وجَّه ابن كثير (٧‏/‏٨١) قول قتادة بأنه جعل الفيء والغنيمة بمعنى واحد، ولذا قال بالنسخ. وانتقد ابنُ جرير (١١‏/‏١٨٦) قول قتادة بالنسخ مستندًا إلى عدم التعارض، فقال: «وأما قول من قال: الآية التي في سورة الأنفال ناسخةٌ الآيةَ في سورة الحشر فلا معنى له، إذ كان لا معنى في إحدى الآيتين ينفي حكم الأخرى». وانتقده ابن عطية (٤‏/‏١٩٣) مستندًا لأحوال النزول، ودلالة العقل، فقال: «وهذا قول ضعيف، نَصَّ العلماء على ضعفه، وأن لا وجه له من جهات؛ منها أن هذه السورة نزلت قبل سورة الحشر، هذه ببدر وتلك في بني النضير وقرى عرينة، ولأن الآيتين متفقتان، وحكم الخُمُس وحكم تلك الآية واحد؛ لأنها نزلت في بني النضير حين جلوا وهربوا، وأهل فدك حين دعوا إلى صلح ونال المسلمون ما لهم دون إيجاف». وبنحوه قال ابنُ كثير (٧‏/‏٨١). ونقل ابنُ عطية (٤‏/‏١٩٣-١٩٤) قولًا لأبي عبيدة بأن هذه الآية ناسخة لقوله في أول السورة: ﴿قُلِ الأَنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآية، وأن رسول الله ﷺ لم يُخَمِّس غنائم بدر، فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذه الآية، وانتقده مستندًا للسنة بقوله: «ويظهر في قول علي بن أبي طالب في البخاري: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم ببدر، وشارف أعطانيها رسول الله ﷺ من الخُمُس حينئذ. أن غنيمة بدر خُمِّست، فإن كان ذلك فسد قول أبي عبيدة». ثم قال: «ويحتمل أن يكون الخُمُس الذي ذكره علي بن أبي طالب من إحدى الغزوات التي كانت بين بدر وأحد، فقد كانت غزوة بني سليم، وغزوة السويق، وغزوة ذي أمر، وغزوة بُحران، ولم يحفظ فيها قتال، ولكن يمكن أن غنمت غنائم»

سورة المائدة — الآية ٦٧

عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي ظَبْيان- قال: سُئِل رسول الله ﷺ: أيُّ آيةٍ أُنزِلت مِن السماءِ أشدُّ عليك؟ فقال: «كنتُ بمنًى أيامَ مَوْسمٍ، واجْتَمَع مشركو العرب وأفناءُ الناس في الموسم، فأُنزِل عليَّ جبريلُ، فقال: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾». قال: «فقُمْتُ عند العَقَبة، فنادَيتُ: يا أيُّها الناس، مَن يَنصُرُني على أن أُبَلِّغَ رسالات ربي ولكم الجنة؟ أيُّها الناس، قولوا: لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم. تُفْلِحوا، وتُنجِحوا، ولكم الجنة». قال: «فما بقِي رجلٌ ولا امرأة ولا صبيٌّ إلا يَرمُون عليَّ بالتراب والحجارة، ويَبْزقُون في وجهي، ويقولون: كذّابٌ صابِئٌ. فعرَض عَلَيَّ عارِضٌ، فقال: يا محمد، إن كنتَ رسول الله فقد آن لك أن تَدْعُوَ عليهم كما دعا نوحٌ على قومِه بالهلاك». فقال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ، اهْدِ قومي فإنهم لا يَعلَمون، وانصُرْني عليهم أن يُجيبُوني إلى طاعتك». فجاء العباس عمُّه، فأنقذَه منهم، وطرَدهم عنه. قال الأعمش: فبذلك تَفْتَخرُ بنو العباس، ويقولون: فيهم نزَلت: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ [القصص:٥٦]. هَوِي النبي ﷺ أبا طالب، وشاء اللهُ عباس بن عبد المطلب

