عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «وُلِد لسليمان بن داود ولدٌ، فقال للشياطين: أين نُواريه مِن الموت؟ قالوا: نذهب به إلى المشرق. فقال: يصل إليه الموت. قالوا: فإلى المغرب. قال: يصل إليه الموت. قالوا: إلى البحار. قال: يصل إليه الموت. قالوا: نضعه بين السماء والأرض. فنَزل عليه ملَكُ الموت، فقال: إنِّي أُمِرْتُ بقبض نسمة طلبتُها في البحار وطلبتُها في تخوم الأرض فلم أُصِبها، فبينا أنا أصعد إذ أصبتُها، فقبضتُها. وجاء جسده حتى وقع على كرسي سليمان، فهو قول الله: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾»
قال مقاتل بن سليمان:... وأنزل الله تعالى في قول عبد الله بن أُبَي حين قال: فأين أهل فارس والروم؟: ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ﴾ يعني: الملائكة، ﴿والأَرْضِ﴾ يعني: المؤمنين، فهؤلاء أكثر من فارس والرّوم، ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ في مُلكه ﴿حَكِيمًا﴾ في أمْره، فحكَم النّصر للنبي ﷺ. وأنزل في قول عبد الله بن أُبي: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ أي: محمد ﷺ وحده ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] يقول: أقوى وأعزّ مِن أهل فارس والرّوم؛ لقول عبد الله بن أُبي هم أشدُّ بأسًا وأعزّ عزيزًا
علَّقَ ابن جرير (١/٥١٣، ٥١٤ بتصرف) على تلك الآثار بقوله: «وقد رُوِي عن رسول الله ﷺ خبرٌ يُحَقِّق ما قال مَن حَكَيْنا قولَه في معنى آدم. وذلك ما حَدَّثَنِي به... عن أبي موسى الأشعري»، فذكر حديثه الوارد في المتن في الآثار المتعلقة بالآية. ثم وجَّه هذا التأويل بقوله: «فعلى التأويل الذي تَأَوَّل آدم بمعنى: أنه خُلِق من أديم الأرض، يجب أن يكون أصل آدم فِعْلًا سُمِّي به أبو البشر، كما سُمِّي أحمد بالفعل من الإحماد، وأسعد من الإسعاد، فلذلك لم يُجْرَ [لم يُصْرَف]، ويكون تأويله حينئذ: آدمَ الملكُ الأرضَ، يعني: به بلغ أدَمَتَها. ثم نُقِلَ من الفعل فجُعِل اسمًا للشخص بعينه»
عن عبد الله بن عباس -من طريق مقاتل وجُوَيْبِر عن الضحاك، والسدي عن مجاهد-، وكعب -من طريق قتادة-، والحسن البصري -من طريق قتادة-، ووهب [بن مُنَبِّه]-من طريق إدريس ابن بنت وهب- يزيد بعضهم على بعض: أنّ عُزَيْرًا كان عبدًا صالحًا حكيمًا، خرج ذات يوم إلى ضَيْعَةٍ له يَتَعاهَدُها، فلمّا انصرف انتهى إلى خَرِبة حين قامت الظَّهِيرة، وأصابه الحَرُّ، فدخل الخَرِبة وهوعلى حمار له، فنزل عن حماره، ومعه سَلَّةٌ فيها تين، وسَلَّةٌ فيها عِنب، فنزل في ظِلِّ تلك الخَرِبة، وأخرج قَصْعَةً معه، فاعتصر مِن العنب الذي كان معه في القَصْعَة، ثم أخرج خبزًا يابسًا معه فألقاه في تلك القصعة في العصير؛ ليبتلَّ ليأكُلَه، ثُمَّ استلقى على قفاه، وأسند رجليه إلى الحائط، فنظر سُقُفَ تلك البيوت، ورأى ما فيها، وهي قائمة على عُرُشِها، وقد باد أهلها، ورأى عِظامًا بالية، فقال: أنّى يُحْيِي هذه اللهُ بعد موتها؟ فلم يشكَّ أنّ الله يحييها، ولكن قالها تعجبًا، فبعث الله ملَكَ الموت فقَبَضَ روحَه، فأماته الله مائة عام، فلَمّا أتت عليه مائةُ عام، وكان فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمورٌ وأحداثٌ، فبعث الله إلى عُزَيْرٍ ملَكًا، فخلق قلبَه ليَعْقِلَ به، وعينيه لينظر بهما، فيعقِلَ كيف يحيي الله الموتى، ثم ركَّب خَلْقَه وهو يَنْظُرُ، ثم كسا عظامَه اللحم والشعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كل ذلك يرى ويعقل، فاستوى جالسًا، فقال له الملَكُ: كم لبثتَ؟ قال: لبثت يومًا -وذلك أنّه كان نام في صدر النهار عند الظهيرة، وبُعِثَ في آخر النهار والشمس لم تَغِب- فقال: أو بعض يوم، ولم يتمَّ لي يوم. فقال له الملك: ﴿بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك﴾. يعني: الطعام الخبز اليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصر في القَصْعة، فإذا هما على حالِهما، لم يتغير العصير والخبز اليابس، فذلك قوله: ﴿لم يتسنه﴾، يعني: لم يتغير، وكذلك التين والعنب غَضٌّ لم يتغيَّر عن حاله، فكأنّه أنكر في قلبه، فقال له المَلَك: أنكرتَ ما قلتُ لك؟! انظر إلى حمارك. فنظر، فإذا حماره قد بَلِيت عظامُه، وصارت نَخِرة، فنادى الملَكُ عظامَ الحمار، فأجابت، وأقبلت من كل ناحية، حتى ركبه الملَك وعزيرٌ ينظر إليه، ثم ألبَسَها العروقَ والعصبَ، ثم كساها اللحم، ثم أنْبَت عليها الجلد والشعر، ثم نفخ فيه الملَك، فقام الحمارُ رافعًا رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقًا، فذلك قوله: ﴿وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما﴾، يعني: انظر إلى عظام حمارك كيف يركبُ بعضُها بعضًا في أوصالها، حتى إذا صارت عظامًا مُصَوَّرًا حمارًا بلا لحم، ثم انظر كيف نكسوها لحمًا، ﴿فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ من إحياء الموتى وغيره. قال: فرَكِب حمارَه حتى أتى مَحِلَّته، فأنكره الناس، وأنكر الناسَ، وأنكر منازلَه، فانطلق على وهْمٍ منه حتى أتى منزله، فإذا هو بعجوز عمياء مُقْعَدة قد أتى عليها مائةٌ وعشرون سنةً، كانت أمَةً لهم، فخرج عنهم عُزَيْرٌ وهي بنتُ عشرين سنة، كانت عرَفته وعقَلته، فقال لها عُزَيْرٌ: يا هذه، أهذامنزل عُزَيْر؟ قالت: نعم. وبَكَتْ، وقالت: ما رأيتُ أحدًا من كذا وكذا سنة يذكُرُ عُزَيْرًا، وقد نسيه الناس. قال: فإنِّي أنا عُزَيْرٌ. قالت: سبحان الله! فإنّ عُزَيْرًا قد فقدناه منذ مائة سنة، فلم نسمع له بذِكْر. قال: فإنِّي أنا عُزَيْر؛ كان الله أماتني مائة سنة، ثم بعثني. قالت: فإنّ عزيرًا كان رجلًا مستجاب الدعوة، يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادعُ الله أن يَرُدَّ عليَّ بصري حتى أراك، فإن كنتَ عُزَيْرًا عرَفتُك. فدعا ربَّه، ومسح يده على عَيْنَيها؛ فصحَّتا، وأخذ بيدها، فقال: قُومي بإذن الله. فأطلَق اللهُ رجلَيها؛ فقامت صحيحة كأنما نشِطت من عِقال، فنظرت، فقالت: أشهد أنك عُزَيْرٌ. فانطلقت إلى محلَّة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابنٌ لعزير شيخٌ ابنُ مائة سنة وثمان عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادتهم، فقالت: هذا عُزَيْرٌ قد جاءكم. فكذَّبُوها، فقالت: أنا