ذكر ابنُ عطية (٣/٣٠٥) أنّ الآية على القول بكونها إثر رفع عيسى عليه السلام مستقيمة المعنى، فقال: «لأنه قال عنهم هذه المقالة وهم أحياء في الدنيا، وهو لا يدري على ما يوافون». ثم بين أنها على القول بكونها يوم القيامة: «بمعنى: إن سبقت لهم كلمة العذاب كما سبقت فهم عبادك، تصنع بحق الملك ما شئت لا اعتراض عليك. ﴿وإن تغفر لهم﴾ أي: لو غفرت بتوبة كما غفرت لغيرهم ﴿فإنك أنت العزيز﴾ في قدرتك، ﴿الحكيم﴾ في أفعالك، لا تعارض على حال. فكأنه قال: إن يكن لك في الناس معذبون فهم عبادك، وإن يكن مغفور لهم فعزتك وحكمتك تقتضي هذا كله»
عن السُّدِّي، في قوله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾ الآية، قال: نزلت هذه الآية في أصحاب سلمان الفارسي، وكان رجلًا من جُندَيْسابورَ، وكان من أشرافهم، وكان ابن الملك صديقًا له مُؤاخيًا، لا يقضي واحدٌ منهما أمرًا دون صاحبه، وكانا يركبان إلى الصيد جميعًا، فبينما هما في الصيد إذ رُفع لهما بيت من عباءةٍ، فأتياه، فإذا هما فيه برجل بين يديه مصحف يقرأ فيه، وهو يبكي، فسألاه: ما هذا؟ فقال: الذي يريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما، فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزلا حتى أُعْلِمَكما. فنزلا إليه، فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند الله، أمر فيه بطاعته، ونهى عن معصيته، فيه: أن لا تسرق، ولا تزني، ولا تأخذ أموال الناس بالباطل. فقَصَّ عليهما ما فيه، وهو الإنجيل الذي أنزل الله على عيسى، فوقع في قلوبهما، وتابعاه، فأسلما، وقال لهما: إن ذبيحة قومكما عليكما حرام. فلم يزالا معه كذلك يتعلمان منه، حتى كان عيدٌ للملك، فجمع طعامًا، ثم جمع الناس والأشراف، وأرسل إلى ابن الملك رسولًا، فدعاه إلى صنيعه ليأكل مع الناس، فأبى الفتى، وقال: إني عنك مشغول، فكل أنت وأصحابك. فلما أكثر عليه من الرسل أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم، فبعث الملك إلى ابنه، ودعاه، وقال: ما أمرك هذا؟ قال: إنا لا نأكل من ذبائحكم، إنكم كفار ليس تَحِلُّ ذبائحُكم. فقال له الملك: مَن أمرك هذا؟ فأخبره أنّ الراهب أمره بذلك، فدعا الراهب، فقال: ماذا يقول ابني؟ قال: صدق ابنك. قال له: لولا أن الدم فينا عظيم لقتلتك، ولكن اخرج من أرضنا. فأَجَّلَه أجلًا، فقال سلمان: فقمنا نبكي عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقين فأنا في بِيعَة بالموصل مع ستين رجلًا نعبد الله، فائتونا فيها. فخرج الراهب، وبقي سلمان وابن الملك، فجعل سلمان يقول لابن الملك: انطلق بنا. وابن الملك يقول: نعم. وجعل ابن الملك يبيع متاعه، يريد الجهاز، فلما أبطأ على سلمان خرج سلمان حتى أتاهم، فنزل على صاحبه، وهو رب البِيعَة، وكان أهل تلك البِيعة أفضل مرتبة من الرهبان، فكان سلمان معه يجتهد في العبادة، ويتعب نفسه، فقال له سلمان: أرأيت الذي تأمرني به، هو أفضل أو الذي أصنع؟ قال: لا، بل الذي تصنع. قال: فخَلِّ عني. ثم إن صاحب البِيعة دعاه، فقال: أتعلم أن هذه البِيعة لي، وأنا أحق الناس بها، ولو شئت أن أُخْرِج منها هؤلاء لفعلت، ولكني رجل أضعف عن عبادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتحول من هذه البِيعة إلى بِيعة أخرى، هم أهون عبادةً من هؤلاء، فإن شئت أن تقيم ههنا فأقم، وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق. فقال له سلمان: أي البِيعتين أفضل أهلًا؟ قال: هذه. قال سلمان: فأنا أكون في هذه. فأقام سلمان بها، وأوصى صاحب البِيعة بسلمان، فكان سلمان يتعبد معهم، ثم إنّ الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس، فدعا سلمان، فقال: إني أريد أن آتي بيت المقدس، فإن شئت أن تنطلق معي فانطلق، وإن شئت أن تقيم فأقم. قال له سلمان: أيهما أفضل؛ أنطلق معك أو أقيم؟ قال: لا، بل تنطلق معي. فانطلق معه، فمَرُّوا بمُقْعَد على ظهر الطريق مُلْقًى، فلما رآهما نادى: يا سيد الرهبان، ارحمني رحمك الله. فلم يكلمه، ولم ينظر إليه، وانطلقا حتى أتيا بيت المقدس، وقال الشيخ لسلمان: اخرج فاطلب العلم، فإنه يحضر هذا المسجد علماء الأرض. فخرج سلمان يسمع منهم، فرجع يومًا حزينًا، فقال له الشيخ: ما لك، يا سلمان؟ قال: أرى الخير كله قد ذهب به مَن كان قبلنا من الأنبياء وأتباعهم. فقال له الشيخ: لا تحزن، فإنّه قد بقي نبيٌّ ليس مِن نبيٍّ بأفضلَ تبعًا منه، وهذا زمانه الذي يخرج فيه، ولا أراني أدركه، وأمّا أنت فشابٌّ، فلعلك أن تدركه، وهو يخرج في أرض العرب، فإن أدركته فآمِن به، واتَّبِعْه. قال له سلمان: فأخبرني عن علامته بشيء. قال: نعم، وهو مختوم في ظهره بخاتم النبوة، وهو يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة. ثم رجعا حتى بلغا مكان المُقْعَد، فناداهما، فقال: يا سيد الرهبان، ارحمني رحمك الله. فعَطَف إليه حماره، فأخذ بيده فرفعه، فضرب به الأرض، ودعا له، وقال: قم بإذن الله. فقام صحيحًا يشتدُّ، فجعل سلمان يتعجب وهو ينظر إليه يشتد، وسار الراهب فتغيب عن سلمان، ولا يعلم سلمان، ثم إنّ سلمان فَزِع، فطلب الراهب، فلقيه رجلان من العرب من كَلْب فسألهما: هل رأيتما الراهب؟ فأناخ أحدهما راحلته، قال: نِعْمَ راعي الصِّرْمَة هذا! فحمله فانطلق به إلى المدينة، قال سلمان: فأصابني من الحزن شيء لم يصبني مثله قط. فاشترته امرأة من جُهَينَة، فكان يرعى عليها هو وغلام لها، يَتَراوَحان الغنم، هذا يومًا وهذا يومًا، وكان سلمان يجمع الدراهم، ينتظر خروج محمد ﷺ، فبينما هو يومًا يرعى إذ أتاه صاحبه يَعْقُبُه، فقال له: أشعرت أنه قد قدم اليوم المدينة اليوم رجل يزعم أنه نبي؟ فقال له سلمان: أقِمْ في الغنم حتى آتيك. فهبط سلمان إلى المدينة، فنظر إلى النبي ﷺ ودارَ حوله، فلما رآه النبي ﷺ عرف ما يريد، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه، فلما رآه أتاه وكلَّمه، ثم انطلق، فاشترى بدينار؛ ببعضه شاة فشواها، وببعضه خبزًا، ثم أتاه به، فقال: «ما هذا؟». قال سلمان: هذه صدقة. قال: «لا حاجة لي بها، فأخرجْها فليأكُلْها المسلمون». ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزًا ولحمًا، ثم أتى به النبي ﷺ، فقال: «ما هذا؟». قال: هذه هدية. قال: «فاقعد فكل». فقعد، فأكلا منها جميعًا، فبينما هو يحدثه إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصلون، ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًّا. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله ﷺ: «يا سلمان، هم من أهل النار». فاشتد ذلك على سلمان، وقد كان قال له سلمان: لو أدركوك صدَّقوك واتَّبعوك. فأنزل الله هذه الآية: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر﴾
عن عمر بن عبد العزيز، قال: كانت قريش في الجاهلية تَعْتَفِد، وكان اعتفادها أنّ أهل البيت منهم كانوا إذا سافتْ -يعني: هلكتْ- أموالهم خرجوا إلى بَراز من الأرض، فضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا، من قبل أن يُعلم بخَلّتهم، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف، فلما وبَل وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش، إنّ العِزّ مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالًا، وأعزّهم نفرًا، وإنّ هذا الاعتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيتُ رأيًا. قالوا: رأيك رشدٌ، فمُرنا نأتمر. قال: رأيتُ أنْ أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيرًا، عياله بعدد عياله، فيكون يوازره في الرحلتين؛ رحلة الصيف إلى الشام، ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظِلّه، وكان ذلك قطعًا للاعتفاد. قالوا: نِعم ما رأيتَ. فألّف بين الناس، فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان، وأنزل الله ما أنزل، وكان ذلك مفتاح النبوة، وأول عِزّ قريش حتى هابهم الناس كلّهم، وقالوا: أهل الله، والله معهم. وكان مولد النبيِّ ﷺ في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله ﷺ كان فيما أنزل عليه يعرّف قومه ما صنع إليهم، وما نصرهم من الفيل وأهله: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ إلى آخر السورة. ثم قال: ولِمَ فعلتُ ذلك -يا محمد- بقومك، وهم يومئذ أهل عبادة أوثان؟! فقال: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ إلى آخر السورة. أي: لتراحمهم وتواصلهم، وإن كان الذي آمنهم منه من الخوف؛ خوفَ الفيل وأصحابه، وإطعامَهم إياهم من الجوع؛ من جوع الاعتفاد
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ نزلت في سويد وعرفطة ابني الحارث، وعيينة بن حصن الفزاري. ذلك أنّه لَمّا فرض الله عز وجل لأُمِّ كُجَّة وبناتها الميراثَ انطلق سويد وعرفطة وعيينة بن حصن الفزاري إلى النبي ﷺ، فقالوا للنبي ﷺ: إنّ المرأة لا تركب فرسًا ولا تجاهد، وليس عند الولدان الصغار منفعة في شيء! فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ يعني: يسألونك عن النساء، يعني: سويدًا وصاحبيه، ﴿قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ يعني: ما بيَّن من القسمة في أول هذه السورة. قال: ويفتيكم ﴿في يتامى النساء﴾، يعني: بنات أم كُجَّة
عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنا الاستخارة في الأمر كما يُعَلِّمنا السورةَ مِن القرآن، يقول: «إذا همَّ أحدُكم بالأمر فليركع ركعتين مِن غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم، إنِّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك مِن فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم، إن كنت تعلم هذا الأمرَ خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجِل أمري وآجِله فاقدره لي ويسِّره لي، وإن كنت تعلم هذا الأمر شرًّا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ورَضِّني به. ويسمى حاجته باسمها»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ قريشًا دَعتْ رسول الله ﷺ إلى أن يُعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوّجوه ما أراد مِن النساء، فقالوا: هذا لك، يا محمد، وكُفّ عَن شتْم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنّا نَعرض عليك خَصلة واحدة، ولك فيها صلاح. قال: «ما هي؟». قالوا: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. قال: «حتى أنظر ما يأتيني من ربي». فجاء الوحيُ من عند الله: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ السورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٤-٦٦]
علَّق ابنُ عطية (٥/٥٣٤) على هذا الأثر بقوله: «وذلك أنه كان عندهم في التوراة: أنّ الروح مما انفرد الله بعلمه، ولا يُطلع عليه أحدًا من عباده». ثم علَّق على عبارة بعضهم: لا تسألوه. بقوله: «يعني: -والله أعلم- مِن أنه لا يفسره، فتقوى الحجة عليهم في نبوته». وذكر أن الضمير في ﴿ويسألونك﴾ لليهود، والآية مدنية. وذكر ابنُ كثير (٩/٧٢) أن هذا السياق يقتضي مدنية الآية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وأجاب عن هذا بأمرين: الأول: أنه قد يكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. الثاني: أنه نزل عليه وحي بأنه يجيبهم عما سألوا بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية: ﴿ويسألونك عن الروح﴾
انتقد ابن عطية (٧/٢٦٧) مستندًا إلى أحوال النزول والدلالة العقلية ما أفاده هذا الأثر عن ابن عباس من كون الآية نازلة في عبد الله بن أبي، فقال: «وهو وهمٌ ممن نسبه إلى ابن عباس؛ لأن السورة مكية، والآية مكية بإجماع، ولأن عبد الله بن أبي لم يجاهر قط هذه المجاهرة، واسْمُ أُبي هو الذي خلط على الرواة؛ لأن الصحيح هو ما رواه ابن وهب عن مالك، وقاله ابن إسحاق وغيره: من أن أبي بن خلف أخا أمية بن خلف هو الذي جاء بالعظم الرميم بمكة ففته في وجه النبي ﷺ، وقال: من يحيي هذا، يا محمد؟». وبنحوه قال ابنُ كثير (١١/٣٨٤)
عن خُصَيْف، قال: كنت مع مجاهد، فمر بنا رجل من قريش، فقال له مجاهد: حدثنا ما سمعت من أبيك؟ قال: حدثني أبي: أن الملائكة حين جعلوا ينظرون إلى أعمال بني آدم وما يركبون من المعاصي الخبيثة، وليس يستر الناسَ من الملائكة شيءٌ، فجعل بعضهم يقول لبعض: انظروا إلى بني آدم كيف يعملون كذا وكذا! ما أجرأهم على الله! يَعِيبونهم بذلك. فقال الله لهم: قد سمعتُ الذي تقولون في بني آدم، فاختاروا منكم مَلَكَيْن أُهْبِطُهما إلى الأرض، وأجعل فيهما شهوة بني آدم. فاختاروا هاروت وماروت، فقالوا: يا رب، ليس فينا مثلهما. فأُهْبِطا إلى الأرض، وجُعِلَت فيهما شهوة بني آدم، ومُثِّلَتْ لهما الزُّهْرَة في صورة امرأة، فلما نظرا إليها لم يتمالكا أن تناولا ما الله أعلم به، وأخذت الشهوة بأسماعهما وأبصارهما، فلما أرادا أن يطيرا إلى السماء لم يستطيعا، فأتاهما مَلَك، فقال: إنكما قد فعلتما ما فعلتما، فاختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة. فقال أحدهما للآخر: ماذا ترى؟ قال: أرى أن أُعَذَّب في الدنيا، ثم أُعَذَّب، أحب إلي من أن أُعَذَّب ساعة واحدة في الآخرة. فهما مُعَلَّقان مُنَكَّسان في السلاسل، وجُعِلا فتنة
عن عبد الله بن عباس، قال: كُنَّ نساءُ بني إسرائيل يجتمِعنَ باللَّيل فيُصَلِّينَ، ويَعْتَزِلنَ، ويذْكُرْنَ ما فضَّل اللهُ به بني إسرائيل وما أعطاهم، ثم سُلِّط عليهم شرُّ خلقِه بختُنَصَّرَ، فحرَق التوراة، وخرَّب بيت المقدس، وعزيرٌ يومئذٍ غلامٌ، فقال عزيرٌ: أوَكان هذا؟! فلَحِق الجبالَ والوحشَ، فجعل يتعبَّدُ فيها، وجعل لا يُخالِطُ الناسَ، فإذا هو ذاتَ يومٍ بامرأةٍ عند قبرٍ وهي تبكي، فقال: يا أمَةَ الله، اتَّقِي الله، واحتسِبي، واصبِري، أمّا تعلَمِين أنّ سبيلَ الناسِ إلى الموت؟! فقالت: يا عزيرُ، أتَنْهاني أن أبكيَ وأنت قد خلَّفت بني إسرائيل ولحقِت بالجبال والوحش؟! قالت: إنِّي لستُ بامرأةٍ، ولكني الدنيا، وأنّه سيَنبُعُ في مُصَلّاك عينٌ، وتَنبُتُ شجرةٌ، فاشرَبْ مِن ماء العين، وكُلْ مِن ثمرة الشجرة، فإنّه سيأتيك مَلَكان فاتركهما يَصْنَعان ما أرادا. فلمّا كان مِن الغد نبَعت العينُ، ونبتَت الشجرةُ، فشَرِب من ماء العين، وأكَل مِن ثمرة الشجرة، وجاءه مَلَكان ومعهما قارورةٌ فيها نورٌ، فأوْجَراهُ ما فيها، فألهمه اللهُ التوراةَ، فجاء فأملاه على الناس، فعند ذلك قالوا: عُزيرٌ ابن الله. تعالى اللهُ عن ذلك