علَّقَ ابنُ عطية (٢‏/‏٤٩٧) على كلام للربيع يشبه ما ورد في أثر ابن عباس هذا بقوله: «طَعَنَ بعضُ الناس في هذا القول بأنّ الآية خبرٌ، والأخبارُ لا تُنسَخُ. وهذا غير لازمٍ؛ لأنّ الآيةَ لفظها الخبر، ومعناها تقرير حكم شرعي، فهي نحو قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ [البقرة:٢٨٤]، ونحو قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ [الأنفال:٦٥]، وإنّما يضعف القولَ بالنسخ مِن حيث تنبني الآيتان، ولا يحتاج إلى تقرير نسخ؛ لأنّ هذه الآية لم تنفِ أن يغفر للعاصي الذي لم يَتُبْ مِن قريب، فنحتاج أن نقول: إنّ قوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ نسخها. وإنّما نَفَتْ هذه الآيةُ أن يكون تائبًا مَن لم يتب إلا مع حضور الموت. فالعقيدة عندي في هذه الآيات: أنّ مَن تاب مِن قريبٍ فله حكم التائب فيغلب الظَّنُّ عليه أنه ينعم ولا يعذب، هذا مذهب أبي المعالي وغيره، وقال غيرهم: بل هو مغفور له قطعًا؛ لإخبار الله تعالى بذلك. وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة، ومَن لم يتب حتى حضره الموتُ فليس في حكم التائبين، فإن كان كافرًا فهو يخلد، وإن كان مؤمنًا فهو عاصٍ في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوى الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أنّ مَن هذه الصنيفة من يغفر الله له تعالى تفضلًا منه ولا يعذبه. وأعلم الله تعالى أيضًا أنّ ﴿الذين يموتون وهم كفار﴾ فلا مُسْتَعْتَبَ لهم، ولا توبة في الآخرة»

وجَّه ابنُ جرير (٧‏/‏٢٤) قول حضرمي ومَن وافقه أنّهم بخِلوا بكتمانهم أمرَ محمد ﷺ، بقوله: «فتأويل الآية على هذا القول: واللهُ لا يُحِبُّ ذوي الخُيَلاء والفَخْر الذين يبخلون بتَبَيين ما أمرهم الله بتبيينه للناس؛ من اسم محمد ﷺ، ونعته، وصفته التي أنزلها في كتبه على أنبيائه، وهم به عالمون، ويأمرون الناس الذين يعلمون ذلك مثل علمهم بكتمان ما أمرهم الله بتبيينه له، ويكتمون ما آتاهم الله من علم ذلك ومعرفته مَن حَرَّم الله عليه كتمانه إيّاه». وذكر ابنُ كثير (٤‏/‏٤٨) أنّ هذا القول تحتمله الآية، فقال: «ولا شكَّ أنّ الآيةَ مُحْتَمِلَةٌ لذلك». ثُمَّ رجَّح مستندًا إلى السياق القولَ بأنّه البخل بالمال، فقال: «والظاهرُ أن السِّياق في البخل بالمال، وإن كان البخلُ بالعلم داخِلًا في ذلك بطريق الأَوْلى؛ فإنّ سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذا الآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس﴾، فذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله». وأمّا ابنُ تيمية (١‏/‏٢٤٢) فقد ذكر اشتمال الآية على معاني البخل، فقال: «قوله: ﴿الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل﴾ قد تُؤُوِّلت في البخل بالمال والمنع، والبخل بالعلم ونحوه، وهي تعمّ البخلَ بكل ما ينفع في الدين والدنيا مِن علم ومال وغير ذلك». ثم قال مُرَجِّحًا: «وإن كان السياقُ يدُلُّ على أنّ البخل بالعلم هو المقصود الأكبر»

اختلف أهل التفسير في الآيات التي أوتيها المذكور في الآية على أقوال؛ الأول: هي اسم الله الأعظم. الثاني: كتاب من كتب الله. الثالث: النبوة. وذكر ابنُ جرير (١٠‏/‏٥٧٤-٥٧٥) أنّ الآيات هي الحجج، وأنها تحتمل معنيين: ١- ما تعلمه المذكور في الآية من بعض كتب الله التي أنزلها، وعلى هذا يجوز أن يكون الذي أوتيها: بلعم أو أمية؛ لأنّ أمية كان فيما يُقال قد قرأ من كتب أهل الكتاب. ٢- كتاب أنزله الله على من أمر نبي الله أن يتلو على قومه نبأه، أو بمعنى اسم الله الأعظم، أو بمعنى النبوة، فغير جائز أن يكون معنيًّا به أُمَيَّة؛ لأنّ أمية لا تختلف الأمة في أنه لم يكن أوتي شيئًا من ذلك. ثم قال: «ولا خبر بأيِّ ذلك المراد، وأيّ الرجلين المعنيّ يُوجِب الحجة، ولا في العقل دلالة على أنّ ذلك المعني به من أيٍّ». وانتَقَد ابنُ عطية (٤‏/‏٨٨) قولَ مجاهد، وسليمان التيمي أنّها النُّبُوَّة بقوله: «وهو قول مردود، لا يصح عن مجاهد، ومَن أُعْطِي النبوة فقد أُعْطِي العِصْمَة ولا بُدَّ، ثبت هذا بالشرع». وبنحوه قال ابنُ كثير (٦‏/‏٤٥١). وذكر ابنُ عطية (٤‏/‏٨٨-٨٩) أنّ الزجاج نقل أنه قيل: إنّ الإشارة بالقصة إلى منافقي أهل الكتاب. وعلَّق عليه بقوله: «وصواب هذا أن يُقال: إلى كُفّار أهل الكتاب؛ لأنه لم يكن منهم منافق، إنما كانوا مجاهرين»

ذكر ابنُ عطية (٥‏/‏٣٤١) في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ قراءتان: الأولى: (يُدْعَوْنَ) بضم الياء وفتح العين، على ما لم يُسَمَّ فاعله، وعلَّق عليها بقوله: «و﴿أمْواتٌ﴾ يراد به الذين يدعون من دون الله، ورفع على ابتداء خبر مضمر تقديره: هم أموات، ويجوز أن يكون خبرًا لقوله: ﴿والَّذِينَ﴾ بعد الخبر في قوله: ﴿لا يَخْلُقُونَ﴾، ووصفهم بالموت مجازًا، وإنما المراد أنهم لم يقبلوا حياةً قط ولا اتَّصفوا بها». الثانية: ﴿يَدعُون﴾ بفتح الياء وضم العين، وعلَّق على هذه القراءة بأنه «يجوز أن يراد بالأموات الكفار الذين ضميرهم في ﴿يَدعُون﴾، شبَّههم بالأموات غير الأحياء من حيث هم ضلال غير مهتدين، ويستقيم -على هذا- فيهم قوله: ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾، والبعث هنا: هو الحشر من القبور». ثم نقل ابنُ عطية عن فرقة: أن الضمير في: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ و﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ للكفار، ونقل عن فرقة أخرى: أن الضمير في ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ للأصنام، و﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: أيّان يُبعَث الكفار، وذكر احتمالًا آخر: «أن يكون الضميران للأصنام، [ويكون البعث الإثارة، ] كما تقول: بعثت النائم من نومه. إذا نبهته، وكما تقول: بعث الراعي سهمه. فكأنه وصفهم بغاية الجمود، أي: وإن طلبتَ حركاتهم بالتحريك لم يشعروا بذلك». ثم وجَّه قول الفرقة الأولى بقوله: «وعلى تأويل من يرى الضميرين للكفار ينبغي أن يُعتَقد في الكلام الوعيد، أي: وما يشعر الكفار متى يُبعَثون إلى التعذيب، ولو اختصر هذا المعنى لم يكن في وصفهم بأنهم لا يشعرون وأيان يبعثون طائل؛ لأن الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك هم في الجهل بوقت البعث»

اختُلِف في قراءة قوله: ﴿معاجزين﴾؛ فقرأ قوم: ﴿معاجزين﴾. وقرأ غيرهم: ‹مُعَجِّزِينَ›. وذكر ابنُ جرير (١٦‏/‏٦٠١) أنّ من فسر ﴿معاجزين﴾ بـ:مشاقين، أو بـ:أنهم ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم. فهو موافق للقراءة الأولى، وأن القراءة الثانية بمعنى: أنهم عجّزوا الناس، وثَبَّطوهم عن اتِّباع رسول الله ﷺ والإيمان بالقرآن. وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٢٦١). ورجَّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٦٠٢) صحة كلتا القراءتين، وتقارب معناهما مستندًا لاستفاضتهما وشهرتهما، فقال: «والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما عُلماء مِن القرّاء، متقاربتا المعنى؛ وذلك أنّ مَن عجّز عن آيات الله فقد عاجز الله، ومِن معاجزة الله التعجيز عن آيات الله، والعمل بمعاصيه وخلاف أمره، وكان مِن صفة القوم الذين أنزل الله هذه الآيات فيهم أنهم كانوا يُبَطِّئون الناسَ عن الإيمان بالله، واتباع رسوله، ويُغالِبون رسول الله ﷺ، يحسبون أنهم يُعَجِّزونه ويغلبونه، وقد ضمن الله له نصره عليهم، فكان ذلك معاجزتهم الله. فإذ كان ذلك كذلك فبأيِّ القراءتين قرأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك». وذكر ابنُ عطية (٦‏/‏٢٦١) أنّ من قرأ: ﴿معاجزين﴾ فمعناه: مغالبين، كأنهم: طلبوا عجز صاحب الآيات، والآيات تقتضي تعجيزهم، فصارت مفاعلة

سورة البقرة — الآية ٢١٩

عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: نزلت هذه الآية: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ الآية، فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع عبدُ الرحمن بن عوف طعامًا، فدَعا ناسًا فيهم عليُّ بن أبي طالب، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾. فلم يَفهَمها؛ فأنزَل اللهُ يشدِّدُ في الخمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء:٤٣]. فكانت حلالًا، يشرَبونها من صلاة الغداة حتى يرتفعَ النهار، فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مُصْحُون، ثم لا يشربونها حتى يُصَلُّوا العَتَمة، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صَحَوا، فلم يزالوا بذلك يشربونها، حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعامًا، فدعا ناسًا فيهم رجلٌ من الأنصار، فشَوى لهم رأسَ بعير، ثم دعاهم عليه، فلمّا أكلوا وشرِبوا من الخمر سَكِروا، وأخذوا في الحديث، فتكلم سعدٌ بشيءٍ، فغَضِب الأنصاري، فرفَع لَحْيَ البعير، فكَسَر أنفَ سعد؛ فأنزَل الله نسخَ الخمر وتحريمها: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة:٩٠-٩١]

سورة الأعراف — الآية ١٤٦

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾، يعني: يعملون فيها بالمعاصي؛ الكبرياء، والعظمة، يعني: أهل مصر. يقول: سأصرف عن التفكير في خلق السموات والأرض، وما بينهما من الآيات؛ الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، والرياح، والجبال، والفلك، والبحور، والشجر، والثمار، والنبات، عام بعام -يعني: المتكبرين-، فلا يتفكرون فتكون لهم عبرة، يعني: لأهل مصر. ثم قال يعنيهم: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ يعني: يروا مرة اليد، ومرة العصا، ثم يرون الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، ثم السنين، ثم الطمس، فرأوا كل آية على حِدَةٍ، فلم يؤمنوا ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ يعني: لا يُصَدِّقون بأنّها من الله، ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ يعني: طريق الهدى ﴿لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ يعني: لا يتخذوه دينًا فيَتَّبِعونه، ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ﴾ يعني: طريق الضلالة ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ يقول: اتَّخذوه دينًا فيَتَّبعونه، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ يعني: بالآيات التسع، ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ يعني: مُعرضين، ولم يَتَفَكَّروا فيها

سورة الحجرات — الآية ٣

قال مقاتل بن سليمان: لَمّا نَزَلتْ هذه الآية: [أي: قوله تعالى: ﴿لا فَوْقَ تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية] أقام ثابت بن قيس في منزله مهمومًا حزينًا مخافة أن يكون حبِط عمله، وكان بدريًّا، فانطلق جاره سعد بن عبادة الأنصاري إلى النبي ﷺ، فَأَخْبَرَه بقول ثابت بن قيس بأنه قد حَبِطَ عَمَلُه وهو في الآخرة من الخاسرين وهو في النار. فقال النبي ﷺ لسعد: «اذهب، فأخبِره أنك لم تُعنَ بهذه الآية، ولست مِن أهل النار، بل أنت من أهل الجنّة، وغيرك من أهل النار -يعني: عبد الله بن أُبي المنافق-، فاخرج إلينا». فرجع سعد إلى ثابت، فأخبَره بقول النبي ﷺ، ففرح، وخرج إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ حين رآه: «مرحبًا برجل يزعم أنه من أهل النار، بل غيرك من أهل النار -يعني: عبد الله بن أُبي، وكان جاره-، وأنت من أهل الجنة». فكان ثابت بعد ذلك إذا كان عند النبي ﷺ خفض صوته، فلا يسمع مَن يليه؛ فنَزَلتْ فيه بعد الآية الأولى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهُمْ﴾