فلانة مولاتُكم، دعا لي ربَّه فردَّ عليَّ بصري، وأطلق رجلي، وزعم أنّ الله كان أماته مائة سنة ثم بعثه. فنهض الناس، فأقبلوا إليه، فنظروا إليه، فقال ابنُه: كانت لأبي شامةٌ سوداءُ بين كتفيه. فكشف عن كَتِفَيْه، فإذا هو عزير. فقالت بنو إسرائيل: فإنّه لم يكن فينا أحدٌ حَفِظ التوراة فيما حُدِّثنا غيرُ عزير، وقد حرَّق بُخْتُنَصَّر التوراةَ، ولم يبق منها شيءٌ إلا ما حَفِظَت الرجال؛ فاكتبها لنا. وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام بُخْتُنَصَّرَ في موضع لم يعرفه أحد غيرُ عزير، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع، فحفره، فاستخرج التوراة، وكان قد عَفِن الوَرَقُ، ودَرَس الكتابُ، فجلس في ظلِّ شجرة وبنو إسرائيل حولَه، فجدَّد لهم التوراة، فنزل من السماء شِهابان حتى دخلا جوفَه، فتذكَّر التوراةَ، فجدَّدها لبني إسرائيل، فمِن ثمَّ قالت اليهود: عزيرٌ ابن الله. لِلَّذي كان من أمر الشِّهابين، وتجديده للتوراة، وقيامه بأمر بني إسرائيل، وكان جدّد لهم التوراة بأرض السَّواد بدِير حِزْقيلَ، والقرية التي مات فيها يُقال لها: سابُراباذُ. قال ابن عباس: فكان كما قال الله: ﴿ولنجعلك آية للناس﴾. يعني: لبني إسرائيل؛ وذلك أنه كان يجلس مع بني بنيه، وهم شيوخ، وهو شاب؛ لأنه كان مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شابًّا كهيئته يوم مات
اختلف السلف في المراد باليوم العقيم على قولين: أحدهما: يوم القيامة. والآخر: يوم بدر. ورجَّح ابنُ جرير (١٦/٦١٧-٦١٨) مستندًا إلى دلالة العقل أنّ المراد باليوم العقيم: يوم بدر. وهو قول ابن عباس، ومجاهد من طريق ليث وجابر، وابن جريج، وسعيد بن جبير، وأُبيٍّ، وقتادة، وعكرمة، ومقاتل، وانتقد القول بأنه القيامة، فقال: «لأنه لا وجه لأن يُقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة؛ وذلك أنّ الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضًا هو يوم القيامة، فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له. فإذ كان ذلك كذلك فأولى التأويلين به أصحهما معنى، وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرنا في معناه». وانتقد ابنُ عطية (٦/٢٦٦) القول الأول مستندًا لمخالفته اللغة بقوله: «ومَن جعل الساعة واليوم العقيم يوم القيامة فقد أفسد رتبة ﴿أو﴾». ورجَّح ابنُ كثير (١٠/٨٨-٨٩) مستندًا إلى السياق والنظائر القولَ بأنه يوم القيامة. وهو قول عكرمة، ومجاهد، والضحاك، والحسن، فقال: «وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به، لكن هذا هو المراد؛ ولهذا قال: ﴿الملك يومئذ لله يحكم بينهم﴾، كقوله ﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة:٤]، وقوله: ﴿الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا﴾ [الفرقان:٢٦]». وهذا الاختلاف مبنيٌّ على أن المراد بالساعة في قوله تعالى: ﴿أو تأتيهم الساعة بغتة﴾: يوم القيامة. وحكى ابنُ عطية (٦/٢٦٦) قولًا آخر بأن ﴿الساعة﴾ ساعة موتهم أو قتلهم في الدنيا كيوم بدر ونحوه، وأن اليوم العقيم يوم القيامة، وبناء عليه لم ير بأسًا في تفسير الساعة أنها يوم القيامة أو ساعة الموت في الدنيا، ولم ير بأسًا في تفسير اليوم أنه يوم بدر أو القيامة فقال: «وهذان القولان جيدان لأنهما أحرزا التقسيم بـ﴿أو﴾»
اختلف في المعنيِّ بـ﴿المقتسمين﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، اقتسموا القرآن فجعلوه أعضاء، فآمنوا ببعض منها وكفروا ببعض. الثاني: أنهم أهل الكتاب، اقتسموا القرآن استهزاءً به، فقال بعضهم: هذه السورة لي، وهذه السورة لك. الثالث: أنهم أهل الكتاب، اقتسموا كتبهم، فآمن بعضهم ببعضها، وآمن آخرون منهم بما كفر به غيرهم وكفروا بما آمن به غيرهم. الرابع: أنهم رهط من كفار قريش بأعيانهم. الخامس: أنهم رهط من قوم صالح، الذين تقاسموا على تبييت صالح وأهله. ووجَّه ابنُ عطية (٥/٣١٨) هذا بقوله: «فالمقتسمون -على هذا- مِن القَسَم». السادس: أنهم قوم من كفار قريش اقتسموا طرق مكة ليتلقوا الواردين إليها من القبائل، فينفروهم عن رسول الله ﷺ بأنّه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون، حتى لا يؤمنوا به. ورجَّح ابنُ جرير (١٤/١٣٣) مستندًا إلى دلالة عموم ظاهر الآية شمول الآية لجميع الأقوال، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندي أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- أمر نبيَّه ﷺ أن يُعلِم قومَه الذين عَضُّوا القرآن ففَرَّقوه، أنه نذيرٌ لهم من سخط الله تعالى وعقوبته أن يَحُلَّ بهم على كفرهم ربَّهم وتكذيبِهم نبيَّهم ما حلَّ بالمقتسمين من قبلهم ومنهم». ثم بيَّن أنّه جائزٌ أن يكون عُنِي بـ﴿المقتسمين﴾ أحد هذه الأقوال، ثم قال (١٤/١٣٤): «فإذ لم يكن في التنزيل دلالةٌ على أنه عُنِيَ به أحد الفرق الثلاثة دون الآخرين، ولا في خبرٍ عن الرسول ﷺ، ولا في فطرة عقلٍ، وكان ظاهر الآية مُحْتَمِلًا ما وصفْتُ؛ وجَبَ أن يكون مَقْضِيًّا بأنّ كلَّ من اقتسم كتابًا لله، بتكذيبِ بعضٍ وتصديق بعض، واقتسم على معصيةٍ الله، مِمَّن حلَّ به عاجلُ نقمةِ الله في الدار الدنيا قبل نزول هذه الآية؛ فداخلٌ في ذلك؛ لأنهم لأشكالهم من أهل الكفر بالله كانوا عِبْرةً، وللمتَّعظين بهم منهم عِظَةً». وانتقد ابنُ عطية (٥/٣١٨) القول الخامس مستندًا إلى السياق، قائلًا: «ويقلق هذا التأويل مع قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾»
عن زيد بن أرْقَم، قال: كنتُ جالسًا مع عبد الله بن أُبيّ، فمَرّ رسولُ الله ﷺ في ناس مِن أصحابه، فقال عبد الله بن أُبيّ: لئن رَجَعنا إلى المدينة ليُخرِجنّ الأَعزّ منها الأَذلّ. فأَتيتُ سعد بن عُبادة، فأَخبَرتُه، فأتى رسولَ الله ﷺ، فذكَر ذلك له، فأرسَل رسولُ الله ﷺ إلى عبد الله بن أُبيّ، فحَلف له عبد الله بن أُبيّ بالله ما تَكلّم بهذا، فنظر رسول الله ﷺ إلى سعد بن عُبادة، فقال سعد: يا رسول الله، إنما أخبَرنيه الغلام زيد بن أرْقَم. فجاء سعد، فأخذ بيدي، فانطلَق بي، فقال: هذا حدَّثني. فانتَهرني عبد الله بن أُبيّ، فانتهيتُ إلى رسول الله ﷺ، وبَكيتُ، وقلتُ: إي، والذي أنزل النور عليك، لقد قاله. وانصرف عنه النبيُّ ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ إلى آخر السورة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يعني: وأَتِمُّوا الصلوات الخمس، وأَعطوا الزكاة المفروضة من أموالكم، فنُسِخَ قيام الليل على المؤمنين، وثَبتَ قيام الليل على النبي ﷺ، وكان بين أول هذه السورة وآخرها سنة، حتى فُرضت الصلوات الخمس والزكاة، فهما واجبتان، فذلك قوله: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ يقول: وأَعطوا الزكاة من أموالكم، ﴿وأَقْرِضُوا اللَّهَ﴾ يعني: التَّطوّع ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني بالحسن: طيِّبة بها نفسه، يَحتسبها تَطوّعًا بعد الفريضة، ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِن خَيْرٍ﴾ يعني: مِن صدقة؛ فريضة كانت أو تَطوّعًا؛ يقول: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ ثوابًا عند الله في التقديم ﴿هُوَ خَيْرًا وأَعْظَمَ أجْرًا﴾ يقول: أفضل مما أعطيتم من أموالكم وأعظم أجرًا، يعني: وأكثر خيرًا وأفضل خيرًا في الآخرة، ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ من الذّنوب؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكم عند الاستغفار إذا استغفرتموه، ﴿رَحِيمٌ﴾ حين رخّص لكم بالتوبة
عن عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل مِن الحبشة إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: «سَلْ، واستَفْهِم». فقال: يا رسول الله، فُضِّلتم علينا بالألوان والصُّوَر والنّبوة، أفرأيتَ إن آمنتُ بما آمنتَ به، وعملتُ بما عملتَ به؛ إنِّي كائن معك في الجنة؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده، إنه ليُرى بياض الأَسود في الجنة مِن مسيرة ألف عام». ثم قال: «مَن قال: لا إله إلا الله، كان له عهد عند الله، ومَن قال: سبحان الله وبحمده، كُتبتْ له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة». ونزلت عليه هذه السورة: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْر﴾ إلى قوله: ﴿ومُلْكًا كَبِيرًا﴾. فقال الحبشي: وإنّ عيني لتَرى ما تَرى عيناك في الجنة؟ قال: «نعم». فاشتكى حتى فاضتْ نفسُه، قال ابن عمر: فلقد رأيتُ رسول الله ﷺ يُدْليه في حُفرته بيده
في ﴿طه﴾ خمسة أقوال: الأول: أنّ معناه: يا رجل. الثاني: أنّه اسم من أسماء الله، وقَسَمٌ أقسم الله به. الثالث: أنّه حرف من الحروف المُقَطَّعة التي تفتتح بها السور. الرابع: أن معناه: طأِ الأرضَ بقدمك. الخامس: أن معناه: طهارة أهل بيت النبي ﷺ. وقد رجّح ابن جرير (١٦/٨) مستندًا إلى اللغة وأقوال السلف القولَ الأول، فقال: ""والذي هو أولى بالصواب عندي مِن الأقوال فيه: قولُ مَن قال: معناه: يا رجل. لأنّها كلمة معروفة في عكٍّ فيما بلغني، وأن معناها فيهم: يا رجل، أُنشدت لمتمم بن نويرة: هتفت بطه في القتال فلم يجب فخفت عليه أن يكون موائلاوقال آخر: إنّ السفاهة طه مِن خلائقكم لا بارك الله في القوم الملاعينفإذا كان ذلك معروفًا فيهم على ما ذكرنا فالواجب أن يُوَجَّه تأويلُه إلى المعروف فيهم مِن معناه، ولا سيما إذا وافق ذلك تأويلَ أهل العلم من الصحابة والتابعين""