نقل ابنُ كثير (٣‏/‏٤٢٣-٤٢٤) تعليق الحافظ أبي عمر ابن عبد البر على أثر عثمان هذا، فقال: «قد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف، منهم: ابن عباس، ولكنهم اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحدٌ من فقهاء الأمصار والحجاز ولا بالعراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام ولا المغرب، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من يعمل ذلك ما اجتمعنا عليه، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أنّ معنى قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم﴾ إلى آخر الآية: أنّ النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظرًا وقياسًا الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذَّ عنها». وقال ابن عطية (٢‏/‏٥٠٩): «قوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ لفظٌ يَعُمُّ الجمعَ بنكاحٍ، وبملك يمين». ثُمَّ ذكر نحوًا من كلام ابن عبد البر

ذكر ابنُ جرير (١٤‏/‏٤٠٨-بتصرف) قراءتي الفتح والكسر في قوله: ﴿ضيق﴾، ثم رجح مستندًا إلى اللغة قراءة الفتح، فقال: «وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه: ﴿في ضيق﴾ بفتح الضاد؛ لأن الله تعالى إنما نهى نبيه ﷺ أن يضيق صدره مما يلقى من أذى المشركين على تبليغه إياهم وحي الله وتنزيله، فقال له: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به﴾ [الأعراف:٢]، وقال: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، إنما أنت نذير﴾ [هود:١٢]، وإذ كان ذلك هو الذي نهاه -تعالى ذكره-؛ ففتح الضاد هو الكلام المعروف من كلام العرب في ذلك المعنى، تقول العرب: في صدري من هذا الأمر ضيق. وإنما تكسر الضاد في الشيء الذي يتسع أحيانًا ويضيق من قلة المعاش وضيق المسكن ونحو ذلك، فإن وقع الضيق -بفتح الضاد- في موضع الضيق –بالكسر- كان على أحد وجهين، إما على جمع الضيقة... والآخر: على تخفيف الشيء الضيق، كما يخفف الهين اللين فيقال: هو هَيْنٌ لَيْنٌ»

سورة آل عمران — الآية ٦٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-، وعن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، وذكره محمد بن إسحاق بن يسار، وقد دَخَل حديثُ بعضِهم في بعض، قالوا: لَمّا هاجر جعفر بن أبي طالب وأصحابه إلى الحبشة، واستقرت بهم الدار، وهاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وكان مِن أمر بدر ما كان؛ اجتمعت قريش في دار النَّدْوَة، وقالوا: إنّ لنا في أصحاب محمد الذين عند النجاشي ثأرًا بِمَن قُتل منكم ببدر، فاجمعوا مالًا، وأهدوه إلى النجاشي، لعله يدفع إليكم مَن عِندَه من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان مِن ذوي آرائكم. فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي مُعَيط مع الهدايا: الأُدُم وغير ذلك، فركبا البحر، وأتيا الحبشة، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، وسلَّما عليه، وقالا له: إنّ قومنا لك ناصحون شاكرون، ولصلاحك مُحِبُّون، وإنّهم بعثونا إليك لِنُحَذِّرك هؤلاء القوم الذين قدموا عليك؛ لأنهم قوم رجل كذّاب، خرج فينا يزعم أنّه رسول الله، ولم يتابعه أحدٌ مِنّا إلا السفهاء، وإنّا كُنّا قد ضَيَّقنا عليهم الأمرَ، وألجأناهم إلى شِعْبٍ بأرضنا، لا يدخل عليهم أحد، ولا يخرج منهم أحد، قد قتلهم الجوع والعطش، فلمّا اشتد عليهم الأمرُ بَعَثَ إليك ابنَ عمه لِيُفْسِد عليك دينك وملكك ورعيتك، فاحذرهم، وادفعهم إلينا؛ لِنَكْفِيكَهُم. قالوا: وآيةُ ذلك أنّهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك، ولا يُحَيُّونك بالتحية التي يُحَيِّيك بها الناسُ؛ رغبةً عن دينِك وسُنَّتِك. قال: فدعاهم النجاشيُّ، فلما حضروا صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حِزبُ الله. فقال النجاشيُّ: مُرُوا هذا الصّائِح فلْيُعِدْ كلامه. ففعل جعفر، فقال النجاشي: نعم، فليدخلوا بأمان الله وذِمَّته. فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه، فقال: ألا تسمع كيف يَرطُنُون بحزب الله، وما أجابهم به النجاشي. فساءهما ذلك، ثم دخلوا عليه، ولم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك؟ فقال لهم النجاشي: ما يمنعكم أن تسجدوا لي، وتُحَيُّوني بالتَّحِيَّة التي يُحَيِّيني بها مَن أتاني مِن الآفاق؟ قالوا: نسجد لله الذي خلقك ومَلَكَك، وإنّما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبيًّا صادِقًا، وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا، وهي السلام، تَحِيَّةُ أهل الجنة. فعرف النَّجاشيُّ أنّ ذلك حق، وأنّه في التوراةوالإنجيل. قال: أيُّكم الهاتِفُ: يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا. قال: فتكَلَّم. قال: إنّك مَلِك مِن ملوك أهل الأرض، ومِن أهل الكتاب، ولا يصلح عندك كثرة الكلام، ولا الظلم، وأنا أُحِبُّ أن أُجِيب عن أصحابي، فمُرْ هذين الرجلين فليتكلم أحدُهما ولْيُنصِت الآخر، فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلَّم. فقال جعفر للنجاشي: سَلْ هذا الرجل: أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كُنّا عبيدًا أبَقْنا مِن أربابنا فارددنا إليهم. فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ فقال: بل أحرار كِرام؟ فقال النجاشيُّ: نَجَوْا مِن العبودية. قال جعفر: سلهما: هل أهرقنا دمًا بغير حق فيُقْتَصُّ مِنّا؟ فقال عمرو: لا، ولا قطرة. قال جعفر: سلهما: هل أخذنا أموال الناس بغير حقِّ فعلينا قضاؤها؟ قال النجاشي: يا عمرو، إن كان قنطارًا فعَلَيَّ قضاؤه. فقال عمرو: لا، ولا قيراطًا. قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كُنّا وهم على دين واحد وأمر واحد؛ على دين آبائنا، فتركوا ذلك الدين، واتَّبَعُوا غيره، ولزمناه نحن، فبَعَثَنا إليك قومُهم لتدفعهم إلينا. فقال النجاشي: ماهذا الدين الذي كنتم عليه، والدين الذي اتبعتموه؟ اصْدُقْنِي. قال جعفر: أمّا الدين الذي كنا عليه وتركناه فهو دين الشيطان وأَمْرُه، كُنّا نكفر بالله - عز وجل -، ونعبد الحجارة، وأما الدِّين الذي تَحَوَّلنا إليه فدينُ الله الإسلام، جاءنا به من الله رسولٌ وكتابٌ مثل كتاب ابن مريم موافقًا له. فقال النجاشي: يا جعفر، لقد تكلمت بأمر عظيم، فعلى رِسْلِك. ثم أمر النجاشي فضرب بالنّاقُوس، فاجتمع إليه كل قِسِّيسٍ وراهب، فلمّا اجتمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى، هل تجدون بين عيسى وبين القيامة نبيًّا مُرسَلًا؟ فقالوا: اللهم نعم، قد بشرَنا به عيسى، وقال: مَن آمن به فقد آمَن بي، ومَن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل، ويأمركم به، وما ينهاكم عنه؟ قال: يقرأ علينا كتاب الله، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأمر بحسن الجوار، وصِلة الرحم، وبر اليتيم، ويأمرنا أن نعبد الله وحده لا شريك له. فقال: اقرأ علينا شيئًا مِمّا كان يقرأ عليكم، فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم، ففاضت عينا النجاشي وأصحابه مِن الدمع، وقالوا: يا جعفر، زِدْنا مِنهذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورةَ الكهف، فأراد عمرو أن يُغْضِب النجاشيَّ، فقال: إنّهم يشتمون عيسى وأُمَّه. فقال النجاشي: ما تقول في عيسى وأُمِّه؟ فقرأ عليهم جعفرُ سورةَ مريم، فلمّا أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نَفْثَةً مِن سواكه قدر ما يُقَذِّي العين، وقال: واللهِ، ما زاد المسيحُ على ما تقولون هذا. ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا، فأنتم سُيُوم بأرضي -يقول: آمنون-، مَن سَبَّكم أو آذاكم غَرِم. ثم قال: أبشروا ولا تخافوا، ولا دَهْوَرَة اليوم على حزب إبراهيم. قال عمرو: يا نجاشيُّ، ومَن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا مِن عنده ومن اتبعهم. فأنكر ذلك المشركون، وادعوا في دين إبراهيم، ثم رَدَّ النجاشيُّ على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه، وقال: إنما هديتكم إلَيَّ رشوة، فاقبضوها، فإنّ الله مَلَّكَنِي ولم يأخذ مني رشوة. قال جعفر: فانصرفنا، فكُنّا في خير دار، وأكرم جوار. وأنزل الله - عز وجل - ذلك اليوم في خصومتهم في إبراهيم على رسول الله - ﷺ - وهو بالمدينة قوله: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه﴾ على مِلَّته وسُنَّته، ﴿وهذا النبي﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -، ﴿والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾

سورة الإسراء — الآية ٥

عن أبي هاشم العَبديِّ، عن عبد الله بن عباس، قال: مَلَك ما بين المشرق والمغرب أربعة، مؤمنان وكافران؛ أما الكافران، فالفَرُّخان، وبُختُنَصَّرَ. فأنشأ أبو هاشم يحدِّث قال: وكان رجلًا مِن أهل الشام صالحًا، فقرأ هذه الآية: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿عُلُوًّا كبيرًا﴾. قال: يا ربِّ، أما الأُولى فقد فاتتني، فأرِني الآخرة. فأُتِى وهو قاعدٌ في مُصَلّاه قد خَفَق برأسه، فقيل: الذي سألت عنه ببابل، واسمه: بُختُنَصَّرَ. فعرَف الرجلُ أنه قد استُجِيب له، فاحتَمَل جِرابًا مِن دنانير، فأقبل حتى انتهى إلى بابل، فدخل على الفَرُّخان، فقال: إني قد جئت بمال، فأَقسِمُه بين المساكين؟ فأمر به، فأُنزل، فجمَعوهم له، فجعل يُعطِيهم، ويسأله عن أسمائهم، حتى إذا فرغ ممن بحضرته قيل له: فإنّه قد بَقِيَت منهم بقايا في الرَّساتيق. فجعل يبعث فتاه، حتى إذا كان الليل رجع إليه، فأقرأه رجلًا رجلًا، فأتى على ذِكْرِ بُختنَصَّرَ، فقال: قِف، قف، كيف قلت؟ قال: بُختُنَصَّرَ، قال: وما بُختُنَصَّرَ هذا؟ قال: هو أشَدُّهم فاقة، وهو مُقعَدٌ يأتي عليه السُّفّارُون، فيُلقِي أحدُهم إليه الكِسرة، ويأخُذُ بأَنَفَةٍ. قال: فإني مُلِمٌّ به لا بُدَّ. قال الآخر: فإنما هو في خيمة له يُحدِثُ فيها، حتى أذهب فأَقلِبَها وأغسِلَه. قال: دونك هذه الدنانير. فأقبل إليه بالدنانير، فأعطاه إيّاها، ثم رجع إلى صاحبه، فجاء معه، فدخل الخيمة، فقال: ما اسمك؟ قال: بُختَنَصَّرَ. قال: من سَمّاك بُختَنَصَّرَ؟ قال: من عسى أن يُسَمِّيَني إلا أمي؟! قال: فهل لك أحد؟ قال: لا، والله، إني لهاهنا أخاف بالليل أن تأكلني الذئاب. قال: فأي الناس أحسن بلاء؟ قال: أنت. قال: أفرأيت إن مُلِّكتَ يومًا مِن دهر، أتجعل لي ألّا تعصيني؟ قال: أي سيدي، لا يضُرُّك ألّا تهزأ بي. قال: أرأيت إن مُلِّكت مرة أتجعل لي ألّا تعصيني؟ قال: أمّا هذه فلا أجعلُها لك، ولكن سوف أُكرِمُك كرامةً لا أُكرِمُها أحدًا. قال: دونك هذه الدنانير. ثم انطلق، فلحِق بأرضه، فقام الآخر، فاستوى على رجليه، ثم انطلق، فاشترى حمارًا وأرسانًا، ثم جعل يستعرض تلك الأُجُمَ، فيَجُزُّها، فَيبِيعُه، ثم قال: إلى متى هذا الشَّقاء؟! فعمَد، فباع ذلك الحمار، وتلك الأرْسان، واكتسى كسوة، ثم أتى باب الملك، فجعل يُشير عليهم بالرأي، وترتفع منزلته، حتى انتهى إلى بواب الفَرُّخان الذي يليه، فقال له الفَرُّخان: قد ذُكِر لي رجلٌ عندك، فما هو؟ قال: ما رأيت مثله قط. قال: ائْتِني به. فكَلَّمه، فأُعجِب به، قال: إنّ بيت المقدس تلك البلاد قد اسْتَعْصَوا علينا، وإنّا باعثون إليهم بعثًا، وإنِّي باعِثٌ إلى البلاد مَن يختبرُها. فنظر حينئذ إلى رجال مِن أهل الإرب والمكيدة، فبعثهم جواسيس، فلما فَصَلوا إذا بُختُنَصَّرَ قد أتى بخُرجَيه على بغلة، قال: أين تريد؟ قال: معهم. قال: أفلا آذَنتَني فأبعثَك عليهم؟ قال: لا. حتى إذا وقَفوا بالأرض قال: تفرَّقوا. وسأل بُختُنَصَّرَ عن أفضل أهل البلد، فدُلَّ عليه، فألقى خُرْجَيْه في داره، وقال لصاحب المنزل: ألا تُخبِرُني عن أهل بلادك. قال: على الخبير سقطتَ، هم قومٌ فيهم كتاب فلا يُقيمونه، وأنبياء فلا يطيعونهم، وهم مُتَفَرِّقون. قال بُختُنَصَّرَ كالمتعجب منهم: كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون! فكتبهنَّ في ورقة، وألقاها في خُرجَيه، وقال: ارتحلوا. فأقبلوا حتى قدِموا على الفَرُّخان، فجعل يسأل كلَّ رجل منهم، فجعل الرجل يقول: أتينا بلاد كذا، ولها حصن كذا، ولها نهر كذا. قال: يا بُختَنَصَّرَ، ما تقول؟ قال: قَدِمنا أرضًا على قومٍ لهم كتابٌ لا يُقِيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون. فأمِن حينئذ، فندَب الناس، وبعث إليهم سبعين ألفًا، وأَمَّر عليهم بُختُنَصَّرَ، فساروا حتى إذا علَوا في الأرض أدركهم البريدُ أن الفَرُّخان قد مات، ولم يستخلف أحدًا. قال للناس: مكانكم. ثم أقبل على البريد حين قدِمَ على الناس، فقال: وكيف صنعتم؟ قالوا: كرهنا أن نقطع أمرًا دونك. قال: إن الناس قد بايعوني. فبايعوه، ثم استخلف عليهم، وكتب بينهم كتابًا، ثم انطلق بهم سريعًا حتى قدِم على أصحابه، فأراهم الكتاب، فبايعوه، وقالوا: ما بنا عنك رغبة. فساروا، فلمّا سمِع أهل بيت المقدس تفرقوا وطاروا تحت كل كوكب، فشعَّث ما هناك -أي: أفسد-، وقتل من قتل، وخرَّب بيت المقدس، واسْتَبى أبناء الأنبياء، فيهم دانيال، فسمع به صاحب الدنانير، فأتاه، فقال: هل تعرفني؟ قال: نعم. فأدنى مجلسَه، ولم يُشَفِّعه في شيء حتى إذا نزل بابل لا تُرَدُّ له راية، فكان كذلك ما شاء الله، ثم إنّه رأى رؤيا أفظعته، فأصبح قد نسيها، قال: عليَّ بالسحرة والكهنة. قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها الليلة، واللهِ، لَتُخبِرُنِّي بها أو لأقتُلَنَّكم. قالوا: ما هي؟ قال: قد نسيتها. قالوا: ما عندنا من هذا علم، إلا أن ترسل إلى أبناء الأنبياء. فأرسل إلى أبناء الأنبياء، قال: أخبروني عن رؤيا رأيتها. قالوا: ما هي؟ قال: نسيتها. قالوا: غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله. قال: واللهِ، لَتُخْبِرُنِّي بها أو لأَضرِبَنَّ أعناقَكم. قالوا: فدَعنا حتى نتوضَّأ ونُصلِّيَ وندعو الله. قال: فافعلوا. فانطلقوا، فأحسنوا الوضوء، فأتوا صعيدًا طيبًا، فدعوا الله، فأُخبِروا بها، ثم رجعوا إليه، فقالوا: رأيتَ كأن رأسك من ذهب، وصدرك من فخّار، وبطنك من نُحاس، ورجليك من حديد. قال: نعم. قال: فأخبروني بعبارتِها، أو لأقتُلَنَّكم. قالوا: فدعنا ندعو ربنا. قال: اذهبوا. فدعوا ربهم، فاستجاب لهم، فرجعوا إليه، قالوا: رأيتَ كأن رأسك من ذهب، مُلكُك هذا يذهب عند رأس الحول مِن هذه الليلة. قال: ثم مَه؟ قالوا: ثم يكون بعدك مَلِكٌ يفخَرُ على الناس، ثم يكون مَلِكٌ يخشى الناسُ شدَّتَه، ثم يكون مُلكٌ لا يُقلُّه شيء، إنما هو مثل الحديد. يعني: الإسلام. فأمر بحصن، فبُني له بينه وبين السماء، ثم جعل يُنَطِّقُه بمقاعد الرجال والأحراس، وقال لهم: إنّما هي هذه الليلة، لا يجوزنَّ عليكم أحد، وإن قال: أنا بُختُنَصَّر. إلّا قتلتموه مكانه مَن كان مِن الناس. فقعد كل أُناس في مكانهم الذي وكِّلوا به، واهتاج بطنُه من الليل، فكره أن يُرى مَقعَده هناك، وضرب على أصمِخة القوم، فاستثقلوا نومًا، فأتى عليهم وهم نيام، ثم أتى عليهم فاستيقظ بعضهم، فقال: من هذا؟ قال: بُختُنَصَّر. قال: هذا الذي حُفي إلينا فيه الليلة. فضربه، فقتله، فأصبح الخبيثُ قتيلًا

سورة الفتح — الآية ١

عن علي، قال: صلّى بنا رسولُ الله ﷺ الفجرَ ذات يوم بغَلَس، وكان يغلِّس ويُسفر، ويقول: «ما بين هذين وقت؛ لكيلا يختلف المؤمنون». فصلّى بنا ذات يوم بغَلَس، فلمّا قضى الصلاةَ التفتَ إلينا، كأن وجهه ورقة مصحف، فقال: «أفيكم مَن رأى الليلة شيئًا؟». قلنا: لا، يا رسول الله. قال: «لكني رأيت ملَكين أتياني الليلة، فأخذا بضَبْعَيّ، فانطَلَقا بي إلى السماء الدنيا، فمررتُ بمَلك وأمامه آدميٌّ، وبيده صخرة، فيضرب بهامة الآدميّ، فيقع دماغه جانبًا، وتقع الصخرة جانبًا، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بمَلك وأمامه آدميّ، وبيد المَلك كَلُّوب من حديد، فيضعه في شِدْقه الأيمن، فيشقّه حتى ينتهي إلى أُذنه، ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، قال: قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بنهر من دم يمور كمَور المِرجل، على فِيه قوم عراة، على حافّة النهر ملائكة بأيديهم مِدْرتان، كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة، فيقع في فِيه، ويسيل إلى أسفل ذلك النهر، قلت: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة، توقد من تحتهم النار، أمسكتُ على أنفي من نَتْن ما أجد من ريحهم، قلتُ: مَن هؤلاء؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ، فإذا أنا بتَلٍّ أسود عليه قوم مُخبَّلون، تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخْرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنار مُطبَقة، مُوكَّل بها ملك، لا يخرج منها شيء إلا اتّبعه حتى يعيده فيها، قلت: ما هذا؟ قالا لي: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بروضة، وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه، وإذا حوله الولدان، وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة، فصعِدتُ ما شاء الله من تلك الشجرة، وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوته حمراء، قلتُ: ما هذا؟ قالا: امضِه. فمضيتُ فإذا أنا بنهر عليه جِسران من ذهب وفِضّة، على حافتي النهر منازل، لا منازل أحسن منها، من دُرّة جوفاء، وزَبَرْجَدة خضراء، وياقوتة حمراء، وفيه قدحان وأباريق تَطَّرد، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: انزل. فنزلتُ، فضربتُ بيدي إلى إناء منها، فغرفتُ ثم شربتُ، فإذا أحلى من عسل، وأشدّ بياضًا من اللبن، وألين من الزُّبْد. فقالا لي: أمّا صاحب الصخرة التي رأيتَ يَضرِب بها هامة الآدميّ فيقع دماغه جانبًا وتقع الصخرة في جانب، فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة، ويصلّون الصلاة لغير مواقيتها، يُضربون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا صاحب الكَلُّوب الذي رأيتَ مَلكًا مُوكَّلًا بيده كَلُّوب من حديد يشقّ شِدْقه الأيمن حتى ينتهي إلى أُذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن، فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم، فهم يُعذَّبون بها حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا ملائكة بأيديهم مِدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمِدرة فتقع في فِيه فينتقل إلى أسفل ذلك النهر، فأولئك أكَلَة الرِّبا، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار، وأَمّا البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار، أمسكتَ على أنفك من نَتْن ما وجدتَ من ريحهم، فأولئك الزُّناة، وذلك نَتْن فروجهم، يُعذّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا التلّ الأسود الذي رأيتَ عليه قومًا مُخبَّلين تُنفُخ النار في أدبارهم فتَخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم، فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط؛ الفاعل والمفعول به، فهم يُعذَّبون حتى يصيروا إلى النار. وأَمّا النار المُطبقة التي رأيت مَلكًا مُوكَّلًا بها كلما خرج منها شيء اتّبعه حتى يعيده فيها، فتلك جهنم تُفرِّق بين أهل الجنة وأهل النار. وأَمّا الروضة التي رأيتها، فتلك جنة المأوى. وأَمّا الشيخ الذي رأيتَ ومَن حوله من الولدان، فهو إبراهيم وهم بنوه. وأَمّا الشجرة التي رأيتَ فطلعتَ إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها، من زُمُرّدة جوفاء، وزَبَرْجدة خضراء، وياقوتة حمراء، فتلك منازل أهل علِّيين من النّبيّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقًا. وأَمّا النهر، فهو نهرك الذي أعطاك الله؛ الكوثر، وهذه منازلك وأهل بيتك. قال: فنوديت من فوقي: يا محمد، يا محمد، سل تُعطه. فارتعدتْ فرائصي، ورجف فؤادي، واضطرب كل عضو مني، ولم أستطع أنْ أجيب شيئًا، فأخذ أحد المَلكين يده اليمنى فوضعها في يدي، وأخذ الآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي، فسكن ذلك مني، ثم نوديت من فوقي: يا محمد، سل تُعطه. قال: قلت: اللهم، إني أسألك أن تُثْبِت شفاعتي، وأنْ تُلْحق بي أهل بيتي، وأنْ ألقاك ولا ذنب لي». قال: «ثم ولي بي». ونزلت عليه هذه الآية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾، فقال رسول الله ﷺ: «فكما أُعطيتُ هذه كذلك أعطانيها -إن شاء الله تعالى-»

سورة البقرة — الآية ٢٥١

عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: عَبَرَ يومئذ النَّهَرَ مع طالوت أبو داود في مَن عَبَر، مع ثلاثة عشر ابنًا له، وكان داودُ أصغرَ بَنِيه، وإنّه أتاه ذات يوم، فقال: يا أبتاه، ما أرْمِي بقَذّافَتِي شيئًا إلا صرَعْتُه. قال: أبْشِر؛ فإنّ الله قد جعل رِزْقَك في قذّافتِك. ثم أتاه يومًا آخر، فقال: يا أبتاه، لقد دخلتُ بين الجبال فوجدتُ أسدًا رابِضًا، فرَكِبْتُ عليه، وأخذت بأُذُنَيْه، فلم يَهِجْنِي. فقال: أبْشِرْ يا بُنَيَّ؛ فإنّ هذا خيرٌ يُعْطِيكَهُ اللهُ. ثم أتاه يومًا آخر، فقال: يا أبتاه، إنِّي لَأَمْشِي بين الجبال فأُسَبِّحُ، فما يبقى جبلٌ إلا سَبَّح معي. قال: أبْشِر، يا بُنَيَّ؛ فإنّ هذا خيرٌ أعْطاكَهُ اللهُ. وكان داودُ راعِيًا، وكان أبوه خَلَّفه، يأتي إليه وإلى إخوته بالطعام، فأتى النبيُّ بقَرنٍ فيه دُهْنٌ، وبثوبٍ من حديد، فبَعَثَ به إلى طالوت، فقال: إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت يُوضَعُ هذا القَرَنُ على رأسه، فيَغْلِي حين يَدَّهِنَ منه، ولا يسيلُ على وجهه، يكون على رأسه كهَيْئَةِ الإكْلِيل، ويدخل في هذا الثوب، فيملؤه. فدعا طالوتُ بني إسرائيل، فجرَّبهم به، فلم يوافقه منهم أحدٌ، فلما فرغوا قال طالوت لأبي داود: هل بقي لك ولدٌ لم يشهدْنا؟ قال: نعم، بَقِيَ ابني داود، وهو يأتينا بطعامنا. فلَمّا أتاه داودُ مَرَّ في الطريق بثلاثة أحجار، فكلَّمْنَه، وقُلْنَ له: يا داود، خُذْنا تَقْتُلْ بنا جالوت. فأخَذَهُنَّ، فجَعَلَهُنَّ في مَخْلاتِه، وقد كان طالوتُ قال: مَن قتل جالوتَ زَوَّجْتُه ابنتي، وأجريتُ خاتَمَه في مُلْكي. فلمّا جاء داودُ وضعوا القَرَنَ على رأسه، فغَلى حتّى ادَّهَنَ منه، ولَبِسَ الثَّوْبَ فمَلَأَهُ، وكان رجلا مِسْقامًا مِصْفارًا، ولم يلبسه أحدٌ إلا تَقَلْقَل فيه، فلَمّا لبسه داودُ تضايق عليه الثوب حتى تَنَقَّضَ، ثم مشى إلى جالوت. وكان جالوتُ مِن أجسمِ الناس وأشدِّهم، فلَمّا نظر إلى داود قُذِف في قلبِه الرعبُ منه، وقال له: يا فتى، ارجع، فإني أرْحَمُك أن أقْتُلَك. فقال داود: لا، بل أنا أقْتُلُك. وأخرج الحجارة، فوضعها في القَذّافة، كُلَّما رفع حجرًا سمّاه، فقال: هذا باسم أبي إبراهيم، والثاني باسم أبي إسحاق، والثالث باسم أبي إسرائيل. ثم أدار القَذّافة، فعادت الأحجارُ حجرًا واحدًا، ثم أرسله، فصكَّ به بين عَيْنَيْ جالوت، فنَقَبَتْ رأسَه، فقتله، ثُمَّ لم تَزَلْ تقتل، كلُّ إنسان تصيبُه تنفذُ منه، حتى لم يكن بحِيالِها أحدٌ، فهزموهم عند ذلك، وقتل داودُ جالوت، ورجع طالوتُ فأنكح داودَ ابنته، وأجرى خاتمه في مُلْكِه

اختُلف في معنى: ﴿وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: تعالى أمْر ربِّنا وسلطانه وقدرته. الثاني: عظمة ربِّنا. الثالث: جلال ربِّنا. الرابع: ذِكْرُه. الخامس: الجَد الذي هو أبو الأب، وقالوا: كان ذلك جَهْلةً مِن كلام الجنّ. السادس: غِنى ربِّنا. ووجَّه ابنُ عطية (٨‏/‏٤٢٦) القول السادس بقوله: «فهذا هو من الجَدّ الذي قال فيه رسول الله ﷺ: «ولا ينفع ذا الجَد منك الجَد»». وعلَّق على القول الثاني والثالث والرابع بقوله: «وهذا كلّه متَّجه؛ لأنّ الجَدَّ هو حظّ المجدود من الخيرات والأوصاف الجميلة، وجَدُّ الله تعالى هو الحظّ الأكمل من السلطان القاهر والصفات العلية والعظمة، ومن هذا قول اليهودي حين قدم رسول الله ﷺ المدينة: يا بني قيلة، هذا جَدُّكم الذي تنتظرون. أي: حظّكم من الخيرات وبختكم». ورجَّح ابنُ جرير (٢٣‏/‏٣١٥) -مستندًا إلى لغة العرب، ودلالة العقل- القول الأول والثاني، وانتقد القول الخامس، فقال: «وأَوْلى الأقوال في ذلك عندنا بالصَّواب قولُ مَن قال: عُنِيَ بذلك: تعالتْ عظمةُ ربِّنا وقُدْرَتُه وسُلْطانُه. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن للجَدِّ في كلام العرب معنيين: أحدهما: الجَدُّ الذي هو أبو الأب، أو أبو الأُمّ. وذلك غير جائزٍ أنْ يوصف به هؤلاء النّفر الذين وصفهم الله بهذه الصفة، وذلك أنهم قد قالوا: ﴿فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحدًا﴾، ومَن وصف الله بأن له والدًا أو جدًّا -وهو أبو الأب أو أبو الأُمّ- فلا شكّ أنه من المشركين. والمعنى الآخر: الجَدُّ الذي هو بمعنى الحظ؛ يقال: فلانٌ ذو جَدٍّ في هذا الأمْر: إذا كان له حظٌّ فيه، وهو الذي يقال له بالفارسية: البَخْت، وهذا المعنى الذي قصده هؤلاء النّفر من الجنّ بقيلهم: ﴿وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا﴾ إن شاء الله. وإنما عَنَوا أنّ حُظْوَته مِن المُلك والسلطان والقدرة والعظمة عالية، فلا تكون له صاحبة ولا ولد؛ لأنّ الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي تضطرُّه الشهوة الباعثة إلى اتخاذها له، وأنّ الولد إنما يكون عن شهوة أزعَجَتْه إلى البِضاع الذي يَحدث منه الولد، فقال النّفر من الجنّ: عَلا مُلك ربِّنا وسلطانه وقدرته وعظمته أنْ يكون ضعيفًا ضَعْفَ خَلْقه الذين تضْطَرُّهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة، أو وِقاع شيءٍ يكون منه ولد. وقد بيَّن عن صحة ما قلنا في ذلك إخبار الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾، فأَخبَر -جلَّ ثناؤه- أنهم إنما نزّهوا الله عن اتخاذ الصاحبة والولد بقوله: ﴿وأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾»

اختُلِف في معنى العذاب المذكور على قولين: الأول: العذاب الذي توعدهم الله ببعثه عليهم من فوقهم فالرجم، وأما الذي من تحتهم فالخسف. والثاني: عني بالعذاب من فوقهم: ولاة السوء، وأما الذي من تحتهم فالخدم وسفلة الناس. ورجَّح ابنُ جرير (٩‏/‏٢٩٨) القول الأول الذي قاله أبو مالك، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والسدي، وابن زيد مستندًا إلى الأشهر الأظهر لغة، فقال: «وذلك أنّ المعروف في كلام العرب من معنى (فوق) و(تحت) الأرجل، هو ذلك دون غيره، وإن كان لما روي عن ابن عباس في ذلك وجه صحيح [يعني: القول الثاني]، غير أنّ الكلام إذا تُنُوزِع في تأويله فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحقُّ وأولى مِن غيره ما لم يأت حُجَّةٌ مانعة من ذلك يجب التسليم لها». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٦‏/‏٧٥) مستندًا إلى القرآن، والسنة، فقال: «ويشهد له بالصحة قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير * ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير﴾ [الملك:١٦-١٨]، وفي الحديث: «لَيَكُونَنَّ في هذه الأمة قَذْف، وخَسْف، ومَسْخ»». وجمع ابنُ عطية (٣‏/‏٣٨٣) بين القولين، فقال: «وهذه كلها أمثلة، لا أنها هي المقصود، إذ هي وغيرها من القحوط والغرق وغير ذلك داخلٌ في عموم اللفظ»

سورة البقرة — الآية ٣٤

عن محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة- قال: أمّا العرب فيقولون: ما الجِنُّ إلا كل مَن اجْتَنَّ فلم يُرَ. وأمّا قوله: ﴿إلا إبليس كان من الجن﴾ [الكهف:٥٠] أي: كان من الملائكة، وذلك أن الملائكة اجْتَنُّوا فلم يُرَوْا، وقد قال الله -جَلَّ ثناؤُه-: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون﴾ [الصافات:١٥٨]، وذلك لقول قريش: إنّ الملائكة بنات الله. فيقول الله: إن تكن الملائكة بناتي فإبليس منها، وقد جعلوا بيني وبين إبليس وذريته نَسَبًا. قال: وقد قال الأعشى أعشى بني قيس بن ثَعْلَبَة البَكْرِيّ، وهو يذكر سليمان بن داود وما أعطاه الله: ولو كان شيء خالِدًا أو مُعَمَّرًا لكان سليمان البَرِيَّ من الدَّهْرِ بَراهُ إلهي واصْطَفاه عِبادَه ومَلَّكه ما بين ثُرْيا إلى مِصْر وسَخَّر من جِنِّ الملائكِ تِسْعَةً قيامًا لديه يعملون بلا أجر قال: فأبت العرب في لغتها إلا أنّ الجِنَّ: كُلُّ ما اجْتَنَّ. يقول: ما سَمّى الله الجِنَّ إلا أنّهم اجْتَنُّوا؛ فلم يُرَوْا، وما سَمّى بني آدم: الإنس، إلا أنهم ظهروا فلَم يَجْتَنُّوا، فما ظهر فهو إنس، وما اجْتَنَّ فلم يُرَ فهو جِنٌّ

سورة البقرة — الآية ١٠٢

عن عبد الله بن عمر -من طريق موسى بن جُبَير عن نافع-، أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنّ آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي ربِّ، أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك! قال: إني أعلم ما لا تعلمون. قالوا: ربَّنا، نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله للملائكة: هَلُمُّوا مَلَكَيْن من الملائكة حتى نُهْبِطَهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان. فقالوا: رَبَّنا، هاروت وماروت. قال: فأُهبِطا إلى الأرض، فتمثلت لهما الزُّهْرَة، امرأةٌ من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تَكَلَّما بهذه الكلمة من الإشراك. قالا: لا، واللهِ، لا نشرك بالله أبدًا. فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبيٍّ تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تقتلا هذا الصبي. قالا: لا، والله، لا نقتله أبدًا. فذهبت، ثم رجعت بقَدَح من خمر تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا، والله، حتى تشربا هذا الخمر. فشَرِبا، فسَكِرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلَمّا أفاقا قالت المرأة: والله، ما تركتما شيئًا أبيتماه إلاّ قد فعلتماه حين سَكِرْتُما. فخُيِّرا عند ذلك بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا»