عن عمر بن الخطاب، قال: كُنّا مع رسول الله ﷺ في سَفَر، فسألته عن شيء ثلاث مرات، فلم يردّ عليَّ، فقلت لنفسي: ثَكِلتك أمك، يا ابن الخطاب، نَزَرْتَ رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يردّ عليك. فحرّكتُ بعيري، ثم تقدّمتُ أمام الناس، وخشيتُ أن ينزل فيَّ القرآن، فما نَشِبْتُ أن سمعتُ صارخًا يصرخ بي، فرجعتُ وأنا أظن أنه نزل فِيَّ شيء، فقال النبيُّ ﷺ: «لقد أُنزلت عَلَيَّ الليلةَ سورةٌ هي أحبُّ إلَيَّ مِن الدنيا وما فيها: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾»
عن جابر بن عبد الله -من طريق عُروة بن رُوَيم- قال: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ذُكر فيها: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، قال عمر: يا رسول الله، ثُلّة من الأوّلين وقليل منّا؟ فأُمسك آخر السورة سنة، ثم نزل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾. فقال رسول الله - ﷺ -: «يا عمر، تعال فاسمع ما قد أنزل الله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، ألا وإنّ مِن آدم إلَيَّ ثُلّة، وأُمّتي ثُلّة، ولن تُستَكمل ثُلّتنا حتى نستعين بالسُّودان مِن رُعاة الإبل، مِمّن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له»
عن عبد الله بن عباس، قال: خرج سُهيل بن عمرو، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، ألسْنا على حقّ، وهم على باطل؟ قال: «بلى». قال: فما لنا مَن أسلم منهم رُدّ إليهم، ومَن اتّبعهم منا نردُّه إليهم؟ قال: «أمّا مَن أسلم منهم فعَرف الله منه الصِّدق أنجاه، ومَن رجع منّا سلّم الله منه». قال: ونزلتْ سورةُ الممتحنة بعد ذلك الصُّلح، وكانت مَن أسلم مِن نسائهم فسُئلت: ما أخرجكِ؟ فإنْ كانتْ خَرجتْ فرارًا مِن زوجها ورغبةً عنه رُدّت، وإن كانتْ خَرجتْ رغبةً في الإسلام أُمسِكتْ، ورُدّ على زوجها مثل ما أنفق
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى الصلاة ﴿أدْنى﴾ يعني: أقل ﴿مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ وذلك أنّ النبي ﷺ والمؤمنين كانوا يقومون في أول الإسلام من الليل نصفه وثُلثه، وهذا قبل أن تُفرض الصلوات الخمس، فقاموا سنة، فشقّ ذلك عليهم، فنَزَلَت الرّخصة بعد ذلك عند السنة، فذلك قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ... وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يعني: وأَتِمُّوا الصلوات الخمس، وأَعطُوا الزكاة المفروضة من أموالكم، فنُسِخَ قيام الليل على المؤمنين، وثَبتَ قيام الليل على النبي ﷺ، وكان بين أول هذه السورة وآخرها سنة، حتى فُرضت الصلوات الخمس، والزكاة
عن عمرو بن مهاجر، قال: استأذن غَيلان على عمر بن عبد العزيز، فأَذِن له، فقال: ويحك، يا غَيلان، ما الذي بلغني عنك أنك تقول؟ قال: إنما أقول بقول الله: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا﴾ إلى قوله: ﴿إما شاكرًا وإما كفورًا﴾. قال عمر: تِمَّ السورة، ويحك! أما تسمع الله يقول: ﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله﴾ [الإنسان:٣٠]؟! ويحك، يا غَيلان، أما تَعلم أنّ الله ﴿جاعل في الأرض﴾ إلى ﴿العليم الحكيم﴾ [البقرة:٣٠-٣٢]؟! فقال غَيلان: يا أمير المؤمنين، لقد جئتُك جاهلًا فعَلَّمتَني، وضالًا فهَديتَني. قال: اخرج، ولا يبلغني أنك تَكلّم بشيء من هذا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، يعني: اشكر الله على ما ذكر في هذه السورة، وما صنع الله عز وجل بك مِن الخير، إذ قال: ألم تكن كذا ففعلتُ بك كذا؟! أُنزِلَتْ هاتين السورتين جميعًا بمكة: ﴿والضُّحى والليل﴾، و﴿ألم نشرح لك صدرك﴾، فجعل النبي ﷺ يُحدّث بهما سِرًّا إلى مَن يطمئن إليه، ثم أتاه جبريل عليه السلام بأعلى مكة، فدفع الأرض بيديه، فانفجرتْ عينُ ماء، فتوضّأ جبريل عليه السلام ليرى النبيُّ ﷺ وضوء الصلاة، ثم توضّأ النبيُّ ﷺ، فصَلّى به جبريل عليه السلام، فلما انصرف أخبر خديجة، ثم صَلَّتْ مع النبي ﷺ
علَّقَ ابنُ كثير (٣/٢٥) على قول مجاهد هذا بقوله: «هذا الذي ذُكِر عن مجاهد في الأزلام أنّها موضوعة للقمار فيه نظر، اللهم إلّا أن يقال: إنّهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القِمار أخرى، والله أعلم؛ فإن الله -سبحانه [وتعالى]- قد فرَّق بين هذه وبين القمار، وهو المَيْسِر، فقال في آخر السورة: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ فِي الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ منتهون﴾ [المائدة:٩٠-٩١]»
وجّه ابنُ جرير (١٧/٥٤٢) معنى الآية على قول ابن عباس، فقال: «فتأويل الكلام على قول ابن عباس: والسميعِ، إنّ هذه الآيات التي أنزلتها على محمد ﷺ في هذه السورة لآيات الكتاب الذي أنزلته إليه مِن قبلها الذي بُيِّن -لِمَن تدبَّره بفهم، وفكر فيه بعقل- أنّه مِن عند الله جل جلاله، لم يتخرصه محمد ﷺ، ولم يَتَقَوَّله من عنده، بل أوحاه إليه ربه». وقال ابنُ عطية (٦/٥٦٨): «مَن قال: إنّ هذه الحروف مِن أسماء الله تعالى. قال: إنّ الطّاء مِن الطَّوْل الذي لله تعالى، والسّين مِن السّلام، والميم من المنعم، أو مِن الرحيم، ونحو هذا»
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح-: إنّ مَلَك الموت لَمّا بُعِث ليَأْخُذ من الأرض تُرْبَة آدم؛ أخَذ من وجْه الأرض، وخَلَط، فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، ولذلك سُمِّي: آدم؛ لأنه أُخِذ من أدِيم الأرض
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال:لم يكن نبيٌّ كانت العجائب في زمانه أكثر من عيسى، إلى أن رفعه الله، وكان مِن سبب رفعه أنّ مَلِكًا جبّارًا يُقال له: داود بن نوذا، وكان ملِك بني إسرائيل، هو الذي بعث في طلبه ليقتله، وكان الله أنزل عليه الإنجيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ورُفِع وهو ابن أربع وثلاثين سنة من ميلاده، فأوحى الله إليه: ﴿إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا﴾، يعني: ومُخَلِّصك من اليهود؛ فلا يَصِلُون إلى قتلك