ عن أساسٍ ثابت في الأرض، قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: أقبل الملَك والصُّرَدُ والسَّكِينة مع إبراهيم من الشام، فقالت السَّكِينة: يا إبراهيم، رَبِّضْ عَلَيَّ البيتَ. قال: فلذلك لا يطوف البيتَ أعرابيٌّ ولا مَلِكٌ من هذه الملوك إلا رأيت عليه السكينة والوقار، قال ابن جريج: وقال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: وكان الله استودع الركن أبا قُبيس، فلما بنى إبراهيم ناداه أبو قبيس، فقال: يا إبراهيم، هذا الركن فِيَّ، فَخُذْهُ. فاحتَفَر عنه، فوضعه، فلما فرغ إبراهيم من بنائه قال: قد فعلتُ، يا ربِّ، فأَرِنا مناسكنا، أبرِزْها لنا، وعَلِّمْناها. فبعث الله جبريل، فحَجَّ به، حتى إذا رأى عرفة قال: قد عرفتُ. وكان أتاها قبل ذلك مرة، قال: فلذلك سُمِّيَت عرفة، حتى إذا كان يوم النحر عرض له الشيطان، فقال: احْصِبْ. فحَصَبَه بسبع حَصَيات، ثم اليوم الثاني والثالث، فَسَدَّ ما بين الجبلين -يعني: إبليس-، فلذلك كان رميُ الجمار، قال: اعْلُ على ثَبِير. فعَلاه، فنادى: يا عباد الله، أجيبوا الله، يا عباد الله، أطيعوا الله. فسَمِع دَعْوَتَه مَن بين الأبحر السبع مِمَّن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فهي التي أعطى الله إبراهيم في المناسك قوله: لبيك اللهم لبيك. ولم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعدًا، